• الإثنين 24 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر09:02 م
بحث متقدم

قيرغيزيا.. حكاية قرية (3)

مقالات

أعتصر ذاكرتي الآن لألتقط بعض الصور من "القرية الشرقية" في قيرغيزيا بالعام 1991م، وما ثمّ شيء يبرز، سوى البيوت البسيطة التي تشكّل القرى في كل العالم، مع اهتمامهم بتربية المواشي، خصوصاً الأبقار. لم نكن نرى النساء أبداً، وإن خرجن؛ فمتحجبات بالكامل، وهن اللواتي يقمن بكل الأعمال المنزلية، فضلا عن رعايتهن للمواشي، وأحيانا المساعدة في الزراعة، وللمرأة كلمتها في البيت، والحقيقة أن القرية كانت أعجوبة ومثالاً فريداً للمحافظة في ذلك العصر.

مما أتذكّره أن القوم شوافع، ويرون جواز الصلاة في البيت، فصلاة الجماعة عندهم فرض كفاية، وكنت وصديقي ممن يرى رأي الحنابلة، فنحرص على الذهاب للمسجد معظم الصلوات، وكان بعيداً عن بيت مضيفنا، والطريف في رحلتي الأخيرة هذه قبل أسبوع؛ بتُّ شافعياً هناك بعد أن كبرت وثقلت.

أتذكّر ارتقاب طلاب المسجد لمجيئنا، وتحلّقهم حال رؤيتهم لنا؛ ويتخاطب نجباؤهم بالفصحى، فيما الآخرون يصغون، وقد اعترفنا أخيراً لهم بأن ليس لنا في قواعد العربية إلا المبتدأ والخبر والفعل والفاعل فقط، فسقطنا قليلا في أعينهم، بيد أننا ارتحنا نفسياً، ولسان حالنا: "الصدق منجاة، ولئن نسقط بأعينكم؛ أحب إلينا من التظاهر زوراً أنّ لنا في اللغة العربية عِلم".

تشاور القوم هناك في كيفية الافادة منا، وتحقيق مطلبنا في التعرف على أحوال المسلمين ببلادهم، وارتأوا الذهاب بنا في جولات بالقرى المجاورة لقريتهم، بعد ابلاغ أهالي تلكم القرى بوجود ضيفين من مكة والمدينة لزيارتهم.

تعجّبنا جداً من كثرة القوميات المتعددة وقتذاك، فقرية يسكنها شيشان فقط، وأخرى أتراك، والثالثة من الطاجيك، والرابعة من القفقاس، والخامسة من الصينيين الدونكان، والبعض آذاريين، والعجيب وجدنا قرية سكانها عرب، ولا يتكلمون من العربية شيئاً، وقالوا بأنهم أحفاد العرب الذين فتحوا هذه البلاد، وأشكالهم توحي بذلك، وجدنا عشرات العرقيات والاثنيات بشكل لا تتصوروه، وفي مساحات متقاربة ضيقة.

أما سبب تعدّد العرقيات، فلربما من جهة أراد الشيوعيون صهر القوميات في بوتقة الأيدولوجيا الواحدة، وسببٌ  ثان يكمن في النظرية الاشتراكية التي طبقها السوفييت، التي ابتدعت نظامي "الكولخوز" و "السوفخوز"، اللذان كانا العنصرين الرئيسيين في قطاع المزارع الاجتماعية الذي ظهر في نظام الزراعة السوفيتي بعد ثورة الشيوعية عام 1917، كانتا نقيضاً للهيكل الإقطاعي الذي تكوّن من الأقنان الفقراء وأصحاب الأراضي الأرستقراطيين، فهجّروا تلك القوميات في كل أراضي الاتحاد السوفيتي وأعطوهم هاته الكلوخوزات.

ما يهم؛ أننا بتنا يومياً نجولُ في 3 قرى وأكثر، نلتقي ونخطب في أهلها، بصحبة الشيخ موسى الدرقيني وشقيقه الأكبر محمد خزائن، اللذان كانا يأخذاننا من الصباح حتى المساء بتلكم القرى، التي يتجمع رجالهم ونساؤهم ليروا هؤلاء القادمين من مكة والمدينة، ونفعتنا ثيابنا وأشمغتنا السعودية كثيراً، فقد أعطتنا وقارا وهيبة وتميزا، ودلّ عليّ صديقي وقتها باللبس، وردّ كل اللوم الذي أغرقته بها في ليلة الرعب التي سافرنا.

كنا نخاطب القرية؛ أننا إخوانكم، وأتينا حباً لكم، وتفقداً لأحوالكم، لأن رابطة الاسلام تجمعنا بكم. والحقيقة أننا أثّرنا عليهم كثيراً، من خلال دموعهم ومشاعرهم التي فاضت، فقد كانوا لا يعرفون عن الاسلام شيئاً، فهم الجيل الثالث الذي ترعرع في الشيوعية، وكانوا يقولون لنا أنهم مسلمون، ولكن لا يعرفون عن الاسلام إلا الشهادة.

أتذكر سباق أهل القرى لضيافتنا، وكنا نستمتع بالأكلات الشعبية المتنوعة، وكان أكرم تلك القرى قومية الدونكان، وهم من أصل صيني؛ إذ يتفننون في الأطباق التي تعود للمطبخ الصيني، وكنا شباباً نأكل الحجر، بما في عاميتنا، ونلتهم ما أمامنا من أطباق فريدة وشهية، وبعض أهالي تلك القرى كان يبالغ في اكرامه بأن يفرش لنا الأرض التي نمشي عليها بأقمشة بيضاء، ثم يأخذونها، يظننونا من الصحابة من فرط فرحتهم بنا، وكنا وقتها حديثي الأسنان، لم تخترمنا السنون بعد، فنفرح ونتدلّه كثيراً بهذه الحفاوة.

من المواقف الطريفة، أن مضيفنا الشيخ محمد خزائن، وهو وجيهٌ كبيرٌ في" القرية الشرقية"؛ كان يقوم بالترجمة لنا باللغة الروسية التي يفهمها الجميع هناك إذاك؛ وكان يخرج عن النص -غفر الله له- وتراني واقفاً أمام جمهرة القوم أقول لهم: "السلام عليكم ورحمة الله، نحن إخوانكم من السعودية، وأتينا للاطمئنان عليك". جملة بسيطة لا تستغرق سوى ثوان لترجمتها، وإذا بنا نسمع الرجل يرغي ويزبد ويصيح في القوم بالروسية، ونطالع في بعضنا -أخي ابراهيم حجار يرحمه الله وأنا- ما الذي حصل، وما الذي اقترفناه؟! وهكذا طوال الوقت، نقول جملة قصيرة من مثل "ما أجمل قريتكم"، والرجل يستغرق وقتاً طويلاً في ترجمتها، وهو محمّر الوجه، يصيح ويلّوح بيديه متوعّداً، والقوم ناكسو الرؤوس كأن على رؤوسهم الطير، ويهبّون حال انتهائنا –قياماً- لمعانقتنا بحرارة، وبعض الأحيان ببكاء، ونحن لا ندري ما القصة، معتقدين أنها أشواقُ القوم فقط لدينهم.

 

وتكرّر الأمر، ومنعتنا اللباقة أن نتحدث مع مترجمنا العجيب هذا، وفي النهاية صارحناه بما اعتمل في نفوسنا، فضحك طويلاً، وقال: "هؤلاء القوم مختصمون مع القرية المجاورة، ولم تفلح جهودنا في الاصلاح من سنوات، واهتبلتُ وجودكم، فصرتُ أقول لهم بأن هؤلاء الضيوف الآتين من مكة والمدينة عاتبون عليكم بسبب عنادكم، ويخوفونكم من حساب الآخرة إن استمررتم في الخصومة والقطيعة، فيرضخون مباشرة، ويقبلون بالصلح". صحنا عليه: "يا لأمانة الترجمة لديك!!  لا بأس أن تصلح بنا، وتتكلم باسمنا، ولكن أعطنا خبراً بها"، وأعطيناه الإذن ليتكلم بما شاء بلساننا، طالما غرضه الاصلاح.

كان صديقي الحبيب إبراهيم حجار يملك صوتاً ملائكياً في تلاوة القرآن الكريم، ويتقن الآذان المديني الطويل للمؤذن الشهير عصام بخاري، فكنا إذا انتهينا من كلمتنا، يقوم بقراءة القرآن الكريم، يخطفُ بها قلوب القوم، وتراهم مُطرقين مأخوذين بروعة التلاوة، وإن ترنّم -يرحمه الله- بأذان المسجد النبوي؛ رأيتَ رؤوس القوم تشرئب نحوه، وتكاد تسمع وجيبَ قلوبهم من انصاتهم وفرط ما هم فيه من سحر، وما يلبث صديقي أن يغيّر نغمة تلاوته، ليحلّق بهم في سماوات إيمانية بعيدة، إذ لم يعهدوا في حياتهم أبداً قراءة قرآن مثل الذي سمعوه، أو أذاناً صادحاً بهذا الصوت الآسر، فكنت أطالع في وجوههم الخشوع والانكسار وقد تمددا في صفحاتها، وعيونهم تبرق بالدموع المتهاملة، وأنفاسهم -من فرط ما فيهم من تأثر- تتصاعد وتخبو، لنخرج -بعد انتهائنا- في حالةٍ من الخشوع والتضرع والفرح والرضا أن جئنا هؤلاء القوم، واستعملنا الله ووفقنا أن أسمعناهم ما يذكّرهم بدينهم، ونمضي مُطرقين -أربعتنا- في حالة مناجاة لله؛ أن يتقبل منا ما فعلناه وقدمناه، وأبلغنا دعوته لهؤلاء القوم المنقطعين في أقصى الأرض عن دين الاسلام.

قابلت الشيخ محمد خزائن في زيارتي الأخيرة، وقد بلغ الرجل الثمانين، وعُدتُه في غرفته بالمستشفى، وذكّرته بترجمته الأمينة، فقهقه عالياً، وتحاورتُ طويلا معه -بعد إبلاله وخروجه- عن القرية الشرقية، وهو من صقور القرية الذين يرون بقاءها كما هي بنفس الطريقة التي نشأت عليها، ويعتبر نفسه أحد حرّاسها الأمناء، والوصيّ -مع مجموعة صغيرة معه- على قيمها وتقاليدها، بعدم انفتاح أبنائهم على المجتمع القيرغيزي، والمحافظة على نفس نهج الآباء المؤسسين، وكنت أجادله بأن هذا لا يمكن، لأن الأسباب التي جعلتهم يتحوصلون وينغلقون زالت، والمجال متاح ومفتوح لهم اليوم للدعوة، وينبغي أن يختلطوا بالمجتمع حولهم، ويشاركوا في بناء الدولة، من خلال أبنائهم الذين ينبغي على شطر منهم التعلم في الجامعات، والمشاركة في بناء الوطن، وإلا سيصبحون نبتة غريبة لن يقبلها القرغيز، فضلا على ضرورة الاهتمام ببناتهم والحاقهن بالمدارس الحكومية، أو افتتاح مدارس خاصة تمنحهن الشهادات لتعليمهن، حيث أنهن كنّ -وما يزلن- يتعلمن في البيوت فقط.

حاولت أن أقول له بأن رياح الانفتاح اخترقت كل الحجب والحواجز، ومن العبث مقاومة العولمة التي دهمت كل المجتمعات المغلقة، إذ تحكي كل التجارب عبر التاريخ، ليس بانهزامية بل استئصال من لم يتواكب والعصر، ويتفاعل مع محيطه القريب والبعيد، وينخرط في أتون الحداثة العالمية بعد تحصين بيته بقيمه العامة ويواءم مبادئه، وإلا فبعد رحيلهم خلال سنوات قلائل، سينفرط عقد القرية بما رأيت ارهاصاته اليوم من بعض الانقسام والتمرد من شبابهم، وبدلاً من بقاء القيم التي تأسّسوا عليها، فإنها ستتبدّد وتتلاشى، ويتفرّق القوم أيدي سبأ، ويتبعثرون بلا رجعة.

في تلك الفترة، قبل 28 عاما، أتت جحافل المنصرين لقيرغيزيا، وقبل 15 عاماً دهمتهم عمائم الملالي الصفوية والأغآخانية، فما الذي حصل؟ وكيف تأثرت قيرغيزيا، وماذا كان دور القرية الشرقية في تلك الأحداث؟

 مقالتي المقبلة ستنقل لكم تفاصيل ذلك..


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • فجر

    04:27 ص
  • فجر

    04:26

  • شروق

    05:49

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:19

  • مغرب

    17:54

  • عشاء

    19:24

من الى