• الإثنين 12 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر08:06 م
بحث متقدم

لماذا صدق الناس الطفل المهرب؟!

مقالات

يتكلم المعارضون في الخارج بالساعات في القنوات الفضائية ويبتدعون عشرات الهاشتاجات والمقالات والبوستات ومع ذلك يفشلون في إقناع أحد في الداخل بصدق ما يقولونه ويروجون له.
طفل سوهاج مهرب الملابس عبر جمرك بورسعيد أقنع المصريين بكلامه مع المذيعة التي حاصرته بالاتهامات وتحذيرات السقوط في الحرام والإضرار باقتصاد بلاده. أقنعهم بفهمه البسيط لما يراه بعينيه من أضرار أكبر مليون مرة يقوم بها من يملك النفوذ والقوة ولا يحاسبه أحد على الملايين التي يهدرها، بينما يحاسب هو على 150 جنيها يطعم بها ثلاث شقيقات وأمهن!
ما ارتكبه الطفل ورفاقه أمر غير شرعي أو مبرر مهما كانت الأسباب، لكنه حفر في الانطباع العام رسالة شديدة السلبية عن معاناة الاقتصاد المصري من غير حاجة للجلوس ساعتين يوميا في استديو قناة فضائية أو الجلوس على الهاتف المحمول لكتابة هاشتاج وقياس مدى التفاعل معه.
الصورة النمطية السائدة في الداخل عن المعارضين في الخارج أنهم يرفلون في النعيم المقيم، يظهرون بياقاتهم وملابسهم الثمينة، ليحرضوا الداخل على الثورة، وهو أمر بالغ السوء، فلا يمكن لعاقل التضحية بحريته في سبيل تنفيذ كلام من يعيش في أمن وطمأنينة بمنأى عن المحاسبة أو الخطر. 
لا أحد في الداخل يهمه أن يعود مرسي أو لا يعود، أو أنه شريف أو غير شريف، ما خبروه عمليا أن أداءه لم يكن جيدا على الإطلاق، ولم تكن الأحوال مستقرة، وأن من رشحه لمنصبه لم يختر الاختيار السليم، فلا يكفي أن يكون الشخص ورعا لكي يصلح للحكم. الورع بدون القوة صفة تؤهل الإنسان لكي يعيش منعزلا في صومعة غير مسئول إلا عن نفسه.
الناس تهمها أشياء أخرى يفشل المعارضون في الخارج في التعبير عنها ولن يكونوا مقنعين بأي حال لمن في الداخل. ليجلس هذا المذيع أو ذاك ساعتين يوميا يتكلم ويتكلم. لا أحد يصدقهما. ومن يستمع يتسلى فقط ثم يغادر المحطة وينسى كل ما سمعه أو شاهده!
رسالة طفل بورسعيد كانت أوقع وأشد تأثيرا ووصلت للقلوب والعقول بسرعة خارقة. السبب أنه يعيش بينهم ويعاني المعاناة نفسها والألم نفسه. في مصر معاناة اقتصادية ومشاكل بالغة لكنها إذا جاءت في شكل تشنيع يومي من المعارضين في الخارج سينظر إليها الرأي العام على أنها محض تحريض ودعوات إلى الفوضى والاعتصامات والمظاهرات التي كانت سائدة بعد انقضاء الشهر الأول من 25 يناير 2011. الحقيقة لا أحد يتمنى ذلك أو يتخيله.
على المعارضة البحث عن صيغة مقبولة تعود بها إلى الحياة الفعلية وتضخ الدماء في شرايين السياسة المسدودة، وعلى الدولة القبول بصيغة تعيد من يرغب من المعارضين في الخارج وتفتح لهم نوافذ الداخل ليتكلموا ويكتبوا في إطار من الشرعية والقانون. يقال إن هيبة الدولة تمنعها من التنازل. هو ليس تنازلا بل حضنا دافئا حنونا من الأم لأولادها.
مساحات كافية للرأي الآخر مطلوبة من الدولة، فالمعارضة تقوي النظام ولا تضعفه وتوفر له القوة أمام العالم. المعارضون في الخارج بدورهم عليهم أن يتخلوا عن شروطهم وطلباتهم. الدولة دولة لا يمكن لأحد فرض شروطه عليها. على الفصائل الإسلامية كافة وليس الإخوان وحدهم التخلي عن أي رغبة في الحكم، فالمصريون لن يقبلوا ذلك مهما بلغ بهم التدين.
المعارضة المطلوبة هي معارضة سياسية تنتهج الأسلوب النقدي الذي تكلم به طفل بورسعيد المهرب، بلسان الإنسان البسيط واحتياجاته، فقد أوصل رسالة بليغة بأن أبراج العاصمة الإدارية التي يريدون انجازها قبل 2020 لتدخل موسوعة جينس، ليست عنوانا لحياة مستورة على الأقل، ولا الاحتياج الضروري لشعب يبحث عن لقمة العيش الحلال فيضطر إلى تهريب ملابس مقابل جنيهات زهيدة للطعام والشراب والعلاج.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • فجر

    04:59 ص
  • فجر

    04:59

  • شروق

    06:24

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:42

  • مغرب

    17:03

  • عشاء

    18:33

من الى