• الإثنين 19 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر07:40 ص
بحث متقدم

هل تورط ضباط يوليو في الإرهاب ؟!

مقالات

ما زال الانقسام السياسي تجاه أحداث يوليو 1952 حاضرا في الحياة السياسية المصرية حتى الآن ، وبشكل أساس الانقسام بين من يرى أن ما حدث هو انقلاب عسكري صريح قام به ضباط الجيش الصغار واعتقلوا قياداتهم العسكرية ثم اعتقلوا السياسيين بما في ذلك أعضاء التنظيمات التي ساعدتهم شعبيا مثل الإخوان المسلمين وتنظيم "حدتو" الشيوعي ، وبين من يرى أن ما جرى ثورة شعبية غيرت وجه الحياة في مصر وحققت إنجازات كبيرة في التحرر الوطني والتصنيع وخلافه .
غير أن هناك أبعادا أخرى مهمة في تاريخ تلك التجربة ، أعتقد أنه من المفيد دراستها ، أو إطلاع الأجيال الجديدة على وقائعها لكي تكتمل الصورة وتقربنا أكثر إلى فهم طبيعة ما حدث ، ومن ذلك الوقائع التي تدل على الوعي السياسي للضباط الذين قاموا بانقلاب يوليو ، وأيضا ممارساتهم السياسية والعسكرية والتنظيمية ، وكان من أكثر ما لفت انتباهي في سيرة تلك المجموعة هو نزوعها المستمر إلى ارتكاب عمليات الاغتيال السياسي لخصومها والتخطيط الدائم لتلك العمليات ، وتقريبا لم يخل أحد من قادة ما عرف باسم تنظيم "الضباط الأحرار" من التورط في ارتكاب عمليات اغتيال ، بعضها نجح وبعضها لم ينجح ، وبعضها تم وأد الفكرة قبل تنفيذها ـ ليس لوازع أخلاقي ـ وإنما لعدم جدواها .
وكان عبد الناصر قد اعترف بارتكابه هو وآخرين لأعمال "إرهابية" عديدة على هذا النحو ، في كتابه المبكر "فلسفة الثورة" ، وكان مما قاله: (وأعترف .. إن الاغتيالات السياسية توھجت في خيالي المشتعل في تلك الفترة على أنها العمل الإيجابي الذي من المهم الاقدام عليه ، إذ كان يجب أن ننقذ مستقبل وطننا ، وفكرت في اغتيال كثيرين وجدت أنهم العقبات التي تقف بين وطننا وبين مستقبله ، ولما جلست مع غيري انتقل التفكير إلى التدبير ، وقمنا بمحاولات كثيرة على هذا الاتجاه) .
ولعل واحدة من أخطر تلك العمليات "الإرهابية" هي المحاولة التي قام بها الضابط جمال عبد الناصر لاغتيال اللواء حسين سري عمر ، الذي كان مرشحا لمنصب وزير الحربية في 8 يناير 1952 ، وأطلق عليه سبع رصاصات إلا أنها لم تصبه في مقتل ، وقد شاركه في خلية الاغتيال كل من : كمال رفعت وحسن التهامي وحسن إبراهيم ، وهي الواقعة التي رواها أكثر من عضو في مجلس قيادة الثورة ، منهم أنور السادات ومنهم عبد اللطيف البغداداي ومنهم خالد محيي الدين ، وهي تدخل ـ قطعا ـ ضمن ما اعترف به عبد الناصر بدون تفاصيل ، ويبدو أن عبد الناصر أقدم على عملية الاغتيال بدون مشورة زملائه الأمر الذي أغضبهم ، لأنه لو تم ضبطه في العملية لكشف التنظيم وانتهى كل شيء ودخلوا السجون .
الواقعة الأخرى وهي التي يرويها الرئيس الأسبق محمد أنور السادات في كتابه "قصة الثورة كاملة" ، ويقول فيها أنهم بدأوا بخطة اغتيال النحاس باشا ، ويضيف : (رأينا أن المهم أن نتخلص ممن كانوا يساندون الانجليز في ذلك الوقت ، وكان على رأس هؤلاء في نظرنا مصطفى النحاس ، ووجدنا أنه من واجبنا الوطني أن نزيله من طريقنا ، ولكن محاولة اغتياله في 6 سبتمبر 1945 فشلت ، وبعد ذلك قررنا التخلص من أمين عثمان وزير المالية ، ونجحنا في اغتياله في 6 يناير 1946 ، وتم القبض على حسين توفيق ـ قائد العملية ـ بعد أن دل عليه من شاهده ، وألقي القبض علي ـ يقصد نفسه ـ بعدها بخمسة ايام) .
استخدام الاغتيالات السياسية "الإرهابية" كانت فكرة حاضرة في مخططات هذه المجموعة من ضباط الجيش الشبان وقتها ، ويحكي عبد اللطيف البغدادي في مذكراته أنهم قبل الانقلاب بأسبوع تقريبا وضعوا خطة لاغتيال العديد من القيادات السياسية والحزبية في البلد ، وبدأوا حصر الأسماء التي سيتم استهدافها بالاغتيال ، غير أنهم تراجعوا عن الفكرة بعد أن وجدوا أن العدد كبير ، ويضيف : (في اجتماع الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار في 17 يوليو 1952 استعرضنا الموقف السياسي في البلد بهدف إصلاحه ، كان أول الأبواب التي طرقتها أذهاننا هو العمل على اغتيال بعض الساسة المصريين الذين أفسدوا الحياة السياسية في البلاد ، ثم تبين لنا عندما حددنا أسماء هؤلاء الساسة أن عددهم يربوا على الثلاثين شخصا ، ووجدنا أن الأمر يمكن أن ينكشف وسيلقى القبض علينا) .
وفي مذكراته ، اعترف خالد محيي الدين أنه تورط في محاولة اغتيال برلماني مصري كبير ، وقال في كتابه "والآن أتكلم" : (في عام 1946 اشتركت مع حسن عزت في محاولة اغتيال أحد المرشحين لمجلس الشيوخ كان قد اشتكى لأحد المسئولين البريطانيين عند زيارته لمصر) ، كما حكى محيي الدين أن عبد الناصر رتب لعمليات اغتيال واسعة النطاق بهدف زلزلة أركان النظام حسب قوله ، ويضيف : (في 7 فبراير 1952 قبل صدور خطاب تشكيل وزارة الهلالي ، زارني في بيتي جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين وتوقع عبد الناصر أن الهلالي سوف يعطل الدستور ويحل البرلمان وأفعال أخرى ، ومن ثم فلا بد أن نتحرك فورا بعمل انقلاب ، .. وتقدم عبد الناصر باقتراح مؤداه أن نقوم  بسلسلة اغتيالات تستهدف هز أركان النظام ، واتفقنا أن يجهز كل منا مجموعته للبدء في التنفيذ) ، غير أن الفكرة تراجعوا عنها في اللحظات الأخيرة لشكوكهم في أن تؤدي إلى تحقيق الهدف المقصود منها .
ووصل من تغلغل فكرة الاغتيال إلى أن طرحها بعض الضباط في سياق التصفيات الداخلية بينهم ، فيحكي خالد محيي الدين أنه إبان أزمة فبراير بين عبد الناصر ومحمد نجيب فى فبراير 1954 اقترح جمال سالم أن نقوم باغتيال الرئيس محمد نجيب ، لكننا رفضنا الفكرة ، كما حكى محيي الدين في كتابه "والآن أتكلم" اعترافات عبد الناصر بتدبير عدة انفجارات في القاهرة بهدف تخويف المواطنين ودفعهم للخوف من مطالب عودة الديمقراطية ولجعلهم يبحثون عن الأمن أولا ، وأضاف خالد : (روى لي عبد اللطيف بغدادي ، وأعاد فأكد ذلك في مذكراته أن عبد الناصر أبلغه هو وكمال الدين حسين وحسن إبراهيم أنه هو من دبر ستة انفجارات كانت قد وقعت في القاهرة لإثارة مخاوف الناس من الديمقراطية) ، والجدير بالذكر أن عبد الناصر وقتها كان يتولى منصب وزير الداخلية .
لسنا بصدد التقييم الأخلاقي لتلك الأعمال التي توصف عادة بالأعمال الإرهابية ، والمؤكد أن انكشاف أي من تلك العمليات في وقتها كان كفيلا بإلقاء هذه المجموعة في السجون أو على أعواد المشانق ، ولتمت كتابة تاريخ مختلف لمصر في القرن الأخير كله ، ولكن الأهم في التوقف عند هذه العمليات هو تصور الحالة الفكرية والسياسية التي كانت تهيمن على وعي هؤلاء الضباط الشباب وقتها ، والذين قدر لهم أن يحكموا مصر طوال ما يقرب من ثلاثين عاما ، من 1952 وحتى 1981 .

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • ظهر

    11:45 ص
  • فجر

    05:04

  • شروق

    06:30

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    17:00

  • عشاء

    18:30

من الى