• الإثنين 12 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر09:59 م
بحث متقدم

قيرغيزيا.. حكاية قرية (2)

مقالات

أتذكر تماماً كيف كانت صلاتنا –صديقي إبراهيم حجار يرحمه الله وأنا- للظهر في مسجد "القرية الشرقية" بعد وصولنا الدرامي لها، إذ كنا نمتن لله شكراً على أن وصلنا لهاته القرية النورانية، وأن غشيتنا السكينة والاطمئنان، واستقر الأمن في نفوسنا.

بعد أن انتهينا من الصلاة، أقبل علينا وجهاء القرية الذين تسامعوا بنا للسلام، وكنا نحتضنهم بحبٍّ خالص، وكان معظمهم كبار سنٍُ، وانتبهت للأدب والتوقير العالي من لدن الشباب تجاه هؤلاء الأشياخ الذين أتوا، وكان الطلاب يرمقوننا بقليل من العتب أن تركناهم ولم نجب على أسئلتهم، ونحن الذين هربنا –ببعض الكبرياء المتبقي- من تلكم الأسئلة التي لا نعرف إجاباتها، وهم يظنوننا علماء لغة، وكان مدير المدرسة الملحقة بالمسجد، هو الشيخ موسى الدرقيني، الذي أصرّ على اصطحابنا لداره.

عندما تكامل المجلس بنا والوجهاء، بدأوا يسألون عن أحوالنا، واللهفة والشغف تشعّان من أعين القوم، واسترسلنا في حديث شائق عن بلادنا وعلمائنا وولاة أمورنا ومجتمعنا، كانوا يسألون وقد أشربت نفوسهم التاريخ ولكأننا صحابة، شعرنا وقتذاك بمدى مكانة من ينتمي للمملكة، وخضنا في شؤون شتى، والأنس البالغ بنا انبعث في ثنايا حديثهم، والأشواق المتدفقة انبسطت على صفحات وجوههم، خصوصاً عند الحديث عن مكة والمدينة، ولمحنا الأدمع الحرّى التي تترقرق من بعضهم بفعل حالة التأثر الذي هم فيه، فالقوم عاشوا طيلة حياتهم يصلّون تجاه مكة، ولا يَصلون لها، ومقطوعين عن العالم الخارجي في هذه القرية التي كان لها حدوداً في التعامل مع محيطهم القريب حتى..

 في مقابلهم كنا –صديقي وأنا- في حالة جذل متبدية، وانشراح نفس ممتد، فلأول مرة نضحك بقهقهة عالية، ونبسم عريضاً بعد ليلة الرعب والجوع التي مررنا، وجاء دورنا لنسأل عنهم وقريتهم، وأجابنا عالمهم الأكبر الشيخ إلياس الأقوشي الداغستاني، وهو من مواليد 1909م، وكان رأس القوم، وتحدثنا معه لفترات طويلة لاحقاً، وسرد لنا قصتهم.

عندما جاء المساء، وانتهينا من العشاء، المكون من الشوربة واللحم والخبز الشهير خاصتهم، وطعمناه بلذة بالغة؛ طلبنا من مضيفنا الاستئذان، ورُمنا الذهاب للمسجد كي ننام هناك، عندها رفض الشيخ موسى، وقال: "أنتم ضيوفي طالما كنتم في قيرغيزيا، فنبل مقصدكم وخيريته لا يتركان لنا سوى أن نقوم بالواجب تجاهكم". والعادة أننا نرفض ونتأبى، وفعلنا ذلك في "طشقند"، كي لا نثقل على مضيفنا ونحن لا نعلم ما حاله، ولكن بسبب ما مررنا به من رعب وجوع وبؤس حال؛ لم نعترض، ولأول مرة مذ مجيئنا هذه الجمهوريات؛ ننام ملء أعيننا بكل الاطمئنان، وظني أن "السعابيل" سالت من أشداقنا ونحن نيام، بسبب عمق ما استغرقنا فيه من نوم، والذي بقي في الذاكرة لم يخبْ، من فرط هنائنا به.

في زيارتي الأخيرة هذه لقيرغيزيا قبل أسبوع، طلبت من مضيفي الشيخ موسى أن يريني صالة الضيوف خاصته التي كنا نمكث وننام قبل 28 عاما، وقد أورث البيت ابنه، ووقتما دخلتها؛ جاشتِ النفس، وانثالت الذكريات، ودمعت عيني، وتغشتني حالة خدر، وغامت الرؤى أمامي، وبدت المشاهد تتوالى حول كل زاوية، وتذكرت رفيق رحلتي يرحمه الله، والانسجام التام بيننا، والأخوة والمحبة في الله التي سربلتنا، والامتنان الذي كنا نحمله لمضيفنا وزوجه يحفظها الله، وهي التي كانت تجهز لنا الإفطار والغداء والعشاء، وتعدُّ فرش النوم.

كنا مقطوعين في آخر بلاد الله، في جغرافيا لا نعرف مكانها، ودولة لأول مرة نسمع بها، ومدينة لا نعرف حتى أن ننطقها، ولا "قوقول" وقتها، ولا وسائل تواصل في تلك الجمهورية التي ولدت من رحم الاتحاد السوفيتي المتخلف، لم نأت إلا للدعوة لله ومعرفة أحوال هؤلاء الناس، فضمنا هذا البيت الكريم، واحتوتنا هاته القرية المضيئة، ومضينا ندعُ لخمس سنوات متتاليات ولله الحمد، نأتها في الإجازة لشهرين كاملين؛ شعوراً منا بحاجة هؤلاء القوم لمن يعلمهم الإسلام.

على ذكر زوج الشيخ موسى أم محمد يحفظها الله، عندما التقيت زوجها في رمضان الفارط بجدة، بعد أعوام طويلة من الغياب، سألته عن أحواله، فأخبرني بأنه فعل فعلته التي فعل، وتزوج شابة قيرغيزية عليها بعد انقطاعنا بخمس سنوات، فأسفتُ وتألمتُ لأختنا أم محمد، إذ لمّا نزل نحمل لها جميل ما أكرمتنا به وقتذاك. وعندما زرتُ قيرغيزيا قبل عشرة أيام، حملتُ بعض الهدايا الخاصة اللائقة مع التمر وعبوة زمزم، وقلت له: "ليس لك من الهدايا شيء يا شيخ موسى، بل هي جميعها لأم محمد، كي لا تأخذها لزوجتك الثانية، فنحن لا نمتن إلا لأختنا الغالية التي أكرمتنا"، ووصل لها الخبر، فسرّت لهذا الوفاء منا، وأكرمتني بعشاء شهي.

عندما بحثنا معهم عن سرّ القرية وتفردها عن باقي القرى ونشأتها، وهم من أهل داغستان في أقصى الشمال هناك، وكيف قطعوا آلاف الأميال ليصلوا هنا، أجابنا وقتها عالمهم الشرعي الأول الشيخ إلياس بقصتهم، وهي طويلة سأسردها في الكتاب، وملخصها بأن الطاغية ستالين هجّرهم بطريقة بشعة بسبب التزامهم الديني، وهم من قومية الدرقين من داغستان، وهو شخصياً نفي إلى سيبيريا، وأبوه كان أحد العلماء الكبار في تلك الجمهورية البعيدة، وأن القرية أنشئت عام 1936م،

وقاد مع أخويه محمد وحسب الله القرية، وتواصوا على أدبيات التزمها جميع أهل القرية؛ من حفظ الدين، وتوريث العلم الشرعي لأبناء القرية، والاعتماد على أنفسهم في المعيشة، وعدم الاختلاط بالخارج.

وعبر معايير اجتماعية صارمة استطاعوا البقاء والصمود عشرات السنوات ضد كل مناهج الشيوعية ومحاولات غرسها، وحموا أجيالهم من أن يتأثروا بها، بل كانوا لا يعلمونهم في مدارس الحكومة، ولا يلحقون أبناءهم في الجامعات خوفاً من تلويث أفكارهم، وأنشأوا مجتمعاً اسلامياً نموذجياً، من وحي حصار وفشو الأفكار الماركسية على كل البلاد.

كانت القرية على مذهب الامام الشافعي، عكس قيرغيزيا التي تتمذهب بالحنفية، وكان طلابهم –الذين لاقيناهم- ينقطعون للعلم الشرعي، ولمدة عشر سنوات يدرسون ويحفظون، في تلك الحقب الشيوعية المظلمة، أمهات الكتب في النحو والفقه والحديث والمنطق والعقيدة، من مثل ألفية ابن مالك والأجرومية والأنموذج للزمخشري، وكتاب المعاني للتفتزاني، وكفاية العوام في علم الكلام، وإعانة الطالبين في حال ألفاظ فتح المعين، وتفسير الجلالين، وتحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي، وجملة من أمهات الكتب، يتخرج بعدها الطالب، ليقوم بتدريسها للأجيال التالية.

تعجب تماما كيف كانوا يحافظون على دينهم، في أعتى عصور السوفييت قسوة، وحدثني الشيخ إلياس -يرحمه الله- كيف كان ينزل في العشيات المظلمة في ليال الشتاء القاسية للسراديب والأقبية كي يقوم بتدريسها للطلبة، وكيف يضعون عيوناً لهم للتحذير من مباغتة الشُرط، وهذا الرجل سأفرد له فصلاً خاصاً في كتابي عن قيرغيزيا، لما اتسم به من حكمة وبصيرة وبُعد نظر، وما ساعدنا به ضد متعصبة قومه، والتقيت في زيارتي الأخيرة ابنته، وقد باتت عجوزاً كبيرة، حدثتني عن أبيها وسيرته مع أسرته ومجتمع القرية.

كان وجهاء القرية يحلون مشاكلها، ولا يخرجون بها للمحاكم أبداً، وتعتبر خطيئة كبرى وموبقة لا يتسامحون فيها، إذ ثمة لجنة مشورة يرأسها الشيخ إلياس من كبار القرية، وإذ كان الجار يشي على جاره في عموم تلك الجمهوريات السوفياتية البائدة على كل امتدادها وأديانها، إلا أنهم في القرية؛ تجد الجار عوناً لجاره وحامياً له، ولذلك التلاحم فإنهم حُموا أمنياً، ولم يستطع الشيوعيون أن يجدوا ثغرة في القرية.

من المواقف التاريخية التي حُسبت للقوم، أنه بعد سفرنا عنهم عام 91م؛ اجتمع وجهاؤهم، وخطب بهم عالمهم الشيخ إلياس أن آن الأوان بعد زوال الشيوعية أن نقوم بواجب الدعوة تجاه أهل قيرغيزستان، وونفتح على البلاد ونخرج من بوتقة القرية، واستنفر الطلاب والشباب، وكان للرجل كلمة وأثر على مجتمع القرية، فتسابقوا للبذل، وبثوا أبناءهم في قرى ومدن قيرغيزيا، يعيشون بين أهاليها، يعلمونهم مبادئ الدين البسيطة،

 وأثمرت جهودهم ولله الحمد عبر كل هذه السنوات ما رأيت وأثلج صدري، غير ناسٍ أثر مجيء كثيرٍ من الدعاة والهيئات الخيرية من بلادنا ودول الخليج، الذين دعموا المدارس، وأنشأوا كثيراً من المساجد، وكم كانت فرحتي وأنا أرى الشعب القيرغيزي اليوم معتزاً بهويته ومظهراً دينه، بعد أن رأيته في تلك الأزمنة بعيداً تماماً، والحمد لله على فضله.

في زيارتي الأخيرة؛ استأذنت من مضيفي، وأصررتُ أن أصلي المغرب في مسجد القرية الأول الذي جئته قبل 28 عاماً، وكانت الشمس غربت، والشفق الأحمر المهيب يصبغ السماء تجاه الغرب.

 أعطيت المسجد ظهري أتأمل هذا الغروب الساحر أمامي والذي حلق بي بعيداً، وانبجس السؤال بنفسي فجأة: هل ستغربُ شمس هذه القرية، وقد زالت أسباب صمودها، ومات روادها الأوائل، والمتغيرات السياسية تضغط لانخراطها في محيطها؟ التفتَُ تجاه المدرسة، وسألتُ عن الطلاب الذين كانوا بالمئات، فأجابوني ما ثم إلا ثلاثين طالبا، كلهم قرغيز، ليس سوى طالب واحد من الدرقين، والباقون يدرسون هناك، في بلدهم الأصل.. في داغستان.

دخلتُ المسجد وأنا أتمتم: إنها حركة التاريخ، وسيرورة المجتمعات، لن يدوم حالٌ للأبد، يا لها من قرية أسطورية!! حقيقّ على التأريخ إثباتها في صفحاته..

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • فجر

    04:59 ص
  • فجر

    04:59

  • شروق

    06:24

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:42

  • مغرب

    17:03

  • عشاء

    18:33

من الى