• الإثنين 24 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر07:11 ص
بحث متقدم

إنقاذ الوطن ليس بمثل تلك المؤتمرات الاحتفالية

مقالات

اختتم مؤتمر الشباب أعماله أمس بجامعة القاهرة ، وكان الأمر قد اشتبه علي ، هل هذا هو المؤتمر الخامس أم السادس ، واحتاج الأمر إلى التدقيق والرجوع إلى العم "جوجل" لكي أتأكد ، وفي النهاية وجدت أنه المؤتمر السادس ، وذلك أن هذا المؤتمر منذ تأسيسه تحول إلى ظاهرة احتفالية ، تنساها بمجرد انتهاء الفنيين من تفكيك الميكروفونات وسحب الكاميرات ، هو محاولة ملأ فراغ السياسة في مصر ، التي ماتت تماما في السنوات الأخيرة ، بفعل مجموعة قوانين وإجراءات جعلت من مجرد اجتماع خمسة أفراد جريمة يمكن أن تلقي بهم في غياهب السجون ، ويلبسون بها تهمة الانضمام لجماعة أسست على خلاف القانون تهدف إلى تعطيل العمل بالدستور وإعاقة سلطات الدولة عن أعمالها وتكدير السلم الاجتماعي وبث الأخبار الكاذبة ، وبعد أن تحولت أي كلمة نقد أو معارضة إلى تهمة ، وتصاغ في مذكرة أمنية باعتبارها دعما للجماعات الإرهابية ، باعتبار أنه لا يعارض النظام حاليا إلا الإرهابيون ، وبالتالي فأنت إرهابي قطعا إذا تجرأت وقلت كلمة نقد ، وقد قال أحد إعلاميي النظام الحالي والمؤيدين للرئيس عبد الفتاح السيسي أن هذا المؤتمر هو الحدث السياسي الوحيد تقريبا الذي تشهده مصر كل عام ، وهو كلام صحيح ، فقد تم تأميم السياسة ، والأحزاب تحت سيف الإلغاء أو التقسيم والاختطاف ، إذا فكرت أن يكون لها دور غير الذي قررته لهم الأجهزة .
إذا سألت أي مصري ، بل إذا سألت أي مسئول مصري ، عن ما انتهى إليه المؤتمر الثاني للشباب ، لضرب أخماسا في أسداس ، ولم يتذكر منه شيئا ، بل لو سألته عن مؤتمر العام الماضي القريب ، فلن يتذكر منه شيئا ، وذلك أنها احتفاليات ، المقصود بها ملأ الفراغ السياسي والإعلامي لا أكثر ، ولفت انتباه العالم الذي يتابع الجمود الرهيب في مصر إلى أن هناك "حراكا" سياسيا وها هم طلاب مصر "يحاكمون" رئيس الجمهورية و"يحاصرونه" بالأسئلة "المحرجة" والرئيس يطول حبال الصبر معهم بروح أبوية حانية !.
هل كان المؤتمر السادس الذي عقد أمس وأول أمس يبني على مخرجات المؤتمر الخامس ، وهل كان المؤتمر الخامس يبني على الرابع ، أبدا ، لا شيء على الإطلاق ، المهم أن "اللقطة" تمت ، والناس "هيصت" والإعلام المحلي المتداعي وجد بعض "القفشات" واللقطات التي يعمل عليها ويبيع ، والنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي وجدوا بعض العبارات والجمل التي يحفلون عليها ويعوضون قهرهم وتهميشهم بالنكات والسخرية .
الحديث عن التعليم أو الصحة أو الهوية أو التقنية أو حتى الاقتصاد بشكل عام ، هو حديث خبراء وعلماء ، ومراكز أبحاث ، وليس حديث طلاب في لقاء ثقافي عام ، لقاءات الطلاب مع رئيس الجمهورية سابقا كانت تتعلق بالحريات العامة والسياسة العامة للدولة والنظام ، ولا تدخل في تفاصيل علمية دقيقة وخطط تنموية ، ولكن هذا ـ بطبيعة الحال ـ محظور الآن ، كما أن المناخ السياسي العام الآن في مصر يجعل من "المعلومة" سرا لا يجوز البوح به ، سواء من باب الحرص على "الأمن القومي" الذي تحول لفزاعة واسعة المدى والنطاق ، أو من باب حفظ مشروعاتنا من عين حاسد إذا حسد ، وبالتالي لا يملك الشباب ولا حتى الخبراء أي معلومات حقيقية ودقيقة ولا أرقام ولا إحصائيات في أي مجال اقتصادي أو صحي أو تعليمي أو غيره ، لكي يبنوا عليه خططا للإصلاح والعلاج والنهوض ، ومن يجرؤ على نشر مثل هذه الأرقام يمكن أن يتعرض لعقوبة شديدة القسوة ، وهناك قناعة لدى دائرة صغيرة حول الرئيس ترى أنها تفهم كل شيء وأدرى بكل شيء وأكثر وطنية من أي شخص في البلد ، ونادرا ما تسمع اليوم عن المراكز القومية المتخصصة واجتماعاتها ونتائجها أو توصياتها ، أو مراكز الأبحاث في أي مجال ، ونادرا ما تسمع عن جهد علمي أو حوارات جادة في المؤسسات بمختلف أنواعها وتخصصاتها ، هناك فردانية واضحة في مختلف المجالات ، ولا أحد يملك أي قرار ولا حتى جزء من قرار ، والجميع ينتظر التعليمات من القيادة المركزية ، بل نادرا ما تسمع عن تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات التي كانت تطمئن الشعب ـ بالأرقام ـ على جهود الدولة في ملاحقة الفساد ومحاصرته ، بعد غيبة "طيب الذكر" المستشار هشام جنينه .
بينما كان الرئيس عبد الفتاح السيسي يرتب لمؤتمر الطلاب لكي يتبادل معهم الحب والمشاعر والأمنيات والقفشات في جامعة القاهرة ، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يشارك الرئيس الروسي في مؤتمر في قمة "بريكس" ـ الهند والصين وروسيا والبرازيل وجنوب افريقيا ـ للدول الأسرع نموا ، والمنعقد في جوهانسبرج بجنوب أفريقيا ، ويرتب لانضمام بلاده للمجموعة ، ويطرح عددا من الأفكار للشراكة ، ويصحب معه جمعا كبيرا من الوزراء والقيادات الحزبية المتخصصة ورجال الأعمال ، ويعقد أكثر من عشر اتفاقيات مع جنوب افريقيا ومنها إلى زامبيا ومنها إلى الجزائر حيث أسسوا مصانع لتصدير الحديد والصلب إلى أوربا ويعلن وزير خارجيته أنهم يخططون للتوسع في عدد سفاراتهم في افريقيا ويتوسعون في افتتاح المراكز الثقافية والمؤسسات التعليمية التركية لبسط نفوذ "القوة الناعمة" التركية في ربوع القارة السمراء ، ويخوضون تنافسا شديدا مع بعض دول الخليج في القرن الأفريقي .
لا أظن أن مصر وقيادتها لديها فائضا من الوقت لكي تهدره في مثل هذه الاحتفاليات ، بلد تعاني الفقر والعوز ويوشك على دخول النفق المظلم ، كما يقول الرئيس نفسه ، هي بحاجة إلى التخطيط والجدية والانفتاح على الداخل والخارج معا وعلى التأسيس لشراكة وطنية حقيقية ، بكل طاقات البلد وخبراتها وعلمائها وقواها السياسية والاقتصادية ورجال أعمالها ، فهؤلاء ـ وليس المطبلين في المهرجانات الاحتفالية ـ هم الذين ينقذون الوطن ، ويضعونه على الطريق الصحيح .

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • ظهر

    11:52 ص
  • فجر

    04:26

  • شروق

    05:49

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:19

  • مغرب

    17:54

  • عشاء

    19:24

من الى