• الجمعة 21 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر08:27 ص
بحث متقدم

قيرغيزيا.. حكاية قرية (1)

مقالات

وقتما ترجلت على أرض القرية –قبل 4أيام بالضبط من كتابة المقالة- من السيارة التي أقلتني؛ داهمتني الذكريات المتتالية، وباتت الصور والأحداث تتلاحق من كوّةٍ فُتحت للتو من ذاكرتي، بحيث دخلت في دوامة تشويش من فرط التأثر. وأنا الذي جئت –وصديق غالٍ لي- هذه "القرية الشرقية" التي هي على بعد 30 كم من العاصمة القيرغيزية "بيشكك" هناك في أواسط سهوب آسيا الوسطى بالقرب من الصين قبل 28 عاما، كأول سعوديَين يأتيان قيرغيزيا بعد استقلالها بأشهر.
بعد تفكك الاتحاد السوفيتي البائد على يد غورباتشوف في (26 ديسمبر 1991م) بأشهر قليلة، حزمتُ وصديقي ابراهيم حجار -يرحمه الله- حقائبنا لاستكشاف هذا العالم الذي كان محجوباً عنا طيلة سبعين عاماً، وأتذكّرُ تماماً الصدمة الكبيرة التي أصابتنا عند وصولنا "طشقند" عاصمة "أوزبكستان"، ومدى البؤس والتأخر وانعدام الأمن الذي سربل كل تلك الجمهوريات الإسلامية ، بل كل الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي.
كنا نظن بأننا سنأتي دولة متقدمة حضارياً، وقد صنع اليسار العربي من الاتحاد السوفيتي جنة العمال وفردوس الفقراء وجحيم الطبقة البرجوازية، وظننا أننا إزاء دولة متقدمة تضاهي دول الغرب التي طالما تحداهم السوفييت، ودخلوا الحرب الباردة ضدهم، ونافسوهم في الفضاء، وإذا بنا بدول متخلفة بالكامل، وشعوب بائسة لا تعرف عن كثير من أدوات التحضر، وقد انتشرت في معظمهم أسوأ الرذائل من الغش والرشوة والخيانة والسرقة والكذب للأسف الشديد بسبب التربية الشيوعية التي ترعرعوا عبرها.
ضقتُ وصديقي من المكوث في تلك العاصمة الأوزبكية، وقررنا الرحيل، إذ لا يتكلم القوم سوى الروسية واللغة المحلية، وعجزنا أن نتفاهم أو نتعايش في أجواء المدينة، إذ لم يك سوى فندق رسمي واحد تابع للحكومة، مليء ببقايا ال (كي جي بي)، وقد ورثوا النظرة المستريبة نحو أي غريب يدخل من خارج ديارهم، وأخبرنا بعض الدعاة  الباكستانيين الذين التقيناهم في المسجد المركزي هناك، بعد أن عرف رئيسهم الذي يتحدث قليلا من العربية؛ أننا بصدد الرحيل بعد تبرمنا من حاجز اللغة، بأنه كان بالأمس في مدينة "فرونزة" وسمع عن قرية يسكنها قومية الدرقين، وأن كل القرية تتحدث اللغة العربية الفصحى.
بالطبع فاجأنا ذلك، وانبجسَ فينا حب الاستطلاع والاستكشاف، فسألنا عن "فرونزة" هذه، فقالوا إن اسمها الأصلي والتاريخي "بيشكك" وهي عاصمة قيرغيزيا، وأن اسم "فرونزة" كان أطلقه السوفييت على اسم القائد الروسي الذي غزا هذه العاصمة. وعندما سألنا عن طائرة تقلنا لها، قالوا بعدم وجود خط طيران، وما ثمَّ إلا الحافلات، وعزمنا أمرنا على الذهاب لها، يدفعنا الفضول لهاته القرية التي تتحدث الفصحى، واكتشاف هذه الأرض الجديدة عنا، وكنا إذاك في أعمار ال25، ممتلئين فتوّة وشباباً وحباً للمغامرة، وكان صديقي يؤثر لبس الثياب بسبب بعض بدانته وعدم اعتياده على البنطال، فلبس الثوب السعودي، وليته لم يفعل، 
إذ طوال الطريق التزمنا أماكننا في الباص، الذي مضى عبر 14 ساعة من السير المتقطع، ولم نك نستطيع النزول في أماكن الاستراحات خوفاً من المافيات المنتشرة في جو الفوضى الأمنية التي أعقبت الاستقلال، فقد كانوا مستعدين لقتل أي رجل مقابل 100 دولار فقط، ونبهنا أولئك الباكستانيين عنهم، واسمعونا حوادث جعلتنا نؤثر السلامة والحيطة، ونحن نحمل في جيوبنا بضعة آلاف من الدولارات، ما يجعلنا فرائس ثمينة لهم.
وصلنا على حدود الساعة الثالثة فجرا، وقد تملّكنا الخوف، وعضّنا الجوع، وأمضّنا حبس البول، وإذا بنا في ساحة الموقف وحيدين، عبر إضاءة خافتة، في مدينة أشباح مظلمة، وقد تفرّق المسافرون إلى دورهم، وتورّطنا أين نذهب، فلا فندق ولا بيوت للإيجار، وليس حتى ثمة سيارات تقلنا، وقرّرنا الذهاب للمسجد حتى يطلع الصباح، وعبثا حاولنا مع سائق السيارة الوحيدة التي لمحناها بعد طول انتظار ببغيتنا، وكان روسياً ضخماً من أولئك الذين نشاهدهم في الأفلام، ولم نفلح، حتى أتى أحد القرغيز، وساعدنا بعدما عرف –عبر لغة الاشارات- أننا نروم الذهاب لمسجد المدينة الوحيد، وطوال الطريق كنا نتلو الآيات والأدعية أن نصل، ولا يخطفنا هذا الروسي المخيف، وعندما وصلنا نفحناه عشرة دولارات، وابتسم لأول مرة وامتن لنا، وكانت اكرامية كبيرة له مقابل الروبل المتهاوي وقتها.
عندما أتينا المسجد، وقد بدا كئيباً مظلماً، شبه مهجور، طرقنا بوابته الخارجية، ومكثنا وحيدين لفترة -كانت سنوات بالنسبة لنا- في ذلك الشارع المظلم، إذ كان السكارى يمرّون مترنّحين وهم يصخبون، ونتوارى عنهم -بسبب ثوب صديقي- خلف الأشجار، ولم نصدّق أن يفتح لنا كهلٌ بلحية بيضاء طويلة، في منظر كأنه من الأساطير القديمة، وأشرنا له وقلنا بأننا من مكة والمدينة، فقام يبكي ويعانقنا، فسرّي ذلك قليلاً عنا، وأدخلنا غرفته الصغيرة المتواضعة، وأشرنا له بجوعنا، فهبَّ يُحضر لنا كسرات خبر وماء، ثم عبّ لنا –وهو جذلٌ فرح- لبناً، لم نستسغه، عرفنا أنه لبن الخيل، ويسمونه "قُمز"، ورغم جوعنا الشديد لم نطعمه، وانصرفنا لتليين كِسر الخبز اليابس في كأس الماء أمامنا، ومن ثم تناوله، كألذ وجبة ذقناها في حيواتنا، من الجوع الشديد الذي كنا به، وهمست لصاحبي أهاذره: أعدنا سيرة السلف الصالح بهذه الوجبة.
انتظرنا صلاة الفجر، وقد بلغ بنا التعب والإرهاق منتهاهما، وقال صديقي –يرحمه الله- بأننا لو نمنا سنفوّت الصلاة، ولننتظر، ومكثنا بعد أن أذن الرجل للفجر أن يأتي أحدٌ يصلي معنا، وطال بنا الانتظار ونحن نترنّح من التعب، ويهاجمنا الوسنُ لواذا، نكاد نسقط إعياء، حتى قلنا له –بالإشارات طبعا- أين المصلين؟ فأومأ لنا بأنهم لا يأتون، وسألنا عن الإمام، فوضع كفيه على خديه وأماله، ففهمنا أنه نائم، وقلنا له من يصلي إذن، قال لا أحد، حتى أنا أصلي في الغرفة.. فقام صديقي بإمامتنا وصلينا، ونمنا بعمق كامل في أماكننا بالمسجد من شدة التعب.
أقارن حالنا وقتذاك بما رأيته في سفرتي الجديدة هذه قبل أسبوع، وإذا بالمسجد غاصٌ بالمصلين في الجمعة، وأكثرهم من الشباب، وحتى يصلون خارج المسجد، وكنت سألت عن المساجد التي كانت في تلك الفترة التي أتيت، فقيل لي بأنها كانت حوالي العشرة مساجد في كل الجمهورية، وأردف نائب المفتي الشيخ موسى ميرزا الدرقيني بأنها تجاوزت اليوم ال3000 مسجد ولله الحمد.
وبالمناسبة فأول ما فعلته في زيارتي الأخيرة عند وصولي للعاصمة القرغيزية؛ أن طلبت من مضيفي الذهاب بي فورا للمسجد المركزي، لأسأل عن الشيخ أحمد الذي استضافنا في غرفته قبل 28 عاما، وقالوا لي بموته وهو يصلي في التشهد الأخير، يرحمه الله، أردت مكافأته على ما فعل، وسألت عن أهله وأبنائه، فقالوا بأنه منقطع غير متزوج، فلم أملك سوى الدعاء له على ما فعل معنا.
عوداً لقصتنا، فقد أيقظنا الشيخ أحمد على الساعة الحادية عشر ضحى، وقال بأن المفتي والإدارة الدينية أتت، ويسألون عنا، فهببنا بعد أن اغتسلنا، وخرجنا لباحة المسجد المركزي الوحيد بالعاصمة، فإذا بمكاتب ملحقة بها، لم نرها في بهيم الليل، ودخلنا للمفتي الذي رحب بنا، وكان يتكلم العربية مكسرة، واستفسر عنا بعد ترحيبه البالغ بنا حال معرفته ببلادنا، فأخبرناه ومن كان معه من المستشارين؛ أننا أتينا نبحث عن "القرية الشرقية" التي تتحدث العربية الفصحى، فقال لنا بأنها خارج العاصمة، واستأجر لنا سيارة تقلنا، لم تك وقتها سيارات أجرة، ووصلنا إلى القرية واتجهنا لمسجدها الذي بُني حديثاً، واذ بنا بطلبة طوال القامة، بيض البشرة، أنوفهم بارزة كأهل الجبال، سحنهم مختلفة تماما عن أهل البلاد، 
ووقتما سلمنا عليهم، ردّوا بعربية فصيحة السلام، وأقبلوا علينا يسألوننا بلغة تامة سليمة، عندها طالعت صديقي الحبيب ورفيق دربي يرحمه الله وطالعني، وتنفسنا الصعداء، وشعرنا بالأمن والاطمئنان، ورسمنا ابتسامة عريضة ورضا، وأقبلنا نتحدث بلا توقف مع هؤلاء الذين بدوا لنا كملائك.
بدأ الطلاب يسألوننا عن بعض أبيات ألفية ابن مالك، وتحولوا للأجرومية، وسألونا عن الإعراب، وهم يظننونا أننا حفظة مثلهم، وجاريناهم في البدء، وتورطنا –كلانا تخصصه رياضيات- وقلنا لهم –هربا من الحرج- سنجيبكم بعد الصلاة، وهربنا للصف الأول بانتظار صلاة الظهر، وتسامع بنا وجهاء وعلماء القرية، وأتوا جميعا لرؤيتنا، وكانت لنا جلسة طويلة شائقة معهم، سأكملها في مقالة تالية.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • ظهر

    11:53 ص
  • فجر

    04:24

  • شروق

    05:47

  • ظهر

    11:53

  • عصر

    15:21

  • مغرب

    17:58

  • عشاء

    19:28

من الى