• الأربعاء 14 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر01:43 م
بحث متقدم

الحقبة الزاهية فى بلادى (2-2)

مقالات

لا يمكن الحديث عن الحقبة الزاهية (1923-1953م) الا والوقوف كثيرا عند ظاهرة كبرى برزت فيها .. اسمها(طلعت حرب) ذاك المولود فى 1867م والذى عاش 74 عاما وحين تتحدث عنه ستذكره فى محيطه العام الذى احتضنه واحتواه ومهد له طريقه..يتحدث عنه احد المستشرقين الفرنسيين(جاك بيرك) فيقول: ميزة طلعت حرب الأساسية كانت في إدراكه للقوة الكامنة والإمكانات الهائلة التي لم تستغل بعد عند مواطنيه ..وبالفعل..فقد رفع الرجل الغطاء عن القوة الكامنة الحبيسة فى هذا الشعب ,,سنعرف ان هذا(الإدراك) كان مفتاح كل الزعماء والقادة الكبار فى النهوض بشعوبهم وأوطانهم ,,هم فقط مهدوا الطريق ووقفوا على بدايته وسارت معهم وخلفهم شعوبهم التى وثقت بصدقهم وتجردهم والا فما كان لهذا الرجل العظيم ان يبنى فى 20 عاما ما يقرب من 35 شركة ومصنع شكلت الاقتصاد الكلى تقريبا لمصر,, الغريب فى الأمر ان الرجل كان يعمل فى ظل احتلال أجنبى  وعملاء منتشرين هنا وهناك..ومع ذلك فقد استمرت شركاته ومصانعه  حتى يومنا هذا فى الوقت الذى انهارت فيه تقريبا كل الشركات والمصانع التى نشأت فى الستينيات (المهندس /عزيز صدقى)لتتأكد مقولة(جاك بيرك)بميزة طلعت حرب كقائد وباعث نهضه لبلادة وهى(إدراكه للقوة الكامنة فى مواطنيه)عكس ما حدث فى الستينيات من إهانة وإهدار واحتقار لهذه (القوة الكامنة) مما سيصفه لنا فى نفس التوقيت (الستينات) الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور فى قصيدته الشهيرة (مذكرات رجل مجهول) والتى لخص فيها فلسفة الحكم فى هذه الفترة(احتقار المواطن)يقول الشاعر الكبير فى بعض أبيات القصيدة :هذا يوم مكرورمن أيامي/أعود إلى بيتي مقهورا /لا أدري لي إسما/أو وطنا. أو أهلا/هذا يوم كاذب/قابلنا فيه بضعة أخبار أشتات/فأعناها بالمأوى والأقوات/وولدنا فيه كذبا شخصيا/هذا يوم خوًان/ سألونا قبل الصبح عن الحق الضائع فنكرناه وجحدناه/هذا يوم بعناه للموت اليومي بحياة زائفة صلدة وفرحنا أنا ساومناه وخدعناه ومكسناه). الموت اليومى والحياة الزائفة أيها الأصدقاء والتى كانت أخص خصائص جمهورية التحرك العسكرى 23يوليو 1952..وطبقوا هذه الجملة على كل أثر وخطوة خطاها هؤلاء..لن تجدوا سوى الموت ..والزيف ,,الاصلاح الزراعى :موت وزيف..التعليم موت وزيف..الصناعة:موت وزيف..الصحة: موت وزيف ..أصبحت( القوى الكامنة) التى اكتشفها فرد واحد (طلعت حرب) فى المصريين وأقام بها ومنها ما أقام..أصبحت كخطى الأغنام فى مشيها البائس وراء عشب تأكله وترعاه ..
سيكون هاما هنا ان نقف عند التكوين العروبى/الاسلامى فى بناء شخصية طلعت حرب..الذى درس القانون وعمل بالترجمة والمحاسبات والإدارة ودرس الاقتصاد والأدب وله كتابات قيمة تتعلق بالدفاع عن(الهوية الإسلامية)في عز الهجمة العلمانية بعد الغاء الخلافة الإسلامية وايضا كتابات علمية عن الاقتصاد وهي كتاب: كلمة حق على الإسلام والدولة العلية/تاريخ دول العرب والإسلام/المرأة والحجاب/وفصل الخطاب في المرأة والحجاب/مصر وقناة السويس/علاج مصر الاقتصادي/غاية الأدب في صناعات شعر العرب/البراهين البينات على وجوب تعليم البنات, ورغم موقفه الرافض لدعوات قاسم أمين والذى كان يدعو لرفع نقاب الوجه(وليس غطاء الرأس)فقد قام بتأسيس ستوديو مصر الذى انتج العديد من الأفلام واهتم برعاية السيدة أم كلثوم..هو فقط كان يرى أن دعوة قاسم امين فى هذا التوقيت الذى كان(الدين فيه مهددا)خاطئة فى توقيتها وترتيب أهميتها وهو ما ذكره تفصيلا فى كتابيه ردا على قاسم أمين .                                                                                     ورغم مساوىء الملك فؤاد وموقف من الحركة الوطنية والدستور فقدمنح طلعت حرب الباشوية عقب افتتاح شركة مصر لغزل القطن والنسيج بالمحلة الكبرى(اكبر مصنع نسيج فى الشرق الأوسط وقتها).. هل تتخيلوا ايها الاصدقاء بلد بدأت فيه صناعة النسيج من ثلاثينيات القرن الماضى  اذا استمر خطه البيانى فى الصعود,ماذا سيكون حاله فى هذه الصناعة ,وماذا هى الأن بالفعل ؟؟.                                                         الملك السعودى عبد العزيز آل سعود أهداه(كسوة باب الكعبة الشريفة)لقيامه بمشروعات تنمية كبيرة فى المملكة..الرجل كما ذكرنا كان له تكوين عروبى /اسلامى عميق وكان بعيد النظر ثاقب البصيرة.

كان طلعت حرب على وعى حاد بأن السياسة والسلطة قد تفسد عليه مشروعه الكبير لبلاده وأمته سواء من ناحية الخصوم أو من ناحية التركيز لذلك وبكل ما يحمله عقله من رجاحه وأخلاقه من قوة ..حرص على الابتعاد عنهما ما استطاع ..لكن داء البشر القديم (الحسد والغل)لاحقه وطارده..وتقول الحكايات ان سعد زغلول زعيم الأمة كان يغير منه غيرة شديدة..!كان الرجل ذا قسوة لافحة غليظة اذا اقترب أحد من زعامته ,, الحاصل ان المؤامرات بدأت تتراقص حوله حتى أٌجبر على الاستقالة من رئاسة البنك..عبود باشا وفرغلى باشا كانا يسحبان فى صبيحة كل يوم من البنك نصف مليون جنية وكذلك فعلت الحكومة(حسين سرى) وهددوه إما الاستقالة او الاستمرار فى سحب الأموال وهدم البنك  وبالفعل استقال وقال كلمته الشهيرة(يستمر البنك ويموت الف طلعت حرب)على فكرة الأستاذ/هيكل كان يعمل مستشارا إعلاميا لعبود باشا..الباشا أصلا كان وثيق الصلة بالتابعى والأخوين مصطفى وعلى أمين وكان له اتصالات قديمة بأجهزة المخابرات(والد زوجته كان ضابط انجليزى) وباستقالته من رئاسة البنك حفاظا عليه من الانهيار يكون الرجل العظيم مستحقا تمام الاستحقاق لوصف أمير الشعراء له: كأَن مال المودِعين وزرعهم/في راحتيك ودائع الأَيتام/ما زلت تَبني ركن كلِّ عظيمة/حتى أتيت برابع الأهرام .
سيعتزل طلعت حرب الدنيا والناس ويذهب الى قريته بدمياط ويمكث بها إلى ان يتوفاه الله فى صيف 1941ويسير فى جنازته المهيبة وهو بلا سلطان او زعامة_ مندوب الملك ورئيس الوزراء وشيخ الأزهر والبطريرك وكل رموز الأمة المصرية.

تميزت الحقبة الزاهية فى بلادى أيضا  بـ (مربط فؤاد) النهضة والنهوض  فى كل وقت وكل حين (التعليم) مفتاح ازدهار الحياة وإنهاض الإنسان..والذى اصبح مجانيا تماما (قبل الجامعى) فى الأربعينيات وتأسست خلاله اربع جامعات لازالت هى محط أمال كل المصريين والعرب(هى ليست كذلك الان بشكل مؤقت)جامعة القاهرة وجامعة الاسكندرية وجامعة عين شمس جامعة أسيوط و وأعلن فى البلاد(عيد العلم)وتأسس معهد الدراسات الإسلامية بمدريد والمجلس الأعلى للبحوث العلمية والصناعية(المركز القومى للبحوث)ومعهد بحوث الصحراء وزارة الشئون الاجتماعية ووزارة التموين ووزارة الاقتصاد والصحة والشئون القروية(المحلية)ومجلس مكافحة الفقر والمرض والجهل وبدء الإصلاح الزراعى الجهاز المركزى للمحاسبات(ديوان المراقبة)وجهاز الكسب غيرالمشروع(من أين لك هذا؟)وقانون محاكمة الوزراء وديوان الموظفين(الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة)ومجمع التحريروقانون استقلال السلطة القضائية والقانون المدنى المصرى ومجلس الدولة ونادى القضاة..والكلية البحرية والكلية الجوية ومدرسة المهندسين العسكرية ومدرستي أركان الحرب وضباط الصف والمصانع الحربية مصلحة الأرصاد الجوية ومشروع كهرباء خزان أسوان .. وبدأت شركة قناة السويس في حفر(تفريعة البلاحة) لزيادة عرض وعمق القناة وتيسير حركة مرور السفن فيها (كان عقد امتيازقناة السويس سينتهى اخر الستينيات)و تم تأسيس أهم النقابات: نقابة المحامين والصحفيين ودار الحكمة  التى أصبحت مقرا لنقابة الأطباءوتكونت نقابة المهن التمثيلية.
كان المجتمع فى هذه الفترة الزاهية خصبا وثريا ومليئا بالرموز والزعامات والكوادر والمفكرين والفنانين..كان الناس يعيشون فى المجرى العام الحياة لا على حدودها ولا خارجها كما حدث بعد التحرك العسكرى فى يوليو 1952..وكانت قضية استقلال البلاد هى الوهج الذى يمنح الجميع ألف طاقة وطاقة..والغريب أن الدولة(قضاء وجيش وشرطة وجهاز إدارى)كانت على مستوى عال من المهنية والمعرفة والأمانة والتحديث..اى ان الوجود البغيض للاحتلال لم يمنع الازدهاروالتنامى إذ لم تكن جمهورية الشعارات قد قامت بعد(وإلا فكنا سمعنا شعارها الشهير لاصوت يعلو فوق صوت الاستقلال).
دعونا نختم المقالين ونحن نتذكر أن كبار الساسة فى بلادى قرروا فى عام 1943 عزل الملك وإعلان الجمهورية _ ولعل كثيرين منا لا يعلم ذلك !! _وعٌرض الأمر بالفعل على مجلس الوزراء الذى أقره وعهد إلى نجيب الهلالى باشا بأن يصوغ بأسلوبه العميق مبررات خلع الملك فأعد بيانا وسلمه الى وزير التجارة(غنام باشا) الذى ذهب به إلى منزل النحاس حيث كان الوزراء مجتمعون عنده وتم توقيعهم جميعا على البيان كقرار صادرمن مجلس الوزراء بخلع الملك وإعلان الجمهورية  .. لكن ذلك لم يحدث..!!؟؟  فالشرق الأوسط أيها الأصدقاء كان يتم إعداده لإعلان الجمهورية من الجيوش والجنرالات.. لامن الشعوب  والبرلمانات.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • عصر

    02:42 م
  • فجر

    05:00

  • شروق

    06:26

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:42

  • مغرب

    17:02

  • عشاء

    18:32

من الى