• الجمعة 17 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر03:35 ص
بحث متقدم

نعم أبيح الكذب!

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم إبراهيم سلامة

ما أروع الوضوح والصدق، وما أخبث الكذب والخداع، والذي يكذب عليك في الأمر الصغير يرى الكثيرون أنه قد يكذب عليك في الأمر الكبير، لأنه استسهل مبدأ الكذب واستساغه ولا يمنع أن يستخدمه في كل المواطن.
لكن هناك أناس ينظرون للكذب نظرة مختلفة، فهم يرون أن الكذب في الأمور الصغيرة أو الأمور التي قد تُغضب من حولهم أو تسبب لهم ضيقًا في الحياة، نوعًا من البر والإرضاء لمن يحبونهم، وهم يحتجون بأن الحديث الشريف أباح الكذب في ثلاث مواطن، كنوع من الرخصة في الأمر حتى لا تتولد الشحناء، وهؤلاء الناس ينظرون لأنفسهم على أنهم أصحاب عقول كبيرة ونفسيات حكيمة، ولكن تحدث المشكلة الكبيرة حينما يصطدمون بمن يبغضون الكذب ولا يجزئون مبادئهم، ويتطاير منهم الشرر لو علموا أنك كذبت عليهم في شيء مهما كان ضئيلا صغيرًا..
ولنا هنا أن نتساءل باحثين عن جواب: هل يمكن فعلا أن من يكذب في الأمر الصغير يمكن له أن يكذب في الأمر الصغير.؟
وهل يمكن أن نكون من أهل الصدق إذا كذبنا مثلا من أجل الإصلاح وتهدئة نفوس من حولنا أو الحفاظ على مشاعرهم.؟
أنا عن نفسي من أولئك الذين يمكن لهم أن يكذبوا في الأشياء الصغيرة التي قد تُفسد الود مع البعض أو تحزنهم، لكنني مع هذا التساهل، أدرك وبقوة أنه لا يمكن لي أبدا أن أتساهل أو أقبل الكذب في الأمور الكبيرة التي يتوقف عليها بيان حال أو مصير انسان أو وضوح في المواقف.
أتساهل في حالات.. لكني أتشدد في حالات أخرى، أي أنني أتمتع بموهبة وعملية الفصل بين المواقف والاختلاف بين المناسبات، فليس الصغير كالكبير وليس الهين كالمهول.
وأرى أن هذا من حكمة الحياة والدراية بها، وحسن المسير فيها والتعامل الجيد مع أفرادها.. والذين يرون عكس ذلك بأنه تجزيء للمبادئ لا نرد عليهم إلا بالحديث النبوي الذي رخص الكذب في 3 أشياء وكلها أشياء تحرص على إبقاء الود بين الناس.
إننا جميعا نعرف تلك القصة الشهيرة التي يرويها لنا علماء الحديث مثالًا على مدى تحري الإمام البخاري لصحة الحديث فذكروا أن ... فلما دخل في أحد شوارعها وجد رجلاً قد هرب منه فرسه وهو يريد أن تلحق به الفرس، ووجد أن هذا هو الشيخ الذي يريد أن يروي عنه الحديث، لكنه رفض أن يروي عن هذا الشيخ، وقال: إن الذي يكذب على الدابة، لا آمن أن يكذب علي.!
ومع احترامي للإمام البخاري وتقديري له ولتحريه العنيف في طلب الحديث وتدوينه، فإنني أرى أنه لم يكن بالوعي الكامل والتمييز المطلوب في الموقف، وأنه تشدد مبالغ فيه متجردا من الواقعية، فليس من المعقول أن يكذب الرجل في حديث الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه لأنه كذب على الدابة التي يتوقف عمل حياته لهروبها منه.
وفي قصة شهيرة أخرى عن الاقتصادي المصري (طلعت حرب) الذي أحب الشاب أحمد سالم وقدمه على كثير من الموظفين وأستند إليه كثيرًا من المهمات الكبيرة في بنك مصر برغم صغر سنه، فيومًا ما مرض طلعت حرب وذهب أحمد للاستفسار عن صحته، فقال له: أرجوك يا أحمد أن تحضر معك صباح الغد طبق فول مدمس من محل التابعي وهو من أشهر محلات الفول في ذلك الوقت، وذهب أحمد إلى عمله، ثم سهر مع أصحابه سهرة حمراء، وفي الصباح ذهب إلى حلوان لعيادة طلعت حرب بعد أن نسي كل شيء عن طلب الفول المدمس، ولما صار بين يديه سأله طلعت حرب هل نسيت الفول المدمس؟ واضطر أحمد أمام السؤال المفاجئ للكذب وادعى أنه ذهب في الصباح إلى محل التابعي فوجده مغلقا لوفاة أخيه، وسكت طلعت حرب ولم يقل شيئًا.
وبعد انصراف أحمد سالم، استقل طلعت حرب سيارته وذهب إلى محل التابعي، ووجد المحل مفتوحا، ودخل وجلس إلى إحدى الموائد واستدعى الحاج التابعي صاحب المجل وقال له: البقية في حياتك.. وفتح الحاج التابعي عينيه دهشًا فسأله طلعت حرب ألم يمت شقيقك؟ قال الحاج التابعي لا، وعاد يسأله ألم يمت أحد من أقاربك؟ قال الحاج التابعي لا.. وسأله هل تأخرت اليوم في فتح المحل، فقال التابعي: لا فتحت المحل الساعة 5 صباحا كعادتي كل يوم، وهنا قام طلعت حرب واتجه إلى مكتبه في بنك مصر، وأصدر قرارًا بفصل احمد سالم من جميع مناصبه في الشركات والمؤسسات التابعة لبنك مصر، ولما سئل طلعت حرب وقتها عن هذا العقاب وهل يساوي طبق الفوق المدمس كل هذا العقاب الصارم؟!
رد بقوله: إن الرجل الذي يكذب عليّ في طبق فول مدمس، سيكذب علي في مليون جنيه.. إن هذه وظائف ثقة، وما دام قد فقد ثقتي فهو لا يصلح للعمل معي..
ولكن ألم يفكر طلعت حرب أن خجل الشاب أحمد سالم وخوفه من أن يتسرب إلى نفس طلعت حرب شيء من هم وضيق هو السبب في هذا الكذب وأنه بدافع حبه له ؟
اختلف أو تتفق معي لكنني أجزم أن هؤلاء الذين يتصلبون في هذه الأمور بهذا الشكل، ولا يفرقون بين المواقف والمواطن صغيرها وكبيرها أناس متصلبون أو معقدون مهما كانت مكانتهم.. فأنا يمكن وبكل سهولة أن اكذب على الدابة حتى أتملكها وأمتطيها وأقضي عليها معاشي ومهماتي، لكنني لا يمكن أبدا أن أكذب على رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في الرواية والحديث.. أي أنني أبيح الكذب في مواطن وأحرمه في مواطن أخرى.. لا تخرج عن حد الشرع والدين.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • فجر

    03:57 ص
  • فجر

    03:57

  • شروق

    05:27

  • ظهر

    12:04

  • عصر

    15:42

  • مغرب

    18:41

  • عشاء

    20:11

من الى