• الأربعاء 21 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر10:28 م
بحث متقدم

الوثنية السياسية تقتل الأمل في مستقبل أفضل

مقالات

في الجدل المتصل بتجربة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر وانقلاب يوليو 52 ، أو الشيخ حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين ، تتحول الشخصيات التاريخية هنا أو هناك إلى أوثان سياسية لا تقبل المساس ، ولا تقبل النقد أو المحاكمة التاريخية ، هم أنبياء مكرمون ، قدموا للبشرية إنجازات عظيمة ، وحققوا لبلادهم أو دينهم نقلات تاريخية لم تكن لتتحقق إلا بوجودهم وبدورهم ، ونقلوا شعوبهم إلى آفاق المجد والعظمة ، وعندما يحاط بأحدهم في نقاط لا تحتمل الجدل يقول لك ببساطة ، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم ، وبذلك تطوى الصفحات ، ولا يصح أن تفتح مرة ثانية ، وهم أموات ، وللموت حرمة ، إلى آخر منظومة التحصين المعروفة في الثقافة العربية الجديدة .
ومشكلة هذه الوثنية السياسية الأسوأ ، أنها تعطل إمكانيات التغيير وصناعة أفكار حقيقية وجادة وجديدة ومستنيرة تصنع مستقبلا أفضل لبلادنا ، لأن النموذج الأفضل يبقى هو ما صنعه هؤلاء "الأصنام" السياسية والدينية ، ولكن مع بعض التعديل والتطوير أو الترقيع !! ، ومشكلة هذه الوثنية السياسية والدينية في عاطفيتها الشديدة والآسرة ، بما يجعل الحوار حولها صعبا للغاية ، إنها أشبه بنوادي كرة القدم ، يظل الرجل عاقلا وحكيما ، وربما مفكرا مرموقا أو أكاديميا عريقا أو عالما رفيعا ، حتى يصل الكلام عند ناديه أو فريقه الذي يشجعه ، تجد عرقه ينتفخ بل يتفجر غضبا إذا مسست فريقه بسوء ، وإذا وقع خلال حول مباراة جرت ، فمن العبث أن تحاول إقناعه بعكس ما يعتقده في حقوق ناديه في المباراة والظلم الذي أوقعه الحكام عليه ، وهي غالبا أمور لا يراها إلا هو ومن هو على نفس عشقه لناديه ، وهكذا ترى الأمر نسخة طبق الأصل عندما نصل إلى المساس بالأوثان السياسية أو الدينية .
لقد أخطأ الشيخ حسن البنا وأخطأ المستشار حسن الهضيبي وأخطأ الأستاذ سيد قطب وأخطأ الأستاذ مصطفى مشهور وأخطأ الدكتور محمد مرسي ، وهي أخطاء تاريخية ، وليست من الأخطاء البشرية العابرة والصغيرة ومحدودة الأثر ، هي أخطاء غيرت مجرى التاريخ كله في الوطن والحياة السياسية والدينية والاجتماعية ، ولكن من العبث أن تحاول إقناع مؤيدي جماعة الإخوان بذلك ، فدائما هناك المؤامرة الخارجية ، ودائما هناك المظلومية ، ودائما هناك المتربصون بالدعوة ، ودائما هناك الحديث عن الضحايا والتضحيات ، وعيب أن تتحدث دون مراعاة مشاعرهم أو مشاعر ذويهم ، وبالتالي فعليك بالصمت ، وإلا فأنت شريك في المؤامرة والعمالة وشريك في العون على ظلم المضطهدين وأنت من المتساقطين على طريق الدعوة ، هذا فضلا عن الاتهامات الأخرى التي تصل إلى حد البذاءة .
ولقد أخطأ عبد الناصر أيضا ، أخطاء تاريخية ، أضاعت على مصر أجيالا من أخصب وأنبل ناسها وأكثرهم حماسة ورغبة في العمل والنهوض ، ومقدرات وثروات ، وبنية اقتصادية وسياسية وثقافية رائعة بمعايير زمنها ، ضاعت كلها في الهدر ، في المغامرات السياسية والعسكرية ، وفي توظيف السلاح والقرارات والقوانين لحسم صراعات سلطة بينه وبين رجاله الخاسر الوحيد فيها هو الشعب ، وفي صناعة جمهورية الخوف والرعب والأجهزة الاستخباراتية المروعة ، وفي تأميم الحياة العامة وإلغاء الأحزاب ومصادرة المجتمع المدني بكامله والسيطرة على الصحف والإعلام بكاملها ، والهيمنة على المؤسسة الدينية بكل أذرعها ، وتصدير المنافقين والمصفقين عديمي الكفاءة وعسكرة الحياة المدنية والعدوان الفج على القضاء واستقلاله وتزوير الانتخابات وإرادة الشعب بفجاجة ، فانتهت تجربته بأن أورثت مصر الفقر والخراب والهزيمة وتدمير جيشها تماما وخسارة أرضها وتركها دولة مهترئة في بنيتها الأساسية ومؤسساتها التعليمية والصحية والبيئية والتكنولوجية وفي مختلف القطاعات ، فإذا تحدثت بنقد هذا الميراث المروع كله ، غضب أنصاره ، وفي أفضل الأحوال يقولون لك ، كانت له انجازات عظيمة وله أخطاء ، له ما له وعليه وما عليه ، وأغلق الصفحة .
مشروع البنا ما زال هناك من يعيدون انتاجه ، ويسيرون على نهجة ودربه وأفكاره ، ومشروع عبد الناصر ما زال هناك من يعيدون إنتاجه ويسيرون على دربه ويطربون لخطبه وأفكاره ، رغم أن البلاد والعباد والدنيا كلها مضت في طريق بعيد جدا عن تلك الأفكار والبرامج والقوالب التنظيمية والفكرية ، ورغم أنها مشروعات تاريخية لم تعد تحتمل الترقيع ، فقط تطوى كتجربة تاريخية وتنتقل إلى المتاحف وقاعات المراكز البحثية ، مع دراسة أخطائها وأسباب تلك الأخطاء ، لكي نمضي في المستقبل بعيدا عن تلك التجربة بأخطائها وكوارثها ، لا أن نفكر في أن نعيد انتاجها للمستقبل ولو مع بعض التحسين المزعوم ، هذه الوثنية السياسية والدينية أصبحت عبئا حقيقيا على الأجيال الجديدة ، تحرمها من القدرة على إنجاز مشروع وطني جديد للنهوض ، مشروع لتحديث الوطن ، إنسانا وبيئة ودولة ومجتمعا ، كما أن الأسوأ ، في كلتا التجربتين ، الإخوانية والناصرية ، أنهما ـ مع الترقيع المزعوم ـ يستبطنان الإيمان بحكم الفرد ، والديكتاتورية السياسية أو الدينية ، لذلك لا يوجد ديكتاتور عربي سياسي أو عسكري خلال الخمسين عاما الماضية إلا وأيده الناصريون وما زالوا ، ولا يوجد ديكتاتورية دينية ظهرت إلا وأيدها الإخوان المسلمون ، خاصة إذا كان هذا الديكتاتور لم يؤذ بشكل مباشر هؤلاء أو أولئك أو يقربهم ويجاملهم ، لأن كلا المشروعين في جوهرهما يؤمنان بفرضية "الديكتاتور العادل" أو "الديكتاتور المستنير" أو "الديكتاتور المتدين" أو "الديكتاتور المنقذ" أو "الديكتاتور البطل" أو الديكتاتور المهيب الجانب .
[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • فجر

    05:06 ص
  • فجر

    05:05

  • شروق

    06:32

  • ظهر

    11:46

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى