• الأربعاء 24 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر04:32 ص
بحث متقدم

ظاهرة ناصر

وجهة نظر

أحمد خطاب
أحمد خطاب

أحمد خطاب

تأتي ذكرى ثورة يوليو هذا العام بعد أن ودعت مصر -في مايو الماضي- آخر ضباطها الأحرار، بل آخر من تبقى من صناع الثورة وعضو مجلس قيادتها الصاغ الأحمر؛ ذلك التنظيم الذي نجح (عبدالناصر) في تشكيله مضمنًا إياه كل أطياف الأيديولوجيات التي كانت متواجدة في مصر في تلك الفترة؛ ما بين إسلاميين وماركسيين واشتراكيين وقوميين، وربما بعض اليمينين، وإن غلب على التشكيل الطابع اليساري بكل أطيافه، غير أنه بمجرد نجاح الحركة تخلص (ناصر) من كل الأطياف المخالفة من أبطال الثورة الحقيقيين، ولم يبق في مجلس قيادتها إلا من قبل التماهي في ظل الزعيم، أو رضخ لفكرة الزعيم الأوحد، أو أسهم في صناعتها.
يعتبر جيلي من الأجيال التي نشأت في حيرة من أمرها؛ فتربينا على يد جيل حكى لنا مرارة النكسة، وتندر على (بيانات أحمد سعيد)، بينما على النقيض رأينا بعضًا منه ما يزال يعشق (ناصر) ويمجده، في بيئة اجتماعية كابدت عناء هزيمة قاسية، أودت بأحلام بناها لهم عبدالناصر، جعلت البعض متشككًا في كل الأمور، فاقدًا الثقة في كل ما هو رسمي، ومجدوا الثورة التي عايشوها، واقتنعوا أنهم استفادوا منها تعليميًّا واجتماعيًّا، وكذا عايش هذا الجيل محاولات فترة (السادات) التي سمحت بتسريب بعض من حقائق في صورة كتابات وأعمال درامية، عملت على الانتقاص من الثورة وناصر، وليس ببعيد منها، كتاب لإحداهن حوى كثيرًا من الفضائح الاجتماعية لرموز تلك الحقبة.
لقد تعرف أبناء جيلي؛ وما زالت بعض الأجيال تعرف ثورة يوليو من خلال أفلام سينمائية أرخت لها بطريقة درامية، فنشأنا نتعاطف مع (علي بن عبدالواحد الجنايني) الذي فاز بقلب (إنجي) وصادر أملاكها وهدم طبقية الأرستقراطية لتنشأ طبقية من شكل جديد لم يتطرق لها فيلم (رد قلبي)، فكان ولابد أن تكتمل لدى جيلنا الصورة من خلال أفلام رصدت تلك الطبقة، كما في فيلم (الكرنك) وما فعله (خالد صفوان)، أو فيلم (إحنا بتوع الأتوبيس) وما فعله (رمزي) و (الشاويش عبدالمعطي) مع (مرزوق وجابر ومحمود)، أو لربما إسقاطات (نجيب محفوظ) في فيلم (القاهرة30) والقيم المجتمعية الذي أفرزت ظاهرة (قاسم بك) و (محجوب عبدالدايم)، فوقع الراصد في الحيرة من جديد، ما بين مغال في التمجيد أخفى أو تخطى كثيرًا من علامات الاستفهام، أو متضرر من إجراءاتها أظهر كثيرًا من عوارها، وحاول طمس جوانب جيدة لمسها عوام المصريين.
كان (جمال عبدالناصر) وبحق ظاهرة تحتاج لأن تدرس جيدًا؛ حتى تستطيع الحكم على تجربته حكمًا نزيهًا بعيدًا عن تعصب (الأدلجة) الذي وبلا شك سينتج حكما غير صحيح، سواء من محبيه أو مبغضيه، غير أن الرجل على المستوى الشخصي كان زعيم مرحلة بلا شك؛ له ما له وعليه ما عليه –أعلم أن تلك الجملة الأخيرة ستصرف الكثيرين من محبيه عن مجرد إكمال المقال-، فقد امتلك الرجل (كاريزما) وحضورًا؛ ساعدهما قدرة خطابية جعلت الرجل يتملك قلوب الكثير من شعبه، ومن المؤكد أن جزءا من هذه الأمور صنعها إعلام موجه، خلق له هالة كبيرة ربما كشفت روايات التاريخ كذب بعضها، إلا أن ما أبقى الرجل كملهم للبعض –رغم ما حققه من اخفاق- حتى بعد موته بعشرات السنين، بل وتشنج مريدوه لمجرد الظن أنك تحاول الانتقاص من الرجل حتى وإن كنت تتكلم بحجج من التاريخ وروايات شهود، أو حتى حديثهم المتناقض المبرر للنكسة والفساد وادعائهم أن معاوني الرجل فعلوا- وهو لم يكن يعلم- كل هذه مبررات تجعل دراسة ظاهرة (عبدالناصر) أمرًا مطلوبًا.
لقد سجل التاريخ كثيرًا من الأحداث التي مثلت علامات استفهام كبيرة تحار معها عقلية من يتعرض لفترة حكمه؛ وهناك كثير من الوقائع التاريخية شكلت ألغازًا أو انتجت وقائع على الأرض غريبة؛ تحتاج لأن تفكك أولا ليتضح حقيقتها؛ فيسهل تفسيرها في سياقها، وربما أساءت للرجل؛ ليس أقلها من هزائم عسكرية متكررة، منيت بها العسكرية المصرية على أرضها وخارجها، ووقائع فساد وتربح، واستغلال للنفوذ كثيرة، واستخدام لكثير ممن ثبت فسادهم وإفسادهم للحياة السياسية والاجتماعية المصرية بل والعسكرية أيضًا.
أكثر ما يشغلني في هذا السياق هو التعاطي الإعلامي خلال تلك الفترة الذي صنع لدى العقل الجمعي وربما لدى الذاكرة الجمعية إنجازات وهمية؛ وروج النكبات كانتصارات، وصنع فزاعات موهومة كاذبة، الأغرب أن كثيرًا ممن عايش تلك الحقبة ما زال يطنطن ويدندن بها ويعرضها على أنها إنجازات كبيرة، حتى بعد أن انقشع عنها غبار التعتيم، أو انجلت عنها قشرة التلميع الكاذبة؛ غير أن إعلام الفترة نجح في صنع حالة من الرضا استمرت عقودًا مع كثيرين من مؤيديه، فقد نجح صناع الفترة من استغلال كادر إعلامي، هو مراسل حربي شهير، كان باب دخوله مهنة الصحافة نجاحه في  فترة التمرين -أربعينيات القرن الماضي- في جريدة "إيجيبشيان جازيت"، في الحصول على رأي مئة بغيٍّ في مسألة إلغاء البغاء الرسمي في مصر، بعد تعرض كثير من جنود الحلفاء المتواجدين في مصر في أثناء الحرب العالمية الثانية لأمراض نقلتها لهم فتيات الليل، وكيف نجح بمعاونة (المعلمة) – كما يذكر عن نفسه - التي تعاطفت معه على أحد مقاهي (كلوت بك) وتغلب على القواد (عباس) وسأل مئة امرأة وهو جالس في مكانه يشرب القهوة على حساب المعلمة، ليصبح متحدثًا رسميًّا باسم حركة الضباط الأحرار، وليكون أحد صناع تاريخ مصر في تلك الحقبة، وكاتب خطابات (ناصر) ومحرر كتبه، ومدون ميثاقه، بعد انتهاء الحقبة دوَّن في كتبه كثيرًا مما روجت كحقائق وأسرار، يستخدمها البعض الآن كمراجع لدراسة الفترة. وهي الحقبة نفسها التي كان يخرج فيها (أحمد سعيد) ليعلن وصولنا أبواب تل أبيب، بينما رمال سيناء الحارقة تكوي أجساد جنودنا الهاربين وتشوي جثث أبنائنا الشهداء.
لقد أصبحت كتابات الضباط الأحرار أنفسهم مراجع للمهتم بدراسة تلك الفترة، وهي مراجع لا يغفل عنها، ومن أشهرها ما دونه الصاغ الأحمر (خالد محيي الدين) مثلًا، أو الرفيق الأميرالاي (يوسف صديق)، أو ما دونه اللواء أركان حرب (محمد نجيب) أول رئيس جمهورية لمصر، أو الضابط (جمال حماد) كاتب بيان الثورة والملقب بمؤرخها، أو ما دونه (عبداللطيف البغدادي) أحد أعضاء مجلسها في مذكراته، أو الضابط (حسين حمودة) في كتابه (أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان). والغريب أنك بمطالعتك لكتابات أو مذكرات كثيرين من الضباط الأحرار، تستطيع أن تقرر أن (ناصر) كان عضوًا في الحركة الشيوعية ويحضر اجتماعاتها، فتسمع من آخرين مآخذه عليهم وربما سبه لفكرهم، ثم تقرأ لآخر يؤكد لك أنه كان عضوًا في تنظيم الإخوان المسلمين، ويحضر اجتماعات تنظيمهم، وتجده يذكر وجهة نظر مغايرة عنهم واتهامًا لهم بمحاولة استغلال تنظيم الضباط الأحرار. وتلك في حد ذاتها معضلة أو إشكالية تحتاج للتوقف معها، فهل هو شخصية تسعى لتحقيق أهداف وطنية بحتة، أم منشغل بتحقيق أمجاد شخصية على حساب بعض مصالح البلد، فإن لم تكن تلك هي البرجماتية في أزهى صورها فماذا تكون؟!
لن ينسى التاريخ بطل الثورة الحقيقي الأميرالاي (يوسف صديق) ذا التوجه الشيوعي الذي أنقذ ثورة يوليو من انتكاسة خطيرة في اللحظة الأخيرة، فقد أوكل إليه تنفيذ أخطر مهامها وهو الاستيلاء على مقر قيادة أركان الجيش، فبدأ في تنفيذ مهمته قبيل موعد الثورة بساعة، حيث أرجأت ساعة الصفر من الثانية عشر ليلًا إلى الواحدة صباحًا، ولم يبلغ بذلك (صديق)، الذي تحرك بقواته واعتقل قائد سلاح المدفعية ومساعده، ورفض الانصياع لـ (ناصر) الذي طالبه بالعودة للهايكستب بقواته، فكان تقدمه عن الموعد سببًا في إحباط استباق الملك والجيش للحركة و إفشالها، وهو نفسه الذي اتسق حقيقة مع أفكاره فنادى بترك الجيش ميدان السياسة، وإنشاء حياة نيابية ديمقراطية حقيقية، وطالب بتحقيق ما نادت به الثورة من شعارات ومطالب، وعندما وقعت أزمة فبراير ومارس 1954م التي انتهت باعتقال (محمد نجيب) أول رئيس لجمهورية مصر، طالب (يوسف صديق) في مقالاته ورسائله بضرورة دعوة (نجيب) البرلمان المنحل ليمارس حقوقه الشرعية، وطالبه بتكوين وزارة ائتلافية من قبل التيارات السياسية المختلفة المكونة للشارع المصري من الوفد والإخوان والاشتراكيين والشيوعين، فاعتقل لموقفه هذا هو وأسرته، وأودع السجن الحربي بعد أقل من عامين من الثورة في أبريل 1954م، حتى أفرج عنه في مايو 1955م، بشرط تحديد إقامته بقريته حتى وافته المنية في 31 مارس 1975م، ويذكر في مذكراته: كان طبيعيًّا أن أكون عضوًا في مجلس قيادة الثورة، وبقيت كذلك حتى أعلنت الثورة أنها ستجري الانتخابات في فبراير 1953م، غير أن مجلس قيادة الثورة بدأ بعد ذلك يتجاهل هذه الأهداف، فحاولت أكثر من مرة أن أترك المجلس وأعود للجيش فلم يسمح لي بذلك، حتى ثار فريق من الضباط الأحرار على مجلس قيادة الثورة يتزعمهم اليوزباشي (محسن عبدالخالق)، وقام المجلس باعتقال هؤلاء الثائرين ومحاكمتهم، فاتصلت بالبكباشي (جمال عبدالناصر) وأخبرته أنني لا يمكن أن أبقى عضوا في مجلس الثورة وطلبت منه أن يعتبرني مستقيلًا، فاستدعاني للقاهرة ونصحني بالسفر للعلاج في (سويسرا) في مارس 1953م.
اللواء أركان حرب (محمد نجيب) أول رئيس لجمهورية مصر، يذكر عنه المؤرخ العسكري اللواء (جمال حماد) -أحد الضباط الأحرار- أن الحركة لم تكن لتنجح لولا انضمام (محمد نجيب) إليها، لما كان له من سمعة طيبة في الجيش، ولما كان لمنصبه من أهمية، إذ إن باقي الضباط الأحرار كانوا ذوي رتب صغيرة وغير معروفين. ويذكر (ثروت عكاشة) –أحد الضباط الأحرار- في كتابه (مذكراتي بين السياسة والثقافة): "كان اللواء محمد نجيب أحد قادة الجيش المرموقين لأسباب ثلاثة: أولها: أخلاقياته الرفيعة، وثانيها: ثقافته الواسعة، فهو حاصل على ليسانس الحقوق، وخريج كلية أركان الحرب ويجيد أكثر من لغة، وثالثها شجاعته في حرب فلسطين التي ضرب فيها القدوة لغيره وظفر بإعجاب الضباط كافة في ميدان القتال". وقد كان اختيار تنظيم الضباط الأحرار لـ (محمد نجيب) سببًا في نجاح التنظيم داخل الجيش، فعندما يتم عرض فكرة الانضمام على الضباط كانوا يسألون من القائد، وعندما يعرفون أنه اللواء (محمد نجيب) يسارعون بالانضمام.  وبالرغم من الدور البارز له سياسيًّا وعسكريًّا، إلا أنه كتب في مذكراته –التي بها كثير من خفايا تلك الحقبة- أنه بعد الإطاحة به من الرئاسة تعمد إهانته بالاعتداء عليه وتصويره أثناء القبض، وتم شطب اسمه من الوثائق وكافة السجلات والكتب، ومنع ظهوره أو ظهور اسمه تماما طوال ثلاثين عامًا، فلم يعلم المصريون هل مات أم مازال حيًّا، على الرغم من دوره الرئيس في ثورة يوليو، واستمر هذا الوضع حتى أواخر الثمانينيات عندما عاد اسمه للظهور من جديد وأعيدت الأوسمة لأسرته، وأطلق اسمه على بعض المنشآت والشوارع، كل ذلك لأنه فقط طالب بحياة نيابية ديمقراطية.
ولم يكن ما حدث للصاغ الأحمر (خالد محي الدين) أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة صاحب التوجهات اليسارية؛ حينما دعا رفاقَه في مارس 1954 إلى العودة لثكناتهم العسكرية لإفساح المجال لإرساء قواعد حكم ديمقراطي؛ فنشب خلاف بينه وبين (عبدالناصر) ومعظم أعضاء مجلس قيادة الثورة، استقال على إثره من المجلس، وسافر تحت ضغوط من (عبدالناصر)  -كما يذكر البعض- إلى سويسرا، والتي وصفها في كتابه (الآن أتكلم) بأنها كانت منفى، وقد أورد في كتابه كثيرًا من الشهادات التي أثبتت أن (ناصر) كان وراء كثير من الوقائع التي حدثت في مصر وروجها الإعلام أنها عمليات نفذها أعداء الشعب من الرجعيين، بعضها كان حرائق أو انفجارات أو تحركات عمالية، ذكر الصاغ الأحمر في كتابه ما نصه: "إنني أود أن أوضح نقطة بالغة الأهمية، صحيح أن عبد الناصر رتّب الأمر، ثم حشد بعد ذلك قطاعات العمال ودفعهم للإضراب، وخاصة عمال النقل العام، وقد اعترف لي عبد الناصر صراحة بأنه أنفق أربعة آلاف جنيه على هذه الترتيبات، وبعد عودتي من المنفى عاد فاعترف لي أنه رتب حركة 27-28-29 مارس كرد على حركة الفرسان واجتماع الميس الأخضر وقال باسمًا: واحدة بواحدة، ونبقى خالصين.. لكن هذه الترتيبات ما كان لها أن تنجح لو لم تجد صدى لها وسط الجماهير".
وعلى النقيض الصاغ (عبدالحكيم عامر) الذي لم يسجل له أي نجاح سياسي أو عسكري حتى وفاته 1967م التي وصفت بأنها انتحار، فقد أمر (ناصر) بترقيته إلى رتبة لواء متخطيًا ثلاث رتب ليصبح القائد العام للقوات المسلحة المصرية، ثم رقي لرتبة فريق وعين وزيرًا للحربية مع احتفاظه بمنصبه في القيادة العامة للقوات المسلحة عام 1958م، ومنح رتبة المشير عام 1958 بعد الوحدة مع سوريا، ليصبح القائد الأعلى للقوات المشتركة، وعلى الرغم من أنه يعد السبب الرئيس في إفشال الوحدة بين مصر وسوريا والتي تعد هدفًا لفكرة القومية العربية التي وصف ناصر بأنه عرابها، فتذكر الكتابات أن تعامل (عامر) المتعالي مع أشقائنا بسوريا كان سببًا رئيسًا في الانفصال، الذي قتل واحدة من أحلام العرب، وكوفئ بعدها بتعينه نائبًا أول لرئيس الجمهورية في 1964، وأضيفت إليه مهمة رئاسة اللجنة العليا للسد العالي ثم رئاسة المجلس الأعلى للمؤسسات العامة ذات الطابع الاقتصادي. ولا يستطيع الباحث أن يجد مبررًا يجعل ضابطًا صغيرًا تسند له كل هذه المهام رغم اخفاقاته، في جمهورية جديدة تأسست بحركة لضباط من الجيش وصفوا أنفسهم بأنهم الأحرار، تعدى عددهم الثلاثمئة فرد من بينهم الأمهر والأقدر على تحمل المسؤولية والنجاح فيها، إلا أن (ناصر) كان له رأي آخر أقصى به كثيرًا من أصحاب الرأي، وأبقى على من قبل أن يتماهى ليصنع ظل الزعيم المبهر والملهم.
أما الصاغ (صلاح سالم) فله قصص أخر مع الاخفاق، فعينه (ناصر) وزيرًا لشؤون السودان، فكان سببًا رئيسًا في انفصال السودان عن مصر بسبب تصرفاته التي استفزت أشقاءنا بالسودان، ورفض ناصر طلبهم بإقالته من منصبه وتعيين آخر. 
أما الصاغ (أنور السادات) فهو لغز آخر في المحيطين بـ (ناصر) فتدرج في مناصبه حتى أصبح نائبًا لرئيس الجمهورية، وأحد أكبر صناع القرار في عهد عبدالناصر، إلا أنه جعل من أول مهام فترة حكمه بعدما خلفه في رئاسة الجمهورية السماح بالهجوم على كل ما كان مسكوتًا عنه في حقبة (ناصر)، فبدأت حرب كشف الحقائق والأسرار، وربما تمادى البعض في استغلال ذلك في الثأر من ثورة يوليو نفسها.
لقد كان جل من استخدمهم (ناصر) سببًا رئيسا فيما حدث خلال تلك الحقبة من أهوال وفساد وهزائم عسكرية، وبعضهم فضح تلك الحقبة، وكان خنجرًا يطعن في كل ما يمت لناصر بصلة، ومن أقصاهم (ناصر) كلهم ممن أرادوا له ولمصر الخير، وتوهموا كما توهم العامة أن الأهداف المعلنة للثورة حقيقية، وأنها تسعى لإيجاد حياة نيابية ديمقراطية حقيقية، أو أنها تعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية.
ولازالت الحيرة تتملك من يتعرض لتلك الحقبة بالدراسة أو الاطلاع ما بين كتابات مؤيدين أعموا أعينهم عن سوءات كثيرة، أو برروا دون خجل جرائم فظيعة، وما بين مغالين في الكره والحقد أظهروا العكس.   
فهناك علامات استفهام كثيرة تركتها حقبة الخمسينيات والستينيات، لم تجد حتى الآن ردًا عليها، فلم حرقت القاهرة عام 54 ومن الذي أحرقها؟! ولم خضنا حربًا في اليمن كلفتنا أرواح مئات الآلاف من أبنائنا وأفرغت خزانات الدولة المصرية؟! ولم أصر الزعيم (ناصر) على إغلاق ممر تيران وهو يعلم أن قواته لم تكن على أهبة الاستعداد لحرب؟! بل كيف كان رئيس الدولة يستقي معلوماته عن إمكانات جيشه؟ أم كيف كانت معايير الاستخدام والإقصاء عند (ناصر) غير الصداقة، ما بين مبعوث للسودان أفسد وحدة قطرين عربيين نشآ معًا، ومبعوث في سوريا أفسد مشروعًا قوميًّا وحلمًا للعروبة، وصف ناصر نفسه بأنه عراب له، بل ومبعوثه في  الغرب الذي اتضح في النهاية أنه عميل، الأولان فقط كونهم صديقاه والثالث زوج ابنته.
الحديث عن الثورة وعن ناصر يطول غير أنه له بقية نكملها.

أحمد خطاب
صحفي – عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • فجر

    04:45 ص
  • فجر

    04:45

  • شروق

    06:09

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:54

  • مغرب

    17:19

  • عشاء

    18:49

من الى