• الثلاثاء 14 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر09:26 م
بحث متقدم

عن الصحافة وثورة يوليو وتزييف التاريخ

وجهة نظر

علي القماش
علي القماش

على القماش

من المؤسف استسهال بعض الكتاب والصحفيين بزعمهم أن ثورة يوليو عرضت رئاستها على احمد لطفي السيد ولكنه رفض ، وبالطبع قد يهدف هؤلاء إلى إعلاء قيمة الصحافة حتى أن صحفيا رفض رئاسة الثورة ، بينما يأتي هذا على حساب تناقض الثورة مع طبيعة لطفي السيد الذي كان مهادنا للاحتلال متلاطفا معه ، ول يكن يوما ثوريا ليتماشى مع فكر ثورة أطاحت بالملك والاحتلال ، فضلا عن سنه وقت الثورة كان يبلغ 80 عاما حيث انه من مواليد 1872 .. وهذا لا يتعارض مع مواقفه الصحفية وأهمهما معارضته الشديدة لعودة العمل بقانون المطبوعات عام 1909

وحقيقة أنه يختلف عن غيره من الوزراء بأنه أشتعل بالصحافة وأنه أقرب إلى رجال الفكر منه إلى طائفة رجال السياسة ،  كما  كان بارعا في الفكر واللغة العربية  والعمل على رفعتها وكان من مؤسسي مجمع اللغة العربية ، كما تولى رئاسة دار الكتب ، وعندما أسس " الجريدة " وتولى رئاستها جعل منها ناديا ثقافيا ومعهدا فكريا أفاد الشباب وقربهم من كبار الأستاذة حيث كان من كتاب " الجريدة " حسن هيكل وطه حسين والمازنى والعقاد وعبد الرحمن شكرى ومحمد السباعى وعبد الحميد حمدى وغيرهم من قمم الفكر ، كما كان عف اللسان زاهدا في جمع الأموال علما بأنه من أسرة ثرية ولكن هذا الوقت  اشتهر كبراء المجتمع بالتكالب على جمع الأموال .

ولكن ماذا عن الجانب الآخر لشخصية أحمد لطفي السيد والتي لا تتفق مع قيادة ثورة يوليو أو حتى غيرها فما بالك رئاستها !

كان لطفي السيد قريبا من حلبات القتال والمصارعين دون أن يمتشق هو سلاحا ودون أن يصيبه رذاذ من دماء المقاتلين .. فقد كانت سلامته الشخصية وخلو باله وبعده عما يعكر مزاجه هو هدف حياته، ولقد حقق هذا الهدف في مختلف الظروف والحقب في عهد الخديوي وعهد كرومر وكتشنر وونجت وعهد ثورة 1919 وفى عهد البرلمان وفى عهد ثورة 1952، لذا فان ما يقال عن دعوت إلى " المصرية " يظل خافتا إذا قورن بمثل ما نادى به وفعل من اجل ه مصطفى كامل والثوار

كان وزيرا والعقل المفكر في وزارة انقلابية أوقفت دستور 1923 وعطلت الحياة النيابية وأقامت حكما مطلقا أطلق عليه حكم " اليد الحديدية " فاتخذت الصحف الوفدية منها هدفا لصورها الكاريكاتيرية وأزجالها الساخرة واخبار بها لمز ، و أطلقوا عليه " جبل أوليمب " لاشتهاره بترجمة اّثار أرسطو ( وقد يكون التشبيه بانه مثل جبال الثلج وما فيها من برود ) ووصفه العقاد نقلا عن سعد زغلول او محمد محمود بانه قوى الفكر ولكنه فى بعض تديراته واحتمالاته قوتين متعارضتين فيقف به هذا التعارض دون العمل المستطاع أو دون الحماسة لرأى من الرأيين  " أى أنه متردد " بل وكتب مقالا عنه وصفه بالفشل !

كان لطفى السيد مهادنا وضمن الفريق المؤمن بثقافة بريطانيا السياسية وان استعمارها خير من سواها من ضروب الاستعمار ، وان مصر يمكن ان تفيد من الاحتلال البريطانى ان هى بعدت عن التطرف السياسى

فقد كانت نظرة لطفى السيد اذ لم نجح مساعى الوفد فى عرض قضية البلاد على مؤتمر الصلح فى فرساى بتنظيم علاقة مصر ببريطانيا فى ظل الحماية ، واقامة حكم دستورى فى البلاد ، وقد بذل من أجل الوصول الى هذا المطلب المتواضع كل ما يملك من القدرة على الملاينة والملاطفة فماذا حقق ؟ .. ولما اعلن الدستور بعد تصريح 28 فبراير كان دستورا فضفاضا كما قال زميل حياته عبد العزيز فهمى أو كما قال فتحى رضوان ماذا أجدى البلاد هذا الدستور الذى كان كالكره يتقاذفه الملك فؤاد والمندوب السامى وتتداوله أقدامهم ؟وألم يتبين ان تنظيم العلاقة ببريطانيا فى ظل الحماية والاحتلال هو نفسه الحماية والاحتلال ؟!!

واراد ان يدافع عن صحيفته " الجريدة " حيث اتهم بمحاباته للانجليز فسقط وتورط وهو ما يظهر فى قوله فى عدد 6 ابريل 1907 " ان الجريدة لم تنِا لآن تحابى السلطة الشرعية ( الخديو ) أو السلطة الفعليىة ( الاحتلال )ولا أن تنصر لآحدهما على الاخرى " !!!

وقد تسبب عدم تعقيبه على ما تنشره " المقطم " من مقالات بعنوان " اهل مصر والتغيير المنتظر " من الدعوة الخبيثة بان لم يكن استقلال مصر ممكنا فان الانجليز خير الحاكمين  " ! الى عتاب شديد من الدكتور حسين هيكل وانه فوجىء بان لطفى السيد يطلب منه التريث فخرج منه محنقا وكتب رأيه الا ان لطفى السيد رفض نشره !

وعندما سقط كرومر تحت حملات الزعيم الوطنى مصطفى كامل عقب حادث دنشواى ، من المؤسف ان دعا سعد زغلو الى اقامة حفل توديع له وأيده لطفى السيد ، وأستنكر أكثر المصريين هذه الفكرة ، فدافع لطفى السيد مبررا بقوله " سياستنا مع الانجليز لا تخلو من احد وصفين . أما سياسة عناد وعداء واما سياسة مسالمة لا استسلام ، ولا شك ان سياسة المعاندة عقيمة . اذ كيف يقبل المعاند من المعاند حسابا على اعماله ؟ بل كيف يرجو العدو من عدوه اصلاحا له ؟ فلم تبق اذن الا سياسة المسالمة والمحاسنة المقرونة بالمحاسبة ، وأول مظاهرها المجاملة فى المعاملة ، ومن هذا النوع يكون اهتمام العقلاء بالاحتفال بوداع اللورد كرومر " !!

وهكذا يدعو لطفى السيد فى جرأه الى ملاطفة الاحتلال وبما يثبط همة المقاومة الوطنية بالاستسلام للامر الواقع وان يحاسبوا الانجليز بوصفهم اصحاب السلطة الشرعية فى البلاد " لا مؤاخذه على راى الاسكندرانية أحييه "

نفس الامر فى نظرته للانجليز وتقديرهم عند نظره للدستور .. فهو ينصح الانجليز بان يمنحو مصر الدستور ليكسبوا صداقة المصريين! .. وهو يطالب دستور جزئى يتناول المصريين دون الاجانب والمهيمنين على الاقتصاد بقوله " فهل نحن نطالب بتوسيع أختصاص هيئتنا النيابية على هذا النحو ،كلا ، انما نطلب الجزء الذى يمس حاجتنا من السلطة التشريعية وهو ان يكون رأى مجلس الشورى قطعيا فى القوانين التى تطبق على المصريين وحدهم دون غيرهم " !!

فى سنة 1913 قامت الحرب الايطالية فى ليبيا ، وكان لطفى السيد يكره الاتراك فسعى لاقناع رشدى باشا والذى كان رئيسا للوزراء باستقلال مصرعن الدولة العثمانية ووأنت نصب الخديو ملكا عليهاويعترف لها الانجليز بهذا الاستقلال ورجاه ان يعرض هذا المطلب على الخديو عباس واللورد كتشنر المعتد البريطانى فى مصر ، وألا يخبر محمد سعيد باشا رئيس الوزراء فى ذلك الحين

ويعلق قتحى رضوان على هذا التصرف العجيب بقوله : أى أستقلال هذا الذى يتم بموافقة المحتلين ومساعدتهم ؟ ثم كيف يتأفف انسان من تبعية لا أثر لها ويهلل ويرحب باحتلال وتبعية جاثمين على صدره واّخذين بخناقه ؟وكيف لا يرى بأسا أن يتصل بكتشنر ويعتمد عليه فى مسعاه ويخفى هذا عن محمد سعيد المصرى ورئيس وزراء بلاده ؟!

وفى عام 1913 ايضا دعا لطفى السيد لانشاء نقابة للصحافة المصرية وانتخبت الجمعية العمومية صحفيا أجنبيا هو المسيو كانيفيه نقيبا وفارس نمر ولطفى السيد وكيلين .. فكيف يفخرر بهذه النقابة فى مصر ونقيبها اجنبى ووكيلها معه صاحب جريدة المقطم لستن حلال الاحتلال الانجليزى فى مصر ؟!

وفى نفس العام حلت الحكومة مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية ورشح نفسه فى الانتخابات وسقطبالمناسبة نفى لطفى السيد ما روجه بعض الصحفيين من اصحاب الاستخفاف بالعقول وقولهم انه خصمه لصق فيه تهمة الديموقراطية وكان الناس يسيرون خلفه ويقولون الديموقراطى أهه ! وهى كذبه لا أصل لها

أما عن رايه فى الصناعة الوطنية يقول فتحى رضوان فى كتابه عصر ورجال اننى عندما ذهبت لاحمد لطفى السيد وكان رئيسا للجامعة لاستحثه على لتشجيع مشروع القرش الذى كان يدعو له أحمد حسين لخلق اهتمام بالصناعة وخلق رأسمال يعين الشعب على انشاءمصانع تكون مملوكة للشعب ، وتعويد الشعب على النشاط التعاونى ، كانت دهشتى وهو يحاول جاهدا أن يصرفنى عن التفكير فى التصنيع والمصانع واذا كان هناك اهتمام فليكن لانشاء مستشفيات للامراض العقلية

نأتى الى موقف للطفى السيد يتعلق باليهود .. ففى عام 1925 قررت الحكومة المصرية انتداب أحمد لطفى السيد ليمثلها فى الاحتفال بتدشين الجامعة العبرية بالقدس ، وهو ما أثار موجة من الاحتجاجات والاستنكار ، والمطالبة بالعدول عن الزيارة لئلا يسجل التاريخ على مصر الناهضة اشتراكها فى عمل يرمى الى القضاء على النهضة العربية ، وقد أمتدت الاحتجاجات الى فلسطين

واستغلت الدوائر الصهيونية حضور لطفى السيد حفل افتتاح الجامعة من الناحية الدعائية إلى مدى بعيد، وشاركتها فى ذلك وكالات الأنباء الأوروبية والصحف والإذاعات، حتى إن وكالة " رويترز " لم تذكر مِن أسماء من حضروا ذلك الحفل إلا اسم لطفى السيد

كذلك علقت صحيفة " بالستين ويكلى " الصهيونية على ذلك بقولها: " حضور مندوب مصر هذه الحفلة كان دليلًا على أن مصر العاقلة لا ترى فى الصهيونية رأى أهل فلسطين "، وأشاد اليهود المصريون باشتراك مصر فى افتتاح جامعتهم بالقدس، ونوه يوسف بوتو، عضو مجلس الشيوخ المصرى أحد اليهود المصريين الذين شاركوا فى احتفالات الجامعة العبرية، إلى " عطف الحكومة المصرية على القضية الصهيونية، واستشهد على ذلك بإرسالها صاحب العزة أحمد لطفى السيد مندوبًا عن الجامعة المصرية "

وحاول لطفى السيد استدراك الامر فقال انه اشترك فى الاحتفال بناء على طلب حكومته

وأصدر بيانا رسميا أعلن فيه الظروف والملابسات الدقيقة التى أحاطت بمهمته فى القدس، خاصة أن الدعوة صدرت عن معهد علمى من المفروض انعدام صلته بالسياسة كما هو شأن الجامعات العلمية ، كما قام بزيارة عدد من المعاهد الاسلامية

لكنه فى الوقت نفسه، أبدى ارتيابه من المبالغة التى أحيط بها الاحتفال بافتتاح الجامعة العبرية، ما ينطوى على الترويج للدعوة الصهيونية، ومما أكد له ذلك ما نما إلى علمه من أن لغة الجامعة هى العبرية ،فأمتنع عن إلقاء كلمته فى الاحتفال حتى لا يُفهم منه تأييد مصر للعنصر الصهيونى وتفضيله على العنصر العربى فى فلسطين

( كما سافرحسين فوزى للجامعة العبرية بعد لطفى السيد الى اسرائيل )

والواقع أن الدعوة لحضور احتفالات الجامعة العبرية لم تقتصر على الجامعة المصرية فحسب، بل وُجهت دعوة مماثلة إلى الشيخ محمد بخيت، مفتى الديار المصرية سابقًا، وكذلك الدكتور أحمد زكى باشا، فأهملاها ولم يردا عليها، وقد ذهب فريق من اليهود المصريين إلى " الشيخ بخيت " ورجوه باسم العلم أن يحضر تلك الحفلة فاعتذر لكبر السن ومشقة السفر فألحوا عليه وعرضوا عليه تسهيلات كبيرة فى السفر، فلما ضاق بهم ذرعًا أوضح لهم أنه لا يستطيع أن يحضر احتفالا يسىء إلى أهل فلسطين الذين هم فى حالة حداد بسبب هذه الجامعة.

مرة أخرى لا يعنى ما ذكرناه انكار مكانة لطفى السيد استاذ الجيل ، ودفاعه عن الثورة العرابية ، ودفاعه عن حق ابناء الفلاحين والعمال فى التعليم عام 1909 ورفضه لقانون المطبوعات ومساهمته فى تأسيس مجمع اللغة العربية وغيرها من الماّثر ، وقد كرمه الرئيس عبد الناصر باهداء وشاح النيل اليه ، كما قدمت الدولة له جائزة الدولة التقديرية

ارجو ان يكون هذا تصحيحا للزملاء الذين هدفوا الى تعزيز مكانة الصحفى فتجاوزوا فى الوقائع التاريخية ، كما ان الزعم بوجود ما يؤيد عرض رجال الثورة على لطفى السيد رئاسته لدى اوراق مصطفى النحاس ومحمد نجيب ، فالنحاس – مع التقدير له – كان بعيدا عن الثورة ، ومحمد نجيب نشر كتب ومذكرات لم تحمل مثل هذا المعنى ، فضلا عن عدم ذكر ضباط الثورة لهذه المقولة

 


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • فجر

    03:55 ص
  • فجر

    03:54

  • شروق

    05:25

  • ظهر

    12:05

  • عصر

    15:43

  • مغرب

    18:44

  • عشاء

    20:14

من الى