• الثلاثاء 17 يوليه 2018
  • بتوقيت مصر06:17 ص
بحث متقدم

هل كان بالإمكان تفادي بحور الدم بعد 30 يونيه ؟ (2/2)

مقالات

كانت هناك سيناريوهات بديلة كثيرة في فترة السيولة السياسية التي صبغت المرحلة الأخيرة من حكم الرئيس محمد مرسي للخروج بالوطن والنظام من الأزمة ، وكان بوسع مرسي أن يختار من بينها ، لكي ينجو بنفسه وبالشعب والوطن والدولة والجماعة معهم من المآلات التي حدثت بعد ذلك ، ولكنه رفض كل هذه السيناريوهات ، لأنها تقتضي أن يتنازل للشعب ، وليس للآخرين الذين كانت الجماعة مشغولة بعقد صفقات معهم بالغرف المغلقة في اللحظات الأخيرة ، ولأن مرسي لم يتصرف كرجل الدولة ، تصرف بمنطق التنظيم وحسابات جماعة أدمنت العمل في الظلام ، وليس بمنطق السياسة والشرعية الدستورية والدولة ومؤسساتها وأدواتها ، فتم تخديره بسهولة واحتراف هو وجماعته حتى أدركه الغرق وفوجئ بأن "الركن الركين" الذي كان يستند إليه وباع من أجله الجميع أضاعه .
كان يستطيع محمد مرسي أن يعلن مبكرا قبوله الاحتكام إلى الشعب ، سواء باستفتاء جديد على شرعيته ، أو بالدعوة إلى انتخابات جديدة خلال ستين يوما ، طواعية ، كما يفعل أي زعيم سياسي أو أي حزب سياسي في ظروف أقل خطورة من تلك التي كانت في مصر وقتها ، وكان يمكن لمحمد مرسي أن يكلف أحد قيادات المعارضة بتشكيل حكومة وحدة وطنية تشرف على الانتخابات المقبلة بشفافية كاملة ، ولو وصلت له أبجديات الذكاء السياسي لكان قد كلف الدكتور محمد البرادعي نفسه ـ زعيم المعارضة الأبرز ـ بتشكيل تلك الحكومة ، ولو فعل لخلط كل الأوراق ، وصدر الانقسام إلى الجبهة المنافسة ، وقلب الأمور رأسا على عقب ، ولأوقف التخطيط لحشد 30 يونيه ، لأنه لم يعد له معنى ولا مبرر والغطاء السياسي انكشف عنه تماما .
وكان يمكن لمحمد مرسي أن يخرج من حوار الغرف المغلقة إلى فضاء الشعب ، وهو رئيس للجمهورية ، بكل ما للمنصب من وهج وقدرة وسلطة منذ تأسيس الجمهورية في مصر ، كان يمكنه أن يخرج للشعب ويكاشفه بحقيقة ما يجري ، فإن كان عاجزا أو هناك ما يعوق أداءه لسلطاته كما يزعمون الآن ، أن يصارح شعبه بذلك ، وأن يعرض أن يتنحى عن السلطة إن كان ذلك حلا ، أو أن يشرح لهم الضغوط التي يتعرض لها بوضوح وصراحة وشجاعة ، بدلا من الحديث العاطفي الذي استغرق خطاباته الأخيرة والذي انشغل فيه بمجاملة المؤسسات والجيش والشرطة والتودد إلى كل من كانت الجماعة تعول عليهم في صفقاتها من وراء ظهر الشعب .
لم يفكر في ذلك أبدا ، لأن الشعب لم يكن في حساب الجماعة ، ولا مرسي ، كان في حسابه فقط الجيش ، ومعه دوائر القرار الأمريكية والأوربية ، الشعب المصري لم يكن له أي حضور ، بل كان مرسي والجماعة تخاف فعليا من الشعب ، وسلوكها السياسي كله كان يعطي هذا الانطباع .
وحتى عندما قضي الأمر ، واتضحت الصورة تماما ، وزالت الأوهام ، ورفعت الغمامة التي كانت على أعينهم طوال الأشهر الأخيرة ، وبسط المجلس العسكري الجديد سيطرته على عموم البلاد والمرافق والمنافذ ، وحدث أن دعاهم الفريق عبد الفتاح السيسي قائد الجيش صباح يوم 3 يوليو للمشاركة في خارطة طريق جديدة ، كانت الحكمة تقتضي أن يفكر رئيس الجمهورية في حل سياسي أيا كانت التنازلات فيه ، لأن الدولة بكاملها الآن ضده ، الجيش والشرطة والقضاء والأزهر والكنيسة والأحزاب السياسية المدنية والحزب الإسلامي الذي كان شريكه سابقا والإعلام ، فضلا عن أن غالبية الشعب انفضت عنه بوضوح وموجة الغضب الشعبي كاسحة ، فما الذي يدعوك لخوض معركة كسر عظم ضد كل هؤلاء ، وأنت لم تعد تملك أي قرار على أي جهاز في الدولة إلا حشد من المتعاطفين معك في بعض الميادين ، وحتى لو كنت تفكر أنك ستفوز بذلك الصدام في النهاية ، هل كنت تحسب تكاليف أن تكسر الجيش والشرطة والدولة ومؤسساتها ، وهل كنت تتصور أن هؤلاء جميعا ينتظرونك لكي تنفذ فيهم تهديدات أنصارك بتعليقهم على المشانق في أعمدة ميدان التحرير ؟ ، هل هناك عقل سياسي يمكنه أن يفكر بتلك الطريقة في اللحظة التي أدرك فيها أن كل أوراق اللعب له طاشت في الهواء ، أولم يكن من الحكمة السياسية أن يقبل الدعوة والتي كانت في ذلك الوقت تنص على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة ، وانتخابات برلمانية ، وعدم إقصاء أي طرف وتشكيل لجنة للحوار والمصالحة الوطنية وتكليف شخصية غير سياسية ولا حزبية مثل رئيس المحكمة الدستورية بإدارة المرحلة الانتقالية والتأكيد على أن شباب التيار الإسلامي جزء من الشراكة وأن تلك الإجراءات لا تستهدفهم ، وغير ذلك من أفكار لم تكن في ذاتها سيئة ، وكان يمكن تعظيم مخرجاتها على أرض الواقع بالمبادرة بتشكيل جبهة وطنية عريضة ، وتفكيك الاحتقان مع المعارضة ، وكل ذلك كان كفيلا بضمان ظروف سياسية أفضل للجميع في الخطوات التالية ، وكان ذلك كفيلا بوقف أي انهيارات سياسية أو أمنية أو شعبية أو تعطيلها أو تقليل اندفاعها .
لكن الذي حدث أن الجماعة رفضت كل ذلك ، وتحدت الجميع ، وهددت الجميع ، وعاشت على وهم أن المجتمع الدولي لن يقبل إزاحة مرسي بتلك الطريقة ، كما قررت الذهاب إلى معركة كسر عظم مع الجيش والشرطة والقضاء ومؤسسات الدولة ، بدون أي حلول وسط ، كما دفعت للصدام الدموي غير المتكافئ على الإطلاق في ميادين رابعة والنهضة ، رغم أن الرسالة وصلتهم بقرار الفض بالقوة وموعده قبل الموعد بفترة كافية ، وأذكر أني وقتها كتبت في المصريون وقلت عبر الفضائيات ـ برنامج على مسئوليتي بقناة الجزيرة ـ ، وقبل أن يكون هناك دم ومذابح وصدامات ، قلت لهم أنه ليس من مصلحة الجماعة ولا مصلحة مصر الدفع إلى "معركة صفرية" لأنها تنهي أي فكرة لتقاسم السلطة أو الشراكة السياسية أو مجرد وجود المهزوم أصلا ، والمنتصر فيها سيسحق الطرف الآخر سحقا تاما شاملا وبلا هوادة ولا رحمة ، وستكون نتائجه مدمرة ، لأن هذه هي طبيعة المعارك الصفرية ، لا يترك المنتصر للمهزوم شيئا ، وأذكر أني قلت لهم يومها في قناة الجزيرة أنه أن تتراجع خطوات وتخسر عشرين أو ثلاثين في المائة من مكتسباتك ، وتحافظ على نفسك وعلى حزبك وعلى وطنك ، فسيبقى معك 80% ، ولو بقي معك حتى 50% وضاعت مثلها ، فأنت ـ سياسيا ـ رابح في تلك المواجهة ، لم يكن هناك أي عقل سياسي يعمل ، وكان الشحن العاطفي لآلاف المتعاطفين في الميادين وتجهيزهم للصدام والدم والتضحية والشهادة وصناعة مظلومية جديدة معمدة بالدم هو الذي يفكرون فيه .
نعم كانت هناك فرصة ـ بل فرص ـ لتفادي بحور الدم ، وصحيح أن هذا الدم لا يسأل عنه الإخوان وحدهم ، وسيأتي اليوم الذي ينصب فيه ميزان العدالة لأولياء الدم حتما ، لكن الجماعة كانت طرفا أصيلا في المسئولية ، بالتمهيد للصدام ، والدفع إليه ، وشحن النفوس له ، وسوء التقدير السياسي لميزان القوى ، وبدائية التخطيط ، وإهدار كل فرص التسويات السياسية التي تمنع هذا السيناريو الكابوسي عن الوطن .  

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع فوز مصر باستضافة كأس العالم 2030؟

  • ظهر

    12:06 م
  • فجر

    03:29

  • شروق

    05:07

  • ظهر

    12:06

  • عصر

    15:45

  • مغرب

    19:05

  • عشاء

    20:35

من الى