• الإثنين 16 يوليه 2018
  • بتوقيت مصر02:47 م
بحث متقدم

ابتعدوا رحمكم الله

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم إبراهيم سلامة

يقولون دومًا: لكي تحظى باحترام دائم اجعل هناك مسافة بينك وبين غيرك، لأن القرب الزائد، يهدم الهيبة، ويزيل الحواجز، وتكون مرماك معرضة دومًا لأي هجوم أو إساءة تندم عقبها أنك أزلت الحجب بينك وبين من حولك.
كثيرون جنوا ألاما ومآس يندى لها الجبين واعتصرت أفئدتهم بالندم لأنهم تقربوا من غيرهم، أو فتحوا مغاليق قلوبهم لغيرهم فأدخلوهم حياتهم وأقحموهم في تفاصيلها التي لم يصونوها ولم يقدروها..  
ويردد بعضهم أننا كلما اقتربنا من الأشياء أكثر.. فإن هذا القرب يفسد معرفتنا بها، واستفادتنا منها، فلو اقتربنا من النار مثلا أكثر من اللازم، فإنها تلسعنا أو تحرقنا بدلا من أن تقدم إلينا الدفء الجميل، ولو اقتربنا من النور أكثر من اللازم، فإن عيوننا تعجز عن الرؤية ويصيبها اضطراب شديد في النظر إلى الأشياء.. وأحدهم يصور العلاقة بالآخرين كمن يسير في طريق بسيارته، فكلما اقترب من سيارة الأخرين، كلما كان معرضا للخصر والصدام، وكلما ابتعد عنها كلما نجا وسلم.. ولعل هذه النظرة تنتطبق تمامًا على العلاقات الإنسانية والصداقة فلو اقتربنا كثيرًا ممن نحب ونصاحب لربما فقدناهم، وزال تمسكنا بهم بعد أن زال انبهارنا بسبب القرب الشديد، الذي كشف لنا بعض عيوبهم أو أنهم عاديين جدًا مثلنا. 
والناظر دومًا للعظماء يغفل عن أنهم بشر كالبشر، يعانون مما يعاني منه البشر وتجري عليهم كل أعراض هؤلاء البشر وخصائصهم. 
ولا زلت أذكر كيف كان اندهاش الأستاذ (رجاء النقاش) حينما قدم من قريته في ريف المنصورة إلى القاهرة لأول مرة عام 51 ودخل الجامعة، وكان خياله ممتلئا بالصور المثالية لكثير من الأدباء والمفكرين، الذين كان يقرأ لهم ويتعلم من كتاباتهم، فلما تعرف عليهم واقترب منهم، كانت صدمته فيهم.. إنهم مبدعون لكنهم فوق هذا مثل كل الناس يغارون ويتخاصمون ويتنافسون ويغضبون ويخطأون، لقد تحطم كل ما كان يرسمه لهم في نفسه من صورة زاهية راقية، وليس العيب فيهم ولكن فيه هو.. لأنه كان أسير الخيال البعيد عن الواقع.!
وحدهم هم الأنبياء وكثير من العلماء من تجدهم ثابتون لا يتغيرون، فقربك منهم هو نفس بعدك عنهم.. تجدهم كما هم بلا تغيير أو تحريف أو تمثيل أو تزييف ..لقد كان رسولنا الكريم  يمتدحه القريب الذي يعاشره، قبل البعيد الذي يسمع عنه ولم يشاهده.. أما بقية البشر فمستور عنا كثير من مساوئهم التي قد تصدمنا فيهم وتغير ظنوننا بهم. 
القمر نفسه.. إنك تراه من بعيدٍ قمرًا مضيئًا وتجعل منه رمزًا للجمال ولا تجد أثمن منه لكي تشبه به تلك الأنثى الجميلة، التي أطلت عليك بوجهها الفتان.. لكنك في الحقيقة إذا اقتربت منه وصعدت إليه، تكتشف أنه رمال وصخور قد تخجل معها أنك شبهت بها هذه الجميلة.!
وإننا لنجد في قصة العبقري الملعون التي كتبها (جيوفاني بابيني) وذكرها النقاش في كتابه تحت المصباح، صورة للصدمة التي اعترت ذلك الإنسان الذي كان يحب كاتبًا فنانًا من خلال قراءاته لقصصه الجميلة، وكان مولعًا بأفكاره وآرائه وأطروحاته، ويتمثل نفسه أحد أبطال قصصه، وظل هذا المعجب المبهور يسعى لمقابلة نجمه المفضل والمثالي حتى نال ما أراد، وذهب للقائه، فماذا وجد ياترى؟ يقول : شعرت بخيبة الأمل عندما وقع نظري على غرفة ذلك الأديب الذي أعشقه، وكانت غرفته عادية، لم تكن تختلف عن سائر الغرف المألوفة، وكنت أتخيلها صومعة قديس أو عرين أسد، وكنت أسأل نفسي في استنكار، أهذا حقا بيته أم بيت أحد أقربائه؟ حتى رأيت أمامي رجلاً ضئيلا في حوالي الخمسين يحييني بلغة فرنسية صحيحة، فارتعدت لمرآه، أيعقل أن يكون هذا هو رجل أحلامي؟ هذا الرجل الضئيل الذي يرمقني بعينين صغيرتين وتتفرج شفتاه عن ابتسامة هي أقرب إلى ابتسامات البلهاء والسذج؟ أيعقل أن يكون نجم أحلامي؟ هذا الرجل الذي يرتدي ثوبًا أسود ويضع يديه في جيبه كما يصنع ضابط أو موظف على المعاش؟ هل هذا هو الرجل الذي جعل قلبي يخفق بروعة آثاره وقوة أسلوبهلم، لم أكن أصدق هذا ولم أستطع أن أخفي دهشتي فقلت له: هل أنت الكاتب الذي أبحث عنه والفنان الذي كتب كذا وكذا فقال في هدوء وابتسام نعم أنا هو ثم داعاني للجلوس وسألني حاجتي..
جلست مرتبكًا فقال لي: أراك أحد المعجبين الذين يأتون لرؤيتي، وهذا أمر يسير جدًا، وأستطيع أن أقدم لك كل ما تريد ثم أسرع الى مكتبه وأخرج ورقة ومجموعة من الصور، وعاد ثانية يستأنف حديثه: هذا بعض تاريخ حياتي مدونًا بالفرنسية، وهذا فهرس كامل بجميع مؤلفاتي، أي صورة تعجبك؟ إنني أظن أن أحسن صورة ما كان جانبيًا، ولكن لك الاختيار ثم قدم لي كتابًا صغيرًا وقال لي: هذه أشهر المقالات التي نشرتها كبرى الصحف عن مؤلفاتي، ثم مضى في حديثه قائلا: أليس هذا ما تحتاج إليه؟ إنك تريد أن تعرف كيف أكتب؟ سوف أخبرك: إنني أعمل أربع ساعات في اليوم، ولا أكتب أكثر من خمسين صفحة في جلسة واحدة، إنني لا أستعمل الكتب القديمة ولا المعاجم البالية، وأنا أكتب بدون تفكير كأني آلة، فإذا أردت أن أكتب شيئًا فما علي إلا أن أمد يدي وأخرج ما أحتاج إليه، إني لست أحد أولئك البلهاء الذين ينتظرون الوحي والالهام، فإنني أكتب بانتظام وفي أوقات معينة"
ولم يسعد المعجب بهذه الصورة التي رآها، والتي كانت مخالفة تمامًا لانطباعه عن نجمه المفضل، وتحت تأثير الصدمة، انتهز هذا المعجب فرصة انشغال الأديب بحديث تليفوني وفر هاربًا، فيقول اندفعت نحو الباب وتدحرجت على السلم، وبدون أن أشعر وجدت نفسي خارج المنزل، وما كدت أن أصل إلى بيتي حتى ألقيت جميع مؤلفات ذلك الملعون إلى النار.
ويعبر لنا الأستاذ رجاء النقاش عن هذا المعنى بقوله: (مطلوب منا أن نكون مثل الطيور التي تلتقط الحب ثم تطير في الفضاء وترفرف بجناحيها في الهواء الطلق، أما إذا التصقت بالأرض دائما وغرست منقارها في الطين فسوف تفقد كل شيء.)
ومن الغريب أن أحد هؤلاء الأدباء إذا حاول يومًا أن يروي شيئًا مما يحدث له كأن يكون ذنبًا أو ذلة وقع فيها، أو تصرفًا لا يليق، فإن الناس والقراء وأولهم هؤلاء المفتونون به، لا يتنبهون إلى المغزى المطلوب تصوره، وهو أنه بشر كالناس، ولكنهم يأخذون ماحدث كذلك على سبيل التندر والتسلية أو التواضع الجم من الأديب والمفكر المشهور الذي يريد أن يقول لهم أنا مثلكم.
وهؤلاء لا يمكن إفاقتهم من غيبوبتهم كما قلنا الا بالقرب ممن يعظمون.. ساعتها فقط يفيقون على وهم كبير.. وصنف آخر يغالي في تقديس أوهامه فيصور من يتوهم ملائكيتهم أنهم فوق الملائكة وأنهم معصومون، وأن العيب الكبير الذي يصيبهم أنهم يعيشون في دنيا الناس، وبعضهم لو رآى أحد هؤلاء يضحك مجرد ضحكات بسيطة، لقامت القيامة إذ كيف يضحك من يظن فيه أنه ليس من جنس البشر.. أذكر أن داعية في قريتنا كنا ألفناه دومًا بملابس الدعاة التي انطبعت في أذهاننا بأنها ثياب أهل الله.. ويومًا ما ذهب هذا الداعية للقاهرة لقضاء بعض شؤونه مرتديًا قميصًا وبنطلونًا.. لقد كان حديث الناس يومها وبعضهم قد استنكر ما فعله بشدة.. مع أن ما فعله شيء عادي، لكنهم يريدونه أن يسير حسب أهوائهم ويعيش في إطار ظنونهم.  
وحكى لي أحدهم يومًا أنه تقدم للعمل بمؤسسة دعوية خيرية، وكان يظن مما يسمع ويُحكى.. أنه سيعمل مع أفراد يشبهون الصحابة في أخلاقهم وسلوكياتهم ونفسياتهم.. ولما انمج في العمل، وجد كيدًا وخصومة وحقدًا وحسدًا وتربصًا وأشياء أخرى ماكان يتوقعها أبدًا أو تأتي في خياله.. فجلس مع نفسه برهة وأخذ يسخر من ظنه القديم.
إن القرب يفسد علينا كثيرا من حياتنا، نفقد فيه أشخاصا، ونفقد فيه شعورنا بالجمال ونفقد فيه أشياء كان يمكن أن تنفعنا كثيرًا.. ألا إن البعد مهارة لا يتقنها إلا الحكماء الحصيفون. 


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع فوز مصر باستضافة كأس العالم 2030؟

  • عصر

    03:45 م
  • فجر

    03:28

  • شروق

    05:07

  • ظهر

    12:06

  • عصر

    15:45

  • مغرب

    19:05

  • عشاء

    20:35

من الى