• الأحد 22 يوليه 2018
  • بتوقيت مصر10:28 ص
بحث متقدم

مستقبل العلاقة بين السيسي والإخوان

مقالات

التاريخ يحكم كثيرا من الحركة السياسية ومآلاتها واختياراتها ، هذا ما أثبتته التجربة في مصر طوال أكثر من ستين عاما ، منذ تأسيس الجمهورية ، وقد تكررت تجارب وعلاقات وأحداث بصورة تقترب من مستوى طبق الأصل ، مثلما هو الحال بين تجربة مصر في 1952/1954 ، مع تجربتها في 2011/2013 ، كما أن التوازنات القائمة حتى الآن لا تسمح بافتراض تغيير كبير وحاسم في معادلات الواقع السياسي ، وبالتالي لنا أن نتصور ، بشكل أقرب للدقة ، مستقبل العلاقة بين جماعة الإخوان والنظام السياسي القائم بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي .
تطوران مهمان حدثا خلال السنوات الثلاث الماضية ، الأول هو نجاح الرئيس السيسي في إخلاء محيط السلطة ودائرتها الضيقة من جميع شركاء 3 يوليو 2013 ، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات أو الأجهزة ، ولم يعد من رموز المشهد الكبار أو المؤثرين في الحكم الآن غيره ، وهذا يخفف عنه أعباء كثيرة في القرارات ، خاصة القرارات ذات الطابع المصيري أو الاستراتيجي ، وعلى الجانب الآخر ، فقد نجحت القيادة التقليدية لجماعة الإخوان في إنهاء الصراع الداخلي لصالحها ، وقام فريق محمود حسين وإبراهيم منير بإعادة السيطرة على مفاتيح القرار داخل الجماعة ، وهو ما يسمح لها بالدخول في مراحل الاختيار السياسي بالقرارات المصيرية أيضا ، دون خشية من عواقب أو ارتدادات حادة داخل صفوف الجماعة .
الرئيس عبد الفتاح السيسي مقبل على سوات بالغة الصعوبة ، حيث لم يعد أمامه اختيار في مسألة اتخاذ القرارات الاقتصادية القاسية والمريرة ، بوقعها العنيف على ملايين المواطنين ، خاصة الشريحة المهمشة والفقيرة التي راهنت عليه ودعمته شعبيا في سنواته الأولى انتظارا للأمل ، لأن الوضع الاقتصادي لم يعد يسمح له بغير ذلك ، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، إذا أراد الاستمرار ، غير أنه بالتوازي مع تلك القرارات الصعبة ، ثمة حالة ضرورة أخرى لإجراء تعديلات دستورية قريبة وحاسمة ، تسمح له بمد فترات توليه السلطة ، لأن الدستور الحالي يمنحه أربع سنوات جديدة فقط ، وعليه أن يتنحى بعدها عن السلطة جبريا ، وتعديل الدستور لن يكون إلا بإجراءات قسرية ، وفيها مجازفة قانونية يمكن أن تزيد الجدل والشرخ حول الشرعية ، لأن نصوص الدستور فيها حظر واضح لأي تعديل في المواد المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية تحديدا ، كما أن خبرات رؤساء مصر من قبله تؤكد على أن أي تعديلات دستورية تتم لصالح الرئيس وخططه ينبغي أن تقابلها "منحة" من نوع ما للشعب والقوى الرئيسية فيه ، فإذا كانت القرارات  الاقتصادية الصعبة ، وتردي الوضع المعيشي لعشرات الملايين من المواطنين قد خصم كثيرا من شعبية السيسي ، وحشد رأيا عاما مضادا وساخطا ، وأطاح بالحواضن الشعبية التي كان يرتكن إليها خلال الفترة الأولى من حكمه ، فإن هذا مما يعظم احتياجه إلى حاضنة شعبية بديلة قوية ، إن لم تدعمه فإنها يمكن أن تقلل من حراك الشارع وردات الفعل بصورة أو بأخرى ، خاصة وهو مقبل على إجراء دستوري مهم ومفصلي .
الإخوان من جانبهم يعانون عناء شديدا من قوة الضربة التي تعرضوا لها عقب 3 يوليو 2013 ، والتي لم يسبق لها مثيل في تاريخ الجماعة ، في عنفها وشمولها ونتائجها ، وكشف مؤشر فعاليات الجماعة طوال السنوات الخمس الماضية على تراجع تدريجي واضح وكبير في قدراتها ، انتهى إلى ما يشبه الإفلاس والشلل السياسي والعجز عن اتخاذ أي موقف محلي أو دولي يمكنه التأثير على مجريات الأحداث في مصر ، كما أن الجماعة تدرك أن خسارتها ليست فقط في الضربات التي تلقتها ، سياسيا واقتصاديا وأمنيا واجتماعيا وقانونيا ، وإنما أيضا في الخسارة الأخلاقية التي لحقت بها ـ للمرة الأولى ـ بعد تجربتها في الحكم ، والتي انتهت إلى هذه الفوضى والاضطراب وسوء الإدارة والهزال الشديد في السيطرة على الأمور .
تاريخ الإخوان وخبراتهم السياسية يعطي الانطباعات البديهية عن مرونة الجماعة في التعامل مع الأحداث ، والبراجماتية الفطرية التي تصبغ حراكها السياسي في مختلف أدواره ، وبدون شك هي في حاجة ماسة الآن إلى أن تخرج من هذا الحصار والموقف التاريخي القاسي والصعب الذي تجد نفسها فيه عاجزة عن فعل أي شيء ، والذي هدد وجود الجماعة نفسه وإمكانية استمرارها وتماسكها التنظيمي ، كما أن الآلام الكبيرة التي تعانيها أسر الجماعة بفعل سجن آلاف من قياداتها وكوادرها والتحفظ على الأموال والملاحقات الأمنية الصارمة والظروف المريرة التي يعانونها ، كل ذلك يدفع الجماعة للبحث عن مخرج ، أيا كان الثمن .
في اعتقادي أن الأجواء في مصر بدأت تتأهل لاستقبال مرحلة جديدة في الحراك السياسي ، تنهي تدريجيا ، المعركة بين الإخوان والسيسي ، وتوجد حدودا دنيا من التوافق على حزمة إجراءات تفيد الطرفين ، قد تشمل افراجات على مراحل لكوادر الجماعة وأعضائها ، وتخفيف إجراءات التحفظ على الأموال والممتلكات ، ووقف الملاحقات القضائية أو جعلها في أضيق نطاق ، وتجميد الأحكام أو وقف تنفيذها ، وتقديم ضمانات لعودة آمنة لمن خرجوا من مصر خلال السنوات الماضية أو تطبيع علاقاتهم الإدارية والأمنية مع السفارات المصرية في البلاد التي يقيمون فيها ، وترك مساحة محدودة من الحركة للجماعة داخل مصر بما يسمح بعزل أي حراك شعبي ساخط على الإجراءات الاقتصادية أو التعديلات الدستورية المرتقبة ، وضمان عدم استغلال الجماعة له ، وكذلك عزل التنظيمات التي تستخدم العنف المسلح ضد الدولة وكشف الغطاء عنها ، ومحاولة تطبيع المناخ السياسي العام في البلد وتهدئة الخواطر ووقف التشنجات من كل الأطراف .
من الطبيعي أن يكون أنصار السيسي معارضين وكارهين للإخوان ، وكذلك من الطبيعي أن يكون الإخوان وأنصارهم معارضين وكارهين للسيسي ، لكن الخريطة السياسية في مصر وتحولاتها خلال السنوات الماضية كشفت عن تبلور تيار وطني معارض واسع له موقف سلبي من الاثنين ، من الإخوان والسيسي ، وهو تيار مدني واسع من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ، وغالبيتهم الساحقة من أبناء ثورة يناير ورموزها وحركاتها ، وهو ما يعني أن الجانبين ، الإخوان والسيسي ، أصبحوا يواجهون خصما مشتركا .
هذه مجرد قراءة أولية لمستقبل المشهد في مصر ، من خلال ما ترشح من تسريبات خلال الأسابيع الماضية ، ومن خلال قراءة تاريخ العلاقة بين الجماعة والسلطة ، الجماعة والجيش ، فإلى أي مدى يمكن أن تكون تلك القراءة دقيقة ، هذا ما أعتقد أنه ستكشفه الشهور المقبلة ، وأتصور أن ملامح تلك المرحلة لن تتأخر أكثر من شهور .

** الإخوان والسيسي .. الرهانات الخاطئة !


[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع فوز مصر باستضافة كأس العالم 2030؟

  • ظهر

    12:06 م
  • فجر

    03:33

  • شروق

    05:10

  • ظهر

    12:06

  • عصر

    15:45

  • مغرب

    19:02

  • عشاء

    20:32

من الى