• الجمعة 16 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر10:13 م
بحث متقدم

الإخوان والجيش .. تاريخ العلاقة الملتبسة

مقالات

منذ تأسيس الجمهورية في مصر ، والحياة السياسية يتم تداولها حصريا بين الجيش ممثلا للقوة الصلبة في الدولة والإخوان كممثلين للقوة المدنية الرئيسية في الشارع ، وكلاهما دائما في حاجة إلى الآخر ، بصورة أو بأخرى ، وكلاهما ـ أيضا ـ يخشى الآخر ويحذره ، بصورة أو بأخرى ، وكلاهما يعرف أن بعضا من أهم مصالحه تظل مرتهنة بالقدرة على تعاونه مع الآخر في بعض مراحل التحول السياسي ، وكلاهما يحاول تقليص مساحات الحركة السياسية أمام الآخر على فترات ، لأنه بقدر ما يقلص تلك المساحة بقدر ما يسمح لنفسه بالحركة في الواقع والمجتمع والدولة أيضا .
عندما كان المقدم جمال عبد الناصر يرتب للانقلاب العسكري الذي يطيح بقيادة الجيش ، حيث لم تكن فكرة إطاحة الملك نفسه حاضرة في البداية ، كان مدركا أنه سيكون بحاجة إلى حاضنة شعبية قوية ومنتشرة في قطاعات كبيرة من البلاد ، لذلك تقرب من الجماعة ووضع يده في يد قادتها ، وبايع مرشدها العام الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله ، وأقسم قسم الولاء والطاعة على المصحف والسيف ، وتلك المسألة لها سحرها الكبير على الجماعة ، قديما وحديثا ، رغم أنها كانت مقتلهم أكثر من مرة ، لكن ليست كل الدروس تبقى ، وعندما أراد عبد الناصر أن يفكك الحياة السياسية ويسحق الأحزاب الكبيرة خاصة حزب الوفد ويطيح الملك نفسه ويستبد بالسلطة ، صدر الإخوان لمشهد الشارع للسيطرة والتمهيد وتشكيل حاضنة شعبية فخدموه خدمة العمر وسوقوا مشروعه وقدموه بوصفه قائد الثورة التي ستغير مجرى التاريخ ، وهاجموا خصومه ومعارضيه بقسوة شديدة ، وحرضوا عليهم ، وبعد عامين ، كان قد أنهى الأمور كلها ، ولم يبق في فضاء السياسة والمجتمع سوى الجماعة فأنهى أمرها بحسم سريع وساحق ، ليختفي أثرها طوال حكمه .
وعندما جاء السادات ، أدرك أنه يفتقر إلى الحاضنة الشعبية القوية ، في مواجهة سيطرة رجال عبد الناصر على التنظيمات الأهلية التي تم تشكيلها في الستينات ، الاتحاد الاشتراكي والتنظيم الطليعي ، وغياب أي وجود لمؤيدي السادات في الجامعات وبين الطلاب ، فكان أن أرسل رجاله : المحافظ محمد عثمان إسماعيل والمهندس عثمان أحمد عثمان ، للتواصل مع قيادات الجماعة ، وعندما كان الأستاذ مصطفى مشهور ـ رحمه الله ـ يتجول في المحافظات بداية السبعينات ويدعو الكوادر لعودة النشاط كان كثيرون منهم يتشككون بعد الرعب الذي عاشوه في سجون عبد الناصر ، فكان يؤكد لهم أن هذا هو طلب الرئيس السادات نفسه ، ونجح الإخوان في تفكيك الوجود الناصري في الشارع والجامعات وحققوا ـ لفترة ـ ظهيرا شعبيا للسادات ، رغم أنه ظل طوال عهده حذرا منهم ولا يعطيهم سقف حركة أعلى من اللازم ، ولكنه كان حريصا على تكريم المرشد العام التلمساني ، ويدعوه دائما للقاءاته ومؤتمراته ، وسمح لهم بإصدار مجلاتهم وعودة مقراتهم وعقد مؤتمرات جماهيرية في الجامعات المصرية المختلفة .
وعندما جاء مبارك فعل الأمر نفسه ، فأفرج عن قادة الجماعة ضمن من أفرج عنهم من النخب السياسية الذين اعتقلهم السادات في هوجة التحفظ ، ومنحهم مساحات حركة كبيرة ، وأعاد السماح بطباعة ونشر مجلاتهم ، وحققوا في بدايات عهده أكبر إنجاز سياسي في تاريخ الجماعة ، سواء في عدد مقاعد البرلمان التي حصلوا عليها أو التحالفات السياسية التي سمح لهم بها مع الأحزاب المختلفة ، ولما تضخمت ثرواتهم في أجواء الانفتاح الاقتصادي والسخاء الخليجي وتمددوا حتى داخل قطاعات حساسة في الدولة ، كان يوجه لهم ضربات صغيرة مقننة ومحسوبة ، لتحجيم التمدد ، وإعادتهم إلى الحجم المسموح به في الحراك الشعبي ، وعندما بدأت ملامح توجه النظام لتمهيد الأجواء لإمكانية الدفع بجمال مبارك وريثا لوالده في حكم مصر ، ويترشح لرئاسة الجمهورية ، أرسل الإخوان رسائل كثيرة إعلامية وسياسية واضحة ، وبتصريحات من المرشد العام للجماعة نفسه ، ونائبه ، وكوادر أخرى ، في أنهم سيرحبون بذلك وأنهم لا يمانعون من ذلك ، في خطوة براجماتية لحجز مقعد في المركب الجديدة التي بدت ملامحها تتشكل قبل أن تطيح ثورة يناير بالمشروع كله .
وحتى بعد أن وقعت ثورة يناير ، كان أول اهتمام لرجال مبارك ، وعلى رأسهم اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات والرجل الثاني في الدولة بعد مبارك ، أن يلتقوا بقادة الجماعة ، ويحاولوا تحييدهم عن ميدان التحرير ، لأن سليمان ـ رجل المخابرات العامة ـ كان يملك اعتقادا جازما بأن ركوب المجلس العسكري لن يتم إلا على ظهر الجماعة ، وأن خروج الجماعة من الميدان سيربك هذا المشروع .
بعد ثورة يناير ، ورغم مليونيات الجماهير المثيرة والمبهرة والمتكررة ، إلا أن الجماعة كانت ترى ـ بعد عزل مبارك ـ أن التحدي الوحيد أمام فرصتها التاريخية هو الجيش ، وبالتالي لم تكن معنية بأي حوار حقيقي أو تنسيق إلا مع المجلس العسكري ، وتعاملت مع باقي قوى الثورة وأحزابها بصلف أو بنوع من تطييب الخواطر المتعالي ، وفي هذا الوقت بدأ نسج خيوط العلاقة الوثيقة بين اللواء عبد الفتاح السيسي مدير المخابرات الحربية وكل من الدكتور محمد مرسي والمهندس خيرت الشاطر والدكتور سعد الكتاتني ، على وجه التحديد ، وتعددت اللقاءات ، كما بدأت الجماعة تروج بكثافة لجدية المجلس العسكري وأمانته وحرصه على الثورة ، وظهر الهتاف الشهير "يا مشير انت الأمير" وغيره ، في إشارة للمشير طنطاوي رئيس المجلس العسكري ، ووقفت الجماعة إلى جانب المجلس العسكري تقريبا في جميع المواجهات التي تمت ضد قوى ثورة يناير الأخرى ، كانت دائما تبرر لعمليات العنف والدماء في التحرير ومحمد محمود وماسبيرو وغيرها ، بصورة ملحوظة ، وتتهم معارضي المجلس العسكري بأنهم بلطجية أو مأجورون أو مخربون أو أعداء الثورة ، وعندما تولى الدكتور محمد مرسي الرئاسة رسميا ، كان أول قرار هام اتخذه أن يمنح اللواء عبد الفتاح السيسي رتبة الفريق وينصبه قائدا للجيش ووزيرا للدفاع ، ثم قام مرسي بترقيته مرة ثانية في ستة أشهر فقط إلى رتبة الفريق أول ، ووصفته صحيفة الجماعة في ذلك الوقت في عنوان شهير ومثير بأنه "وزير دفاع بنكهة الثورة" .

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • فجر

    05:02 ص
  • فجر

    05:02

  • شروق

    06:28

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:41

  • مغرب

    17:01

  • عشاء

    18:31

من الى