• الخميس 19 يوليه 2018
  • بتوقيت مصر12:01 م
بحث متقدم

شتاء ما قبل 30 يونيو

مقالات

نوفمبر وديسمبر ويناير 2012 و2013 كانت من الشهور الصعبة التي مررت بها على المستوى المهني. حينها كان يجب أن أقرر هل أطبق ما تعلمته على مدى سنوات طويلة من وضع الحياد في بناء الخبر والتقرير على رأس الشروط التي التزم بها، أم أن أحافظ على الراتب الكبير الذي اتقاضاه والمنصب المرموق الذي وصلت إليه.
كنت أعرف أن الاختيار الأول سيكون وقعه صعبا وقاسيا ومؤلما على أسرتي التي كانت تنعم بالدعة والراحة والتعليم في أعلى مستوياته، وكنت متيقنا من أنني سأخسر نفسي واحترامي لها على الأقل إذا اخترت الثاني رغم ما فيه من مزايا مادية ومعنوية لا حصر لها.
قناة العربية التي توليت فيها نظريا منصب نائب رئيس تحرير موقعها الالكتروني الذي اكتسب شهرة واسعة، لم تكن متعاطفة مع ثورتي الربيع العربي في تونس ومصر. عمليا كنت المسئول الأول عن الموقع تحريريا وإداريا في ظل غيبة مديره الرسمي الأستاذ داود الشريان المستمرة في الرياض.
لم تبدأ القناة تغطيتها سريعا لربيع تونس ومن ثم لربيع مصر الذي أعقبه. على ما يبدو لم تكن هذه رغبة الأستاذ عبدالرحمن الراشد مديرها العام، فهو صحفي مهني من الطراز الأول وليبرالي يؤمن بأهمية متابعة الأحداث كما وقعت لا كما نريد لها أن تقع. 
كان غاضبا أو خائفا على القناة لأنني خالفت التعليمات وبدأت متابعة ربيع تونس ثم ربيع مصر على موقع العربية نت. اخترت طريقا وسطا حينها ظنا أنه لن يغضبه وهو النقل الحرفي عن وكالات الأنباء. كان صعبا أن تتفرج على أحداث ملتهبة وغير عادية تمر بها المنطقة ولا تنشر عنها، وهذا ما قلته للأستاذ داود الشريان الذي نقل لي غضب الراشد وتعليماته.
ولما كانت دوافعي لا غبار عليها ولا يمكن الوقوف أمامها مهنيا، قال لي الشريان وهو يهاتفني من الرياض.. عليك أن تقتدي بما تبثه قناة العربية فقط. وإلى ذلك الوقت لم تكن القناة قد بدأت ملاحقة ما يحدث.
ثم جاء غضب الراشد الثاني والحاد جدا عندما نشرت في الموقع تصريحات نقلتها إحدى وكالات الأنباء للسيد راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية، وجعلتها الخبر الرئيسي في الموقع، منطلقا من مبررات صحفية حول أهمية التصريحات وأهمية الرجل ودور حركته الحالي والمستقبلي في ربيع تونس.
لاحقا وعندما تبين أن قطار ربيع تونس يمضي سريعا بدأت قناة العربية في ملاحقته عبر شبكة مراسليها ومحلليها، والأمر نفسه مع ربيع مصر، لكنها لم تكن مؤيدة لهما، وجاءت مفاجأتها صاعقة بعد تنازل الرئيس حسني مبارك عن الحكم وخلال إقامته في شرم الشيخ بعدها لفترة قصيرة عندما بثت خطابا له إلى الشعب المصري.
ربما كان هذا الخطاب مفاجئا لكثيرين، ولكني كنت أعرف قصته وخلفيته وقد مر الرابط الالكتروني الخاص به على بريدي، وعندما اتصل بي أكثر من صديق صحفي مصري يسألني عن أي تفاصيل، وأحدهم أصبح لاحقا رئيسا لواحدة من كبريات الصحف اليومية في القاهرة، اعتذرت بأني لا أعرف شيئا.
في نوفمبر وديسمبر بدأ الضجر مني يبلغ حدا غير مسبوق. كنت في اجتماع القناة قد اعترضت على عناوين ثلاثة أخبار رئيسية عن ما يجري في مصر من مظاهرات وغضب واحتجاجات، واعتبرتها لا تعبر بحيادية وموضوعية عن المحتوى. وبطريقته الهادئة استوعبني الراشد وأوقف إحدى الزميلات التي قامت تهاجمني بشدة. عرفت بعدها بقليل أنه وراء اختيار هذه العناوين أو أنها من صياغته.
بعدها أصبح دواد الشريان حلقة الوصل بيني وبين الراشد، ونقل لي غضبه الشديد من تغريدات كتبتها على تويتر، إحداها كانت تعقيبا على صحفي مصر شهير عُرف بآرائه ضد السعودية وبانحيازه لإيران وحزب الله، ولكن القناة كانت في ذلك الوقت تتابع كتاباته عن ما يجري في مصر باهتمام شديد، ولما قلت له إن التويتات تعبر عني شخصيا، أجاب: وليكن فأنت معروف كنائب لرئيس تحرير موقع قناة العربية. 
استمر الشد والجذب، ما بين رغبة الشريان في التوقف عن إبداء أرائي التي كنت اتحرى فيها الدقة والموضوعية، وبين حرصي الشديد على عدم الخلط بين مسئولياتي في موقع القناة وبين أرائي، فلم انشر إلا التقارير والأخبار المنقولة عبر مراسلي القناة أو وكالات الأنباء.
لم اتوقف عن اهتمامي بالشأن العام المصري بموضوعية ودون انحياز لأي طرف في كتاباتي بعيدا عن القناة، وأهمها مقالي في جريدة "المصريون" رغم كل الرسائل التحذيرية التي كنت اتلقاها ضمنا أو بشكل مباشر. فقد اخترت الانحياز لأصول المهنة مهما كانت العواقب الشخصية.
في ديسمبر تلقيت اتصالا من داود الشريان بأخذي إجازة، وهنا أدركت أن النهاية اقتربت ولم أشعر بأي قلق أو ندم على اختياري. الرزق على الله.. هذا ما كنت أقوله دائما لنفسي ولمن حولي من الأصدقاء المقربين.
في 10 يناير 2013 عدت من إجازتي التي قضيتها في القاهرة، وفي الصباح تلقيت اتصالا من الرياض من الشريان يبلغني فيها بأن الراشد لا يرغب في استمراري، وعليه فإنهما اتفقا على أن يكون انهاء خدمتي بناء على استقالة مني عرفانا بما أديته لقناة العربية ونجاحاتي فيها. ثم أضاف عبارة غامضة غير مفهومة.. "لابد من ذلك فمنصبك في القناة منصب سياسي"!!
وعندما وصلت إلى مكتبي وجدت الزملاء يستقبلونني في حيرة، فقد تلقوا خبر استقالتي التي ارسلها الشريان على ايميلاتهم بمقدمة تقول "بكل أسف تقدم الزميل فراج إسماعيل باستقالته من منصبه نائبا لرئيس تحرير موقع العربية نت... إلخ". وسألوني عن السبب رغم أنني كنت في إجازة !
فيما بعد كشف الراشد لبعض الأصدقاء المشتركين جزءا من كواليس ما جرى،  وقال إنه حاول قدر جهدة تفادي ذلك، ولكن الأمر كان أكبر منه...

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع فوز مصر باستضافة كأس العالم 2030؟

  • ظهر

    12:06 م
  • فجر

    03:30

  • شروق

    05:08

  • ظهر

    12:06

  • عصر

    15:45

  • مغرب

    19:04

  • عشاء

    20:34

من الى