• الخميس 20 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر07:05 م
بحث متقدم

الثقافة المصرية إذ تدعم الفشل والفاشلين !

مقالات

تبخرت آمال الكثيرين في إقدام أعضاء اتحاد كرة القدم المصري على تقديم استقالتهم شعورا بالحرج أو احتراما لمشاعر ملايين المصريين ، بعد فشلهم الواضح ، وبعد الخروج المهين من بطولة كأس العالم ، ليس فقط في النتائج بل في الأداء ، وفي إدارة شئون البعثة وترتيب أوضاعها وعلاقاتها مع مصالح حكومات مختلفة ومع رجال الأعمال وإعلاميين وشخصيات عربية بارزة ، وتحول بعثة مصر إلى سوق مفتوح ، كل من له مصلحة دخله وحقق من ورائه غرضه ، ووحدها مصر واسمها وكرامتها هي التي دفعت الثمن وسددت الفواتير .
لم يستقل أحد ، بل تحدوا جميعا أن يجبرهم أحد على الاستقالة ، ولوحوا بلوائح الاتحاد الدولي والتي لا تسمح بتدخل الجهات الإدارية الرسمية في شؤون الاتحادات المنتخبة ، والحقيقة أنه بعيدا عن "الجليطة" البادية في هذا السلوك والبجاحة وسماكة الجلد التي تسمح بتحمل كل هذا القدر من لعنات الجماهير وسخط الناس ، إلا أن سلوك أعضاء اتحاد الكرة كان متوقعا ، لاعتبارات عديدة ، في مقدمتها أن عضوية الاتحاد هي "سبوبة" كبيرة متعددة المصالح ، في الإعلام والبيزنس والعلاقات الخليجية وغيرها ، والتفريط فيها كمن يفرط في رأس ماله أو قوت أولاده ، ويأتي في مقدمة تلك الأسباب أيضا ، أن ثقافة الاستقالة من المهام والمسئوليات عند الفشل ليست موجودة في مصر أساسا ، لا في الرياضة ولا في السياسة ولا في اي مجال آخر ، وهذا يشمل الجميع ، بلا استثناء ، لا يوجد في ثقافتنا أن نعتذر ونتقدم باستقالتنا عندما نفشل أو نخطئ الأخطاء الفادحة التي يعاني منها الآخرون ، لا يوجد هذا أبدا ، ووجه ناظريك يمنة ويسرة وقديما وحديثا لن تجد أي مؤشر لهذه الثقافة في مصر .
بل غالبا تجد العكس ، تجد أن الفاشل هو صاحب الفرصة الأوفر في الاستمرار والبقاء ، وفي الترقي أيضا إذا أتيحت له الفرصة أو كان ثمة مجال للترقي ، ليس مكافأة على فشله ، ولكن لأن الثقافة المحيطة به ، في المجتمع أو في الدولة ومؤسساتها يهيمن عليها هذا الانطباع ، والفاشل عادة أسلسل قيادا وأقل في إثارة المشاكل ، وأقل في الاعتداء بالنفس واحترام الكرامة ، وهذا الصنف مطلوب جدا في دوائر رسمية وغير رسمية كثيرة ، خاصة في البلاد التي تغيب عنها شمس الديمقراطية الحقيقية .
وحتى في السياسة ، قل لي من هذا السياسي الذي فشل ثم قدم استقالته استشعارا للحرج ، في بلاد أخرى يقدم السياسي على الانتحار عندما يرتكب الخطأ الفادح الذي تترتب عليه مشكلات كبرى أو فضيحة أو ما شابه ذلك ، عندنا لا ، هل تتذكرون واقعة النكسة وهزيمة يونيه المروعة عام 1967 ، والتي دمرت فيها مصر عسكريا واقتصاديا وأخلاقيا وسياسيا ، هذه الكارثة لم تكن تكفي لاستقالة رئيس الجمهورية فقط ، بل لمحاكمته ، ولكن الذي حدث أنه تمت "هندسة" اللعبة ، بإعلان تحمل المسئولية عن الهزيمة والاستقالة لكي تخرج مظاهرات تطالب "الفاشل" والمسئول الأول عن الكارثة ، لأنه صاحب القرار الأول في البلاد ، ليبقى ، وأن البلد بخير طالما هو بخير وطالما هو موجود ، وبقي عبد الناصر على رأس السلطة ولم ينحه إلا الموت ، وقس على ذلك من أتوا بعده .
بل حتى على مستوى المعارضة ، قل لي من الزعيم المعارض الذي أعلن استقالته وتنحيه بسبب أخطائه الكارثية أو ثبوت غبائه السياسي أو تسببه في الإضرار بمصالح كبيرة للحركة الوطنية ، لا أحد ، وكان رؤساء الأحزاب ، مثل رؤساء الجمهورية ، لا ينحيهم عن رئاسة الحزب/ التكية ، إلا الموت أو العجز الكلي .
وعندما قادت جماعة الإخوان أخطر مراحل الحركة والوطن خلال السنوات الأربع من 2011 إلى 2014 ، وتسببت في كوارث للجماعة نفسها ولعشرات الآلاف من كوادرها وآلاف أخرى من تيارات إسلامية تعاطفت معهم ، فضلا عن ضياع مسار ثورة بكاملها وخسارة وطن بكامله ، ثم انتهت إدارتهم للأحداث إلى الإفلاس التام والهزيمة الساحقة ، لم يفكر أحد من قادة الجماعة أن يتنحى أو يقدم استقالته استشعارا للحرج أو تحملا للمسئولية ، أو إخلاء الطريق لآخرين قادرين على أن ينهجوا نهجا جديدا ، أبدا ، بل عندما تقدمت كوادر شابة لقيادة الجماعة حاربهم الفاشلون وقادة الكارثة وشهروا بهم ونجحوا في إبعادهم وكسرهم ، لكي ينفردوا من جديد بقيادة الجماعة ، ليواصلوا رحلة الفشل والتخبط .
نحن في مجتمع لا يعرف ثقافة التنحي أو الاستقالة بسبب الفشل وسوء الإدارة أو سوء الأداء ، بل العكس هو الصحيح ، فالفاشلون دائما هم الأقدر على التحكم وعلى البقاء وعلى الاستمرار ، لذلك لم أفاجأ أبدا بأن أعضاء اتحاد كرة القدم الفاشل رفضوا الاستقالة ، بل المفاجأة بالنسبة لي لو أنهم استقالوا .

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • عشاء

    07:29 م
  • فجر

    04:23

  • شروق

    05:47

  • ظهر

    11:53

  • عصر

    15:22

  • مغرب

    17:59

  • عشاء

    19:29

من الى