• الثلاثاء 14 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر12:20 م
بحث متقدم

أردوغان وإجراءات تأمين الدولة وحماية الديمقراطية ـ 4

مقالات

وقوع محاولة الانقلاب العسكري في تركيا يوليو 2016 بتلك الصورة الخطيرة والمفاجئة ، رغم كل ما تم إنجازه دستوريا ومؤسسيا لمنع العسكريين من تدبير الانقلابات والسيطرة على الدولة المدنية ، وحجم الانقلاب وأبعاده المحلية والإقليمية والدولية ، وخوف الحكومة التركية التي يقودها حزب العدالة والتنمية من وجود ذيول له داخل المؤسسات وأجهزة الدولة ، دفع إلى اتخاذ سلسلة إجراءات لتأمين الدولة ، منها فرض حالة الطوارئ بشكل عاجل ولفترة انتقالية ، ومنها عزل عدد كبير من القضاة ومن رجال الشرطة ومن العسكريين ومن موظفي الدولة ، ممن ثبت انتماؤهم لتنظيم جولن الذي قاد الانقلاب العسكري الأخير ، فضلا عن اعتقال من ثبت منهم أنه كان ضالعا في الانقلاب أو التخطيط له ، وهذا ما جعل هناك عددا كبيرا من المحبوسين احتياطيا على ذمة الاتهام بالتورط في الانقلاب ، فضلا عن سجن كواد كردية على اتصال بحزب بي كا كا المسلح والذي يحارب الجيش التركي من أكثر من ثلاثين عاما وقتل أكثر من أربعين ألف مواطن تركي أغلبهم مدنيون .
في التجربة التركية ، لم يكن الجيش يتدخل لعمل انقلاب سافر والسيطرة على مقاليد الحكم بدون تمهيدات "مدنية" مع الأسف ، بل كان يستخدم بعض الأحزاب في تحريك قلاقل في الشارع ومظاهر سخط شعبي مع توظيف عدد من الصحف والقنوات التليفزيونية التابعة له أو للدولة العميقة لدعوة الجيش للتدخل بحجة حماية العلمانية والنظام الجمهوري ، كما كان للجيش وأجهزته الاستخباراتية نفوذ كبير في أوساط القضاة ورجال الأعمال وجهاز الشرطة ورجال دين ، وهو تشكيل معقد كان يصطلح على وصفه "بالدولة العميقة" ، لأنه يمثل الثقل الحقيقي في تركيا ، هي الدولة الفعلية صاحبة السلطة والقرار النافذ رغم أنها بعيدة عن المشهد السياسي العلني ، وأما الحكومات المنتخبة وأحزابها فكانت الدولة الأضعف والسطحية والظاهرة أمام الناس ، أما الموجه الحقيقي وصاحب القرار فهي الدولة العميقة ، وهذا درس بديهي كان حاضرا في عقل وخبرة أردوغان وحزبه ، لذلك عندما بدأت عملية التطهير بعد الانقلاب العسكري الأخير ، فإنها كانت عميقة ، عمق التشعب الخطير للانقلابيين ، فشملت صحفيين وقضاة ومدعين عموما (النيابة العامة) وسياسيين ورجال شرطة وموظفين مدنيين كبارا ، وبطبيعة الحال قد يقع في تلك الموجة أخطاء وتجاوزات ، والمؤكد أن الفرز سيتم وهناك من تم الإفراج عنهم وعادوا لوظائفهم بالفعل .
كل من يريد فهم ما يحدث في تركيا بعد 16 يوليه 2016 ، لا يمكنه ـ علميا ـ أن يفصله عن تلك الخلفيات ، عن ذلك التاريخ الأسود الرهيب ، تاريخ الخوف والإعدامات بالجملة وأحكام السجن المؤبد للمعارضين والتصفيات الجسدية وحل الأحزاب أو تركيعها للجنرالات وإلغاء إرادة الشعب وانتخاباته وقتما يحلو للعسكر، وكذلك من يريد فهم تعاطف الأتراك أو أردوغان وحزبه تحديدا مع الإخوان في مصر أن يفهمه في هذا السياق ، فمسألة تدخل العسكريين في الحياة السياسية لها ظلال سوداوية تستفز مشاعر الأتراك ، ولها ذاكرة كئيبة ، وهي الذاكرة التي يحرص أردوغان وحزبه على جعلها حية دائما في وعي الشعب ، لذلك قام أردوغان بإجراء بالغ الغرابة ، عندما قرر محاكمة الجنرالات اللذين قاموا بالانقلاب عام 1980 ، رغم أنه وقتها لم يكن في السلطة ولا صلة له بالسياسة وقتها ، ولكنه اعتبر أنها جريمة في حق الوطن ، في حق الدولة التركية ، وفي حق ديمقراطيتها ، وأن من ارتكبوها لا بد من محاكمتهم على جرائمهم ، وتمت المحاكمة بالفعل ، وكان معظم هؤلاء الجنرالات قد طعنوا في السن وعليهم آثار الشيخوخة ، وبعضهم كان ينقل إلى المحاكم محمولا ، وانتهت المحكمة بإدانتهم والحكم بالسجن المؤبد على كثير منهم ، وهذه الأيام تجرى محاكمة للجنرالات الذين قادوا الانقلاب العسكري على رئيس الوزراء الأسبق الراحل نجم الدين أربكان ، أستاذ أردوغان ، في 28 فبراير 1997 وأجبروه على الاستقالة ثم سجنوه ، الآن يحاكم هؤلاء الجنرالات ، قد تبدو تلك الإجراءات غريبة ، لكنها هنا جزء من حماية الذاكرة الوطنية للشعب التركي ، وحماية الديمقراطية ، وتحصين وعي الشعب وإرادته ضد الانقلابات العسكرية .
وعلى الرغم من تعاطف اردوغان مع الإخوان المسلمين في مصر بعد أحداث 3 يوليو 2013 ، إلا أن المدهش أن الإخوان لا يخفون تعاطفهم مع خصم اردوغان السياسي "تمل قره مولا أوغلو"، رئيس حزب السعادة ، وريث حزب نجم الدين أربكان ، ألد أعداء أرودغان حاليا ، وعندما سئل القيادي الإخواني محمود حسين في لقاء بقناة الجزيرة القطرية عن الحزب الأقرب لهم في تركيا ، فقال بلا تردد : حزب السعادة ، رغم أن حزب السعادة يشن حرب تشهير مريرة ضد اردوغان حاليا ويتحالف مع الأحزاب العلمانية المتشددة لإسقاطه ، ورشح نفسه في الانتخابات الرئاسية الحالية رغم معرفة الجميع أنه لن يحصل على أكثر من 2% فقط من الأصوات وليس له أي فرصة على الإطلاق ، لكنه فعل ذلك لكي يساهم في تفتيت الأصوات ومنع قواعد حزبه من التصويت لأردوغان حتى لا يفوز في الجولة الأولى ويتخطي عتبة النصف زائد واحد ، والمفارقة أنه يتحالف مع الأحزاب العلمانية المتشددة ويتهم أردوغان في نفس الوقت بأنه خان المبادئ الإسلامية ، ولا يطبق الشريعة وأحكامها ، وأنه لم يقطع علاقات الدولة بإسرائيل ، ونحو ذلك من اتهامات ، هذا على الرغم من الحماية القانونية التي بسطها أردوغان لكوادر الإخوان الذين هربوا من مصر ويعيش المئات منهم في تركيا في الوقت الحالي ولهم قنوات فضائية ومواقع الكترونية ونشاط سياسي دولي ينطلق أساسا من هناك كما منح العديد من كوادرهم الجنسية التركية .
أردوغان متدين بطبيعة الحال ، ومشاعره تتجذر في الخبرة الإسلامية على امتداد الدولة العثمانية ثم الصحابة الأوائل كعمق حضاري ، وهو يردد ذلك دائما ، ويستشهد بالآيات والأحاديث وقصص الصحابة في مقابلاته ، ولكنه يؤمن بالدولة المدنية ، ويحترم علمانية الدولة ويرى أن العلمانية المؤسسية ليست ضد الدين ، إنما هي دعم للحريات الفردية وهو ما يحقق العدالة للجميع ، وحماية للدولة من هيمنة أي تنظيمات خارج مؤسساتها الشرعية ، والتزم بذلك طوال ثمانية عشر عاما عاشها في السلطة ، لم يخن ذلك أبدا ، وحلمه الوحيد الآن أن يجعل تركيا دولة حديثة قوية بين الاقتصاديات العشرة الأفضل في العالم ، وحديث بعض الكتاب العرب عن السلطان والسلطنة وحلم أردوغان بإحياء الخلافة ، كلها سخافات لا تليق بأي قلم جاد ، يمكن أن يقولها العوام في مجال التشاتم وجلسات السخرية والتهريج ، لكنها تكون فضيحة عندما يرددها مثقف أو كاتب أو صحفي أو محلل سياسي .
لكن أردوغان كان جريئا في رفع الظلم عن المتدينين في تركيا ، ومنع اضطهاد المواطن على أساس اختياره الديني ، واعتبر أن معاقبة مواطن على اختياره الديني أو الفكري أو الأخلاقي هو نوع من التمييز وهو أمر مناقض للعلمانية أصلا ، وأوقف الإجراءات القمعية التي كانت تتخذ رسميا ضد المحجبات ، وسمح للفتاة المحجبة أن تدخل الجامعة ، والغريب أن أردوغان وهو رئيس وزراء كان عاجزا عن إدخال ابنته المحجبة للجامعة في تركيا لأن ذلك كان محظورا ، فاضطر ـ وهو رئيس للحكومة ـ أن يرسلها للتعليم خارج البلد ، وقد استخدم حزب العدالة والتنمية في حملته الانتخابية الحالية شرائط فيديو قديمة لما كان يحدث مع الفتيات عندما يدخلن الجامعة وهن يضعن "إيشارب" على رؤوسهن وكيف كان يتم القبض عليهن وسحلهن وطردهن خارج الجامعة ، كما قاموا بطرد نائبة برلمانية منتخبة من البرلمان "مروة قاوقجي" لأنها وضعت إيشارب على رأسها وأسقطوا عضويتها ، والمدهش أن الجيش وجه إنذارا للحزب عندما رشح عبد الله جول لرئاسة الجمهورية ، وذلك لأن زوجة جول محجبة تضع إيشارب على رأسها ، واعتبرها الجنرالات تحديا خطيرا للعلمانية أن تدخل القصر الجمهوري سيدة تغطي شعرها ! ، وقبل سنوات قليلة ثارت ضجة واحتجاجات واسعة في الشارع قادها حزب الشعب الجمهوري ، حزب أتاتورك ، لأن أردوغان قرر بناء مسجد في حي تقسيم بمدينة اسطنبول ، وهو حي وميدان يعتبر رمزا للعلمانية في تركيا ، واعتبروا أن بناء المسجد إهانة لرمزية الميدان ، وقاموا بمظاهرات احتجاجية كبيرة ، لكن انتهى الأمر إلى بناء المسجد الذي اقترب اكتماله الآن ، وهو تحفة معمارية جميلة .
أردوغان رفع هذا الظلم كله عن النساء التركيات فانتشر الحجاب بصورة ملحوظة في العقد الأخير ، ولكنه نأى بالدولة وأجهزتها عن التوجيه ، وترك للجميع حرية الاختيار ، كما اهتم بالمؤسسات الدينية الرسمية وصحح أوضاع رجالها الإدارية والمالية ، وبدون شك في عهده حدث تحول واضح في مظاهر المجتمع التركي غير السياسي ، واستعادت تركيا هويتها الحضارية التي خاصمتها في فترة القطيعة السابقة ، لكنها لم تخسر مقومات الدولة المدنية ، وهذا ما جعل للحالة التركية خصوصية لافتة ، فأنت فيها تشعر أنك في دولة أوربية ، في قوانينها وديمقراطيتها والحريات الفردية الواسعة للمواطن فيها ، كل شخص يفعل ما بدا له ، وفي رمضان الماضي كنت ترى المطاعم تعمل بشكل عادي ، ومن يفطر في الشارع أو يدخن ومن هو صائم ، ولا أحد يراجع أحدا ، أو حتى ينظر إليه ، كل واحد في حاله كما يقولون ، وفي نفس الوقت لا يمكنك تجاهل انتشار الحجاب بين النساء ، وامتلاء المساجد في الصلوات ، وبناء المزيد من المساجد ، هذا مزيج غريب وهو ما يصنع بعض أهم ملامح خصوصية التجربة التركية الحالية .


** النخبة المصرية وتجربة أردوغان في تركيا ـ 1
** كيف حصن أردوغان الدولة المدنية في تركيا ـ 2

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • عصر

    03:43 م
  • فجر

    03:54

  • شروق

    05:25

  • ظهر

    12:05

  • عصر

    15:43

  • مغرب

    18:44

  • عشاء

    20:14

من الى