• الأربعاء 14 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر07:09 م
بحث متقدم

خطاب الشماتة

وجهة نظر

د. عمرو عبد الكريم سعداوي
د. عمرو عبد الكريم سعداوي

د. عمرو عبد الكريم سعداوي

خطاب الشماتة مثل خاطب الكراهية لن يوصل إلى شيء، وخطاب الكراهية خطاب غبي يثير من العداوة أكثر مما يثير من التعاطف لذلك هو يدفع إلى الانعزال والعزلة عن الناس والانفصال عن واقع ما يحيط بهم من مشاكل.
الواقع في مصر مرير ويبدو أن القادم أسوأ، والناس بين المطرقة والسندان:
مطرقة نظام أحاط بهم من كل جانب وبيديه -حسبما يبدو من موازين القوى- مقاليد القوة الصلبة ولا يتورع عن استخدامها كلما ألجأته الاحتجاجات إليها دون أدنى حساب لردات الفعل.
وسندان الشماتة من معارضة إما كرتونية أو تجاوزها الزمن تستخدم شعارات لم يعد لها واقع.
وخطاب الشماتة خطاب كراهية عنصري يتجاوزه الواقع بتعقيداته وخطله. وهو خطاب اختزالي بغيض يختزل الواقع المركب في ثنائية بين من لم يسوس الملك فخلعه، وبين من وظف مقدرات الدولة لتحقيق أهداف وطموحات بالغة الشخصية ووجد اللحظة التاريخية مواتية فقفز عليها ونسق محليا وإقليميا ودوليا ووظف مصادر القوة الصلبة لخلق واقع جديد.
وخطاب الشماتة خطاب استعلائي ينزّه الذات ويبرأها من كل خطاياها وينفي مسؤوليتها عما آلية إليه الأمور ولو بسوء الاختيارات على صعيد السياسات والأفكار والأشخاص والخطاب وشبكة العلاقات والرهانات الإقليمية والدولية بل والمحلية.
وخطاب الشماتة يبرز مع كل مصيبة تحل بهذا الشعب المسكين الذي تكالبت عليه الظروف ويتحمل فوق طاقته غلاء وكواء وشويا واستبدادا وقهرا وحكما بالحديد والنار.
التعاطف مع المظلوم ولو كان بسبب أخطائه من شيم الكرام، وإذا كنا وجدنا سياسيين مخضرمين وأساتذة كرام للعلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية انطلى عليهم خطاب سياسي عاطفي فما بالنا بشعب طيب مكروا به مكر الليل والنهار وصورت له الأمور على غير حقيقتها ولم يستطع من بيدهم الأمر ساعتها الوصول إليه بخطاب واضح مفهوم يصل إلى عمومهم ويضعهم في حقيقة الأمر .
ولا سبيل للخروج من هذه الأزمة إلا بمراجعة خطاب الشماتة الكريه الذي يظهر الفرح بكل مصيبة تحل بالناس ويظهر التشفي في كل كارثة تقع عليهم.
خطاب الشماتة بمعيار الأخلاق نذالة، وبمعيار السياسة غباء ويخصم من رصيد التواصل مع الناس وحقيقة التعبير عنهم فضلا عن تمثيلهم مستقبلا.
وخطاب الشماتة يتآلى على الله عندما ينشغل بمصير كل من يموت أو يمرض، وهل هو إلى جنة أم إلى نار على حسب موقفه من مما حدث في الفترة من 30 يونيه 2013 وحتى 3 يوليو 2013 وهو تألي على الله لا يجوز شرعا.
كنت في بداية الأمر أعذر كثيرا من يبدي شعور الشماتة في الناس لما حل عليهم من مصائب وأقدر شعور المرارة الذي يعتريه مما حدث وأكتفي بالقول أنها ليست من شيم الكرام، لكن بعد مرور سنوات وتبين خطأ كثير من المقولات التي كان هؤلاء الناس يبنون عليها مواقفهم، وخروج كثير من الأسرار من شهود المرحلة عما كانت تسير عليه الأمور وهو ما يجعل أن تلك المقدمات ما كانت تؤدي إلى غير تلك النتائج، وأن قرار الدخول في معارك صفرية دون أي استعداد لها هو قرار إجرامي وليس اجتهاد خاطئ فكان ينبغي لكل ذلك أن يخفف من شعور وخطاب الكراهية خاصة وأن من يشمت سيناله ما ينال الشعب جراء ما حل بهم من مصائب. فالغلاء على الجميع والكوارث تحل بالجميع.
لكن استمرار خطاب الشماتة دل على فقر إنساني وقسوة قلب لا تليق بأصحاب الأفكار الخيرة أو حتى الإصلاحية، كما أن استمرار هذه الحالة الدائمة من التشفي سوء خلق ستقطع أو تقضي على ما بقى من ود واتصال بين أصحاب خطاب الشماتة وعموم الناس.
ومن ناحية أخرى كيف تطلب من الناس أن يتعاطفوا مع مصائبك وأن تظهر تفرح في مصائبهم وما يحل بهم من كوارث، بل وتتنمى لهم السوء لأنهم وقفوا ضد مشروع في لحظة تاريخية.
مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي
قالها الصحابي الجليل سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ دون خجل من رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وزع الرسول الغنائم ولم يجعل للأنصار فيها شيء فوجد الأنصار في أنفسهم شيئا، فعندما سأله الرسول: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ فقال: مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي.
فإذا لم نشعر أننا من قومنا نعبر عنهم ونتألم لما يصيبهم ونحزن لحزنهم -حتى لو كانت أخطائهم سببا فيه- فلن نحوز شرف التعبير عنهم ولا كرامة تمثيلهم ولا أحقية التحدث بلسانهم.
إذا لم نشعر بمصابهم وما يؤلمهم كيف نتوقع منهم أن يكونوا جنودا يدافعون عن قضيتنا العادلة وإن لم يؤمنوا بها؟ أو على الأقل كيف نتوقع منهم تعاطفا مع مصائبنا؟
إذا لم نحزن لمصائب قومنا والتي هي على الحقيقة مصائبنا فنحن شئنا أم أبينا جزء من هذا الشعب المسكين وما يقع علينا جميعا من غلاء وشواء يكوينا به هذا النظام هي مصيبتنا نحن وليس من الحكمة أن نشمت في المصيبة التي تحل بنا.
الشماتة سوء خلق، وسوء طوية، وسوء تربية، وتنم عن قسوة قلب وجفاف مشاعر.
تعاطفوا مع الناس ومع أنفسكم وإن لم تكونوا على هذا القدر من المسؤولية الإنسانية والأخلاقية فلا تكونوا على هذا القدر من الغباء السياسي في إظهار الفرح بمصائب الناس ذلك الغباء الذي ينسف آخر خطوط التواصل مع الناس.
فمن العجيب أن تفرح في مصائب الناس وتلومهم أنهم لا يتعاطفون مع ما يحل بك من سجون وتشريد وقتل وانتهاك. 
والإنسانية لا تتجزأ وهي تعاطف مع كل مظلوم ومقاومة لكل ظالم ولو بتبيان ظلمه.
وأخيرا:
لابد أن نفرق بين الدولة أو الوطن باعتباره كيان اعتباري وبين الحاكمين وسوء إداراتهم فنتمنى الخير لوطننا ونقاوم الظلم ولو بالقلم والبيان.
لابد أن نفرق بين قلة ضئيلة تم استدراجها للفرح بمقتل مواطنين آخرين ظلما وبين جموع الناس ممن كانوا يرجون السلامة لبلدهم وليست لديهم تفاصيل الصراعات والترتيبات ولم يكونوا طرفا فيها وإن كان أكثرهم وقودها.
الإنصاف عزيز، والرحمة فوق العدل.
ولنا في يوسف الصديق إسوة حسنة حينما قال ?مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي? ولم يذكرهم بظلمهم له ولا برميهم له في الجب وهو صغير. هذا وهو منتصر وعلى خزائن مصر وليس مطاردا شريدا مسجونا مقتولا.
ولنا في نبينا العظيم المثال الأحسن حينما نهى الصحابة الكرام عن سب أبي جهل بعد أن أسلم ابنه عكرمة "فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَصْحَابِهِ: "يَأْتِيكُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا، فَلا تَسُبُّوا أَبَاهُ، فَإِنَّ سَبَّ الْمَيِّتِ يُؤْذِي الْحَيَّ وَلا تَبْلُغُ الْمَيِّتَ". وذلك احتراما لمشاعر الصحابي الجليل عكرمة.
أوقفوا خطاب الشماتة.
أوقفوا خطاب الكراهية 
أوقفوا خطاب الاستعلاء 
أوقفوا خطاب تنزيه الذات.
الكوارث تترى وكفى استعلاء عن الناس.
وكفى استعداء لعموم الناس على قضيتكم العادلة التي ابتليت بمحامين –للأسف- فشلة.
يرحمنا، ويرحمكم الله، ويلطف بنا جميعا.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • فجر

    05:01 ص
  • فجر

    05:00

  • شروق

    06:26

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:42

  • مغرب

    17:02

  • عشاء

    18:32

من الى