• الأربعاء 19 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر08:16 م
بحث متقدم

إذ تهون على المصريين ثرواتهم ..بشراً وحجراً

مقالات

أتصور أن الخبر الذى جاء وذهب مع الريح بضبط أثار مصرية لا تقدر بثمن مهربة فى شحنة دبلوماسية من ميناء الإسكندرية إلى ميناء ساليرنو بايطاليا,,أتصور أن هذا الخبر خبرا عاديا على الرغم مما يحيط بالموضوع من كل ألوان الغضب ليس فقط لضلوع (المضالع الضليعة) واشتراكها فى الموضوع(الخارجية المصرية أصدرت بيانا بالنفى) ولكن وهو الأهم والملفت هنا هو عدم انفعال المصريون بالحادث. 
وتشغلنى كثيرا مسألة هوان كنوز مصر وثرواتها على ابنائها ,,ليس فقط الثروات والكنوز المادية بل والأخطر والأكثر ألما هو ثرواتها وكنوزها من البشر والناس , ويبدو أن الموضوع قديم وله علاقة ما بطبيعة المصريين التى حيرت الكثير من الباحثين والمفكرين ,,هذه الطبيعة التى يغلب عليها عدم الاكتراث..واللامبالاة. 
والموضوع ذو شجون كما يقولون ,أقول هذا ونحن خارجين من رمضان الذى حاولت استثمار اجواؤه فى بعض القراءات الإسلامية, ولأني اهتم كثيرا برحلة الفقه الاسلامى عبر التاريخ الحضارى الكبير للأمة(مؤسسة العلماء كما يسميها أستاذنا وصديقنا  الكريم د/ بشير نافع) كونه حالة فريدة فى تاريخ الأمم والحضارات وبالأخص ما أنتجه عقل ضخم كعقل الأمام الشافعى (أصول الفقه) والذى عمل بنصيحة أستاذه بالذهاب الى العراق ليطالع ما انتجه ابوحنيفة ثم الذهاب بعدها الى مصر ليطالع ما انتجه الليث بن سعد ,, وبالفعل بمجرد عودته من العراق ذهب الى مصر ليسأل ويسمع ويرى من سيدها وفقيهها الكبير, لكن الرجل انتقل الى الدار الآخرة قبل وصول الشافعى.
وستتملكك حالة من الاستغراب والدهشة من غياب فقه وعلم فقيه بهذا الحجم الاسطورى .. إذ لم يدونه احد ولم يوثقه ولعل من بركات الليث وعلمه أنه كان سببا لمجيء الشافعى الى مصر وكان من أثر هذه (الرحلة المصرية) للإمام الشافعى طلبا للعلم من الليث _كما نصحه أستاذه (مالك) وكانت بين الليث ومالك صداقة جميلة لدرجة أن الليث هو الذى قام بتجهيز ابنة مالك للزواج _  ويذهب الرجل إلى مصر ويضرب لنا أروع مثل للوفاق التام بين الفقه والمصلحة وواقع الناس كل فى بيئته ومجتمعه فيغير الكثير من  الدراسات والآراء التى قالها فى(الرحلة العراقية) كونها لا تناسب البيئة المصرية والمجتمع المصرى ,,أين هذا من شيوخ جهلهم بمقاصد الدين يعادل جهلهم بالحياة نفسها.!
من هو الليث بن سعد احد كنوز وثرات المصريين المهملة؟؟ ,,والذى وصفه الشافعى بأنه أفقه من مالك(لاحظ انه لم يقل: أعلم من مالك!!) إنه كبير الديار المصرية أيها الأصدقاء ورئيسها وأمير من بها فى عصره..المولود فى شعبان سنة 94هـ فى محافظةالقليوبية(بنها)..ستقول لنا الروايات التاريخية أن الوالى والنائب والقاضى كانوا تحت أمرة ومشورته .
وتحتفظ لنا المكتبة الإسلامية بكتابين مهمين عن الإمام الليث كتاب للدكتورسيدأحمد خليل كتبه سنه 1969م والثانى للدكتورعبد الحليم محمود كتبه سنه 1977م.
د/سيد ذكر فى كتابه أن الليث ليس له كتب وجمع له 14 فتوى من عدة كتب أهمها تفسيرالقرطبى..وأكد فى دراسته أن الليث أقام مذهبا بالمعنى الكامل..لكنه للأسف لم يقم به تلاميذه كما قال الشافعى..وذكر أيضا ان الليث له كتاب فى الفقه لازال مفقودا حتى الآن اسمه(المسائل)وله كتاب فى التاريخ..إذ تؤكد الروايات أنه كان من أكثر العلماء إهتماما بالتاريخ كعلم .. ولا غرابة فى ذلك من رجل بقامة وقيمة الليث فلا يغفل عن التاريخ إلا غافلا و(مغفل) فالأيام كالأيام والدهر كالدهر والناس كالناس والدنيا لمن(عرف) أيها الأصدقاء.
كتاب الدكتورعبد الحليم محمود خلص فيه إلى أن الليث كان متصوفا وطبيعى أن يذهب شيخنا الجميل هذا المذهب ويرى فى حياة الليث من الزهد والإخلاص والتجرد واليقين ما يشير إلى تصوفه وهو بذلك يقدمه كمثال على التصوف الذى يخالط الحياة والناس ويعيش الدنيا وهى فى يديه وقلبه معلق بالنظر لأعلى.
هناك أيضا رسالتين للدكتوراه واحدة أعدها الباحث محمد حسن عبد الغفار(جامعة الأزهر)بعنوان الليث بن سعد و أثرة فى الفقه الاسلامى الذى قال إن اختياره للموضوع يرجع إلى ما تمتع به الإمام الليث بن سعد من مكانة وحضور طاغ بين علماء عصره حيث بلغ ذروة الرئاسة وتربع على قمة الرواية والدراية..وأوصت الرسالة بمعرفة الأسباب التى أدت الى إندثار فقه الإمام الليث ومدى تأثيرة على فقهاء عصره..(وطبعا لم يفعل احد بالتوصية)الرسالة الأخرى للباحث محمد أبو الشيخ(جامعة عين شمس) وتناولت حياته وعطاؤه وجهده كمؤرخ ومفسر وفقيه.
من المهم ان نسأل  سؤالا هاما هنا ,,هل كان انشغال الليث بالحياة العامة والعمل العام سببا فى عدم تدوين فقهه وبالتالى غيابه عن الوصول الينا؟؟..فمما يروى أنه كان لليث كل يوم أربعة مجالس : مجلس للحاكم الذى كان يأتيه يوميا ويناقش معه أمور البلاد /ومجلس مع القاضى وكان إذا أنكر من أيهما شيئا كتب الى أميرالمؤمنين فيأتيه العزل فورا /ومجلس ثالث لأصحاب الحديث والمسائل/ ومجلس رابع لحوائج الناس.. وطبيعى أن لا يكون هناك وقت للكتابة والتدوين بعد كل هذا الجهد وكل هذا الوقت وأتصور أن هذا كان خطأ من تلاميذه لأنه فى النهاية لا يتبقى من العالم بعد سيرته الطيبة إلا أثاره المكتوبة وأذكر أن الدكتورعبد الوهاب المسيرى رحمه الله كان شديد الحذرمن مسألة الاندماج غير المضبوط فى الحياة العامة واحتفالاتها واجتماعيتها التى لا تنتهى وكان يقول لو تركت نفسى لذلك فلن أنتج شيئا..ورحل تاركا لنا ستين كتابا.
كان الليث _على فكره_من أثرى أثرياء عصره(دخلة السنوى كان ثمانين ألف دينار والدينار كان يساوى جرام وربع ذهب)ويذكر المؤرخون انه لم تجب عليه زكاة قط,, لأنه لم يمرعام كامل على أمواله وهى كاملة.         وكان أكثر إنفاقه على العلماء,, دعما لتفرغهم التام للعلم ولعدم تعرضهم للضغوط من ذوى النفوذ والسلطان ..كان يرسل إلى الإمام مالك سنويا فى المدينة ألف دينار.. روايات الكرم تروى عنه بما يذهل من يعرفها لدرجه أن هارون الرشيد شعر بالحرج من إنفاقه كما تروى الروايات..
تقول الحكاية أن الرشيد أرسل إلى الإمام مالك ذات مرة500 دينار فبلغ ذلك الليث فأرسل اليه 1000 دينارفغضب الرشيد وأرسل إلى الليث وقال له تفعل ذلك وأنت من رعيتى فقال له يا أمير المؤمنين (إن لى كل يوم من غلتى ألف دينار فاستحييت أن أعطى من هومثل مالك أقل من دخل يوم)..لم يكن هذا المبرر دقيقا بالمعنى الكامل لموقف الليث..إذ يبدو أنه كان حريصا على أن يعلى من شأن دولة الفكر فى وجه دولة الحكم..ومما يؤكد ذلك رفضه المتكرر أن يكون واليا على مصر فى عهد المنصور الذى كان معجب بطاقتة العقلية وقدراته الشخصية بدرجة كبيرة الى درجة أنه انفعل على المنصور مرة فى حديث معه فقال له الحمد لله أن جعل فى الناس من هو مثلك.

ويغيب الليث عن الحياة بعد ثمانين عاما ويموت فى ليلة النصف من شعبان سنه 174هـ وسارت له جنازة من أعظم الجنازات..وحزن عليه الناس حزنا عظيما لدرجة انهم كانوا يعزون فيه بعضهم بعضا,, وكأنهم يقولون فى تشييعه :
ذهب الناس ومات الكمال** قوموا وانظروا كيف تسير الرجال.

ولا يغيب عن المصريين صفة من أكثر صفات الشعوب والمجتمعات سوء ,, اهمال كنوزهم وثرواتهم وخيراتهم وعظماؤهم .

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • فجر

    04:23 ص
  • فجر

    04:23

  • شروق

    05:46

  • ظهر

    11:54

  • عصر

    15:23

  • مغرب

    18:01

  • عشاء

    19:31

من الى