• الإثنين 19 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر07:24 م
بحث متقدم

مؤذن يقضى على التحرش بهذه الحيلة

الصفحة الأخيرة

مؤذن (أرشيفية)
مؤذن (أرشيفية)

عبدالقادر وحيد

منظومة القيم لا تتغير من مكان لآخر، ولا بين عصر لاحق وسابق، وصاحب القيم لا يخشى سلطانًا ولا يطلب مالًا، لأن سعادته الكبرى تكمن فى ترسيخ مفاهيم القيم فى المجتمع، وهذا ما قام به بالفعل زمن الخليفة المعتضد بالله العباسى سنة 281 هجرية، رجل مغمور من عامة الشعب، ولكن سلوكه هذا خلّده فى التاريخ.

فقد حكى شيخ من التجار ببغداد أنه كان له دين عند أحد الأمراء، وهو مال كثير؛ فكل ما طلبت المال من الأمير رفض ومنعنى حتى وصل به الحال أن أمر غلمانه يؤذوننى عندما آتى لأخذ مالى، فاشتكيت ذلك إلى الوزير، وإلى أولياء الأمر من الدولة فلم يفعلوا شيئًا، فبينما أنا حائر إلى من أشتكى إذ قال لى رجل ألا تأتى فلانًا، الخياط، إمام ذلك المسجد هناك؛ فقلت وما عسى أن يصنع خياط مع هذا الظالم وأعيان الدولة؟.

فقال لى الرجل: هو أقطع وأخوف عنده من جميع من اشتكيت إليه، فذهب إليه التاجر وشكى أمره إلى إمام المسجد الخياط فقام معه،  وذهبا إلى الأمير، وقال له: ادفع إلى هذا الرجل حقه وإلا أذّنت، فتغير لون الأمير ودفع إلى التاجر حقه على الفور.

قال التاجر: فعجبت من ذلك الخياط مع رثاثة حاله وضعف بنيته كيف استطاع أن يجبر ذلك الأمير بهذه السهولة.

وقد أزال الخياط حيرة التاجر حيث أخبره بأصل القصة، وأنه كان في جواره أمير تركى من أعالى الدولة، وهو شاب حسن فمرت به ذات يوم امرأة حسناء قد خرجت من الحمام فقام إليها، وهو سكران فتعلق بها يريدها عن نفسها ليدخلها منزله.

فقال الخياط: فقمت إليه فأنكرت عليه وأردت خلاص المرأة من يديه فضربنى بدبوس فى يده فشج رأسى، وغلب المرأة على نفسها وأدخلها منزله قهرًا؛ فرجعت أنا فغسلت الدم عنى، وعصبت رأسى وصليت بالناس العشاء، ثم قلت: للجماعة إن هذا قد فعل ما قد علمتم فقوموا معى إليه لننكر عليه، ونخلص المرأة منه؛ فقام الناس معى فهجمنا على داره فثار إلينا فى جماعة من غلمانه بأيديهم العصى والدبابيس يضربون الناس بقسوة، وقصدنى هو من بينهم فضربنى ضربًا شديدًا مبرحًا، وأخرجنا من منزله ونحن فى غاية الإهانة؛ فرجعت إلى منزلى، وأنا أكاد لا أهتدى إلى الطريق من شدة الوجع وكثرة الدماء، فنمت على فراشى فلم يأخذنى نوم وتحيرت ماذا أصنع حتى أنقذ المرأة من يده؛ فألهمت أن أؤذن الصبح فى أثناء الليل لكي يظن أن الصبح قد طلع فيخرجها من منزله فصعدت المنارة ثم أذّنت.

وتابع "الخياط": بينما أنا كذلك إذ امتلأت الطريق فرسانًا ورجالة وهم يقولون أين الذى أذّن هذه الساعة؟ فقلت ها أنا ذا، فقالوا: أجب أمير المؤمنين، فأخذوني وذهبوا بي لا أملك من نفسى شيئًا.

يقول: فلما رأيت الخليفة جالسًا فى مقام الخلافة ارتعدت من الخوف وفزعت فزعًا شديدًا، فقال: ادنُ، فدنوت، فقال لى ليسكن روعك ويهدأ قلبك، وما زال يلاطفنى حتى اطمأننت وذهب خوفى، فقال: أنت الذى أذنت هذه الساعة؟

قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال ما حملك على أن أذنت هذه الساعة وقد بقى من الليل أكثر مما مضى منه؟ فتغر بذلك الصائم والمسافر والمصلى وغيرهم؟

فقلت: أيؤمنني أمير المؤمنين حتى أقص عليه خبرى؟

فقال: أنت آمن، فذكرت له القصة، فغضب غضبًا شديدًا وأمر بإحضار ذلك الأمير والمرأة من ساعته على أى حالة كانا، فأحضرا سريعًا، فبعث بالمرأة إلى زوجها مع نسوة من جهته ثقات ومعهن ثقة من جهته أيضًا، وأمره أن يأمر زوجها بالعفو والصفح عنها، والإحسان إليها فإنها مكرهة ومعذورة.

وأقبل على الأمير فقال له: كم لك من الرزق؟ وكم عندك من المال؟ وكم عندك من الجوار والزوجات؟

فذكر له شيئًا كثيرًا، فقال له: ويحك أما كفاك ما أنعم الله به عليك حتى انتهكت حرمة الله.. أنت رجل فاسد يجب بتره وأمر به أن يوضع فى كيس من الخيش، وأن يضرب حتى يموت فوضع وضرب حتى همد ومات، ثم قال لى: كلما رأيت منكرًا حقيرًا كان أو كبيرًا، فأعلمنى؛ فإن اتفق اجتماعك بى وإلا فعلامة ما بينى وبينك الأذان، فأذن فى أي وقت كان.

 قال الخياط للتاجر الذى كان يسأله عن خبره فى أول الكلام: فلهذا لا آمر أحدًا من هؤلاء الدولة بشىء إلا امتثلوه ولا أنهاهم عن شىء إلا تركوه خوفًا من المعتضد، وما احتجت أن أؤذن فى مثل هذه الساعة إلى الآن.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • فجر

    05:04 ص
  • فجر

    05:04

  • شروق

    06:30

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    17:00

  • عشاء

    18:30

من الى