• الأحد 19 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر09:20 ص
بحث متقدم

دروس في المصالحة من مهاتير وأنور وعزيزة

مقالات

من خصومة مريرة إلى تحالف أفضى بأحد الخصمين وهو رجل فئة الجبابرة إلى السلطة مرة ثانية وهو في الثانية والتسعين. هذا حال السياسة، ليس فيها عداء دائم أو صداقة دائمة. فقط المصالح ومنها مصلحة الوطن واستمراره وتدفق شرايينه بالدماء.
أهمية المصالحة الوطنية وقت الأزمات الخانقة تلخص الانقلاب في العلاقة من العداء إلى التحالف بين مهاتير محمد وخصميه اللدودين أنور إبراهيم المسجون حاليا بتهمة أخلاقية مسيسة وزوجته الدكتورة عزيزة إسماعيل.
واجه إبراهيم مرتين تلك التهمة الأخلاقية المسيسة.حكم عليه في المرة الأولى بتسع سنوات سجنا في عهد رئاسة خصمه وصديقه السابق مهاتير محمد. وبعد أن برأته المحكمة عام 2004 وأفرج عنه وشارك في الانتخابات وعاد لموقعه المعارض في البرلمان، أعيد إلى السجن مرة ثانية بنفس التهمة عام 2013 بينما هو على أعتاب فوز كبير في الانتخابات التشريعية والوصول لرئاسة الوزراء.
للأسف يمكن القول إن دولة صناعية متقدمة تتمتع ببعض الآليات الديمقراطية، يمكن فيها بسهولة اختلاق تهمة سياسية فاضحة وشنيعة وهي "اللواط" التي من النادر أن توجه لأحد في المجتمع الماليزي، ويحكم فيها مرتين، ويبرئ في إحداها، والهدف هو الاغتيال المعنوي وإبعاده نهائيا وبلا رجعة عن طريق الحكم.
ما الذي يجعل أنور إبراهيم تحديدا أسيرا لتهمة كهذه؟!.. قال لي مهاتير محمد في الحوار الذي كتبت عنه مقالي السابق، إنها ليست تهمة سياسية. إنه مرض. أنا طبيب وأقول لك ذلك. كيف لمن يعاني ذلك المرض أن يصبح يوما قائدا سياسيا لهذه البلاد؟!. أنا من صنعت اسمه ومسيرته السياسية وجهزته لخلافتي فكيف أوقع به في تهمة أخلاقية لأتخلص منه. إنه غير صالح لقيادة البلاد بسبب هذه التهمة وحسب وليس بسبب سياساته الاقتصادية الإصلاحية وخطه الليبرالي كما تدعي المعارضة.
نقلت هذا الكلام لزوجته الدكتورة عزيزة إسماعيل فقالت: وأنا طبيبة أيضا وزوجة. أقول لك إن هذا الكلام لا أساس له من الصحة. مهاتير أراد التخلص منه بالاتفاق مع كارهي أنور ومنافسيه الطامعين في السلطة. نعم كان صديقه لكنه وقع في شرك الخداع. أكثر من تعرف أخلاق الرجل وسلوكه هي زوجته.. فما بالك إذا كانت الزوجة طبيبة وأم لأبنائه وبناته. 
كانت نور العزة ابنتهما في التاسعة عشرة من عمرها وقت هذا الحوار عام 1998. وعندما أصبحت في الرابعة والثلاثين فازت بمقعد في البرلمان بواسطة الشعبية الجارفة لأبيهاعام 2015 وكان ذلك الفوز تأكيدا لإيمان الشعب بأنه ضحية ظلم سياسي. 
في الوقت نفسه شغلت أمها أيضا الدكتورة عزيزة إسماعيل مقعد زوجها في البرلمان وتبوأت زعامة المعارضة للمرة الثانية، وكانت عام1999 فازت بمقعد زوجها في قيادة المعارضة البرلمانيةعقب الزج به في السجن. 
كان كل الإعلام الماليزي موجها للترويج لتهمة اللواط والنيل من أخلاق رجل الإصلاح والصلاح ومناهض الفساد. قنوات تليفزيونية وصحف لا تنقطع عن ذلك، أما صحيفة المعارضة فلم يكن مسموحا لها البيع لعامة الناس، لابد أن يكون معك عضوية في الحزب المعارض حتى تبتاعها. هذا ما أتذكره من تلك الأيام عام 1998. ومع ذلك لم يصدق الشعب كلمة واحدة مما قيلت عن أنور إبراهيم. دخل السجن فجاءبزوجته وابنته ليحتلا مكانه.
بعد ذلك بسنوات كثيرة اعترف مهاتير محمد بخطئه. ثم تحول إلى زعيم لتحالف المعارضة الذي يقوده رمزياأنور إبراهيم من السجن. كان الشرط أن يمهد له طريق العفو ثم العودة إلى السياسة وتسليمه قيادة البلاد.
الغريب أن عزيزة إسماعيل تحالفت مع من مرمط بسمعة زوجها الأرض. إنها السياسة والمصالحة وقتما تقتضي المصلحة الوطنية. الرجل القوي وحده القادر على انتزاع أنور إبراهيم من ذلك الجب، ومهاتير هو ذلك الرجل القوي حتى لو كان معارضوه يتهمونه سابقا بالتسلط والمراوغة وأنه قد لا يفي بوعده. لكنه في شيخوخته يعرف أن عليه أن يختار الطريق الأخير الذي وصله، وأن يعود لصديقه الأول أنور إبراهيم لأن حصة حزبه "كياديلان" تبلغ 47 مقعدا، بينما يهيمن حزب مهاتير "بيرساتو" على 13 مقعدا فقط.
كان عند كلمته. بعد لقائه بالملك قال إنه سيصدر عفوا شاملا عن أنور إبراهيم، وبموجب ذلك العفو الشامل سيكون له حق المشاركة الكاملة في السياسة، وقال قبل ذلك إنه يأمل أن يسلمه منصب رئاسة الوزراء بعد عامين.
المصالحة ضرورة في الأزمات للخروج من عنق الزجاجة. هذا درس عملي مما فعله المخضرم مهاتير محمد والسياسية البارعة عزيزة إسماعيل والمعارض المسجون أنور إبراهيم.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • ظهر

    12:03 م
  • فجر

    03:59

  • شروق

    05:28

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    18:39

  • عشاء

    20:09

من الى