• الثلاثاء 22 مايو 2018
  • بتوقيت مصر05:40 م
بحث متقدم

يوميات بيروت.. وطن الحرية والجمال والانتخابات

مقالات

حين نزلت مطار "رفيق الحريرى" الدولى، فى أحدث زياراتى لـ"بيروت"، لاحظت ابتسامًا وبشاشة تعلو الوجوه، مرحبة، ولا عجب فالإنسان اللبنانى يختزن _ فى جوهره الصافى _ قرونًا من التحضر والتسامح والموهبة الناضرة والحب اللامحدود للحياة، والتصالح الحقيقى مع الذات والآخرين، وقد أحببت القطر اللبنانى الشقيق، بعدد ما قرأت من الدواوين والمجموعات القصصية  والروايات والنصوص المسرحية اللبنانية، وبحجم ما أحسسته من متعة رفيعة استوطنت صوت فيروز وألحان "الرحبانية"، كانت لبنان _ فى تقديرى _ مؤهلة، منذ فترة طويلة، لتكون واحة الديمقراطية العربية فى أفق عربى متصحر من معانى الحرية والديمقراطية وقبول الآخر، لولا عبث الاستعمار بها، وأصابع اللاعبين المساومين التى اندست فى أحشائها، شرًا وكيدًا وتآمرًا أسود! ويظل الإصبع (الإيرانى) اللعين، بأذرعه المتغلغلة، هو صاحب الباع فى تشكيل ملامح المأساة وتفكيك الحلم، الذى بات حلمًا مجهضًا، أجهضه (ملالى طهران) وآخرون!.
التقيت فى بيروت، مثقفين وبسطاء وشرائح متنوعة من كل الأوساط، وكانت الأجواء معبأة بحديث "الانتخابات النيابية"، الذى لم يعلُ فوق صوته أى صوت، ولم ترتفع فوق معزوفته الغالبة أية معزوفة أخرى بعد غياب المواطن اللبنانى عن صندوق الاقتراع النيابى لمدة تسع سنوات، جرت خلالها فى النهر مياه كثيرة وتغيرت، بصورة جذرية التركيبة السياسية فى لبنان، وتراجعت وجوه كانت مشرقة يومًا ما إلى الظل، وتصدرت وجوه جديدة اخترقت ضبابات النسيان والتعتيم والتجاهل، كنت بصدد المشاركة فى بعض الفعاليات الثقافية حول الأدب العربى المعاصر، وأتيح لى أن أطالع بعضًا من ثمار المواهب اللبنانية الجديدة فى الشعر والقصة والمسرح والفن التشكيلى، فهالنى حجم المنجز اللبنانى المشرف فى كل الأصعدة والمجالات، وأبهرتنى قدرة الإنسان اللبنانى على الاستمرار والمضى وحب الحياة، برغم سنوات الحرب الأهلية السابقة، وبرغم واقع المعاناة الاقتصادية، الذى عبر عن نفسه بارتفاع سقف الديون اللبنانية _ فيما ترى بعض التقارير _ إلى ثمانين مليار دولار! ومع ذلك كله لم تفقد بيروت جمال شوارعها وضواحيها المصقولة الراقية، ولم يفقد اللبنانيون دماثتهم وأناقتهم وتحضرهم، ولم يفقد الإعلام اللبنانى المتنوع الحر، جاذبيته ومهنيته الواضحة، وقد دار بينى وبين الإعلامية اللبنانية الشهيرة "ماتيلدا فرج الله" حوارات مطولة حول الإعلام العربى، وكدت أذوب خجلًا واستحياء وأسفًا، حين ذكرتنى ببعض الحصص الإعلامية المصرية الآن، التى تطفح بالتحريض والخطاب التأجيجى والردح وانعدام المهنية، وتتحسر على الريادة الإعلامية المصرية الستينية، التى جادت بعمالقة! وانضم إلى الحوار الإعلامية المصرية المتميزة، المقيمة الآن فى لبنان، "نيرفانا إدريس"، وهى الإعلامية التى فتك بها إعلام "أنس الفقى" حتى اضطرها _ زمن مبارك _ إلى مغادرة مصر، بل شن عليها "عمرو أديب" حملة شعواء ووبخها علنًا على الهواء، للتضييق عليها، برغم أنها كانت تعمل معه فى نفس البرنامج! واستعادت "نيرفانا" _ فى حوارها معى _ مرارات هذه الفترة، رغم أنها أكدت أنها مازالت تكن لزملائها وزميلاتها فى الوسط الإعلامى كل ود، والمؤكد أن الإعلام اللبنانى ربح كفاءة مصرية جديدة، اضطرها أعداء النجاح فى مصر إلى مبارحة عشها الأصلى الذى أحبته، ومازالت!.
قطعت بنا السيارة الشارع الملاصق لسوق الحمراء ومنطقة "برج حمود"، ووصلت بنا إلى منطقة "عين المسيرة"، وقد لاحظت بوضوح، أن الشوارع غارقة حتى الآذان فى اللافتات الانتخابية المتنوعة، وثمة لافتات محفزة شعبية خفيفة الظل، كتب عليها: ".. خرزة زرقا فى عين التطرف.." أو "..خرزة زرقا فى عين الفوضى.."، ولم يفتنى أن ألاحظ أن اللافتات المنتمية لـ"المقاعد الشيعية" فى البرلمان، منتشرة بقوة وتنظيم ودقة! قادنى إحساسى إلى نتائج انتخابية معينة ستجود بها الانتخابات، برغم أن المراقبين والبسطاء على السواء، كانوا يتوقعون _ من واقع مناقشتى معهم _ نتائج مغايرة! فثمة من راهن على "وليد جنبلاط" وكتلته الاشتراكية التقدمية، وثمة من راهن على "ميشال عون" وكتلته، وهنالك من راهن على "سعد الحريرى" وكتلته، أو تيار "المردة" أو حزب قوات الكتائب، وتعددت الرهانات بصورة ملحوظة، وهنالك _ فى المقابل _ من زهد فى اللعبة الانتخابية برمتها من أفراد الطبقتين: الوسطى والدنيا، وقد دار حوار بينى وبين السائق "جون" الذى قال لى عن نواب البرلمان اللبنانى: "ننتخبهم وبعد هيك ما بيطلعوا فينا..!"، أى نتجشم عناء انتخابهم ثم يتجاهلوننا بعد ذلك! (كدت أشم فى الكلام رائحة شكوى مصرية متكررة مماثلة!).
كانت الشوارع تفيض حيوية ونشاطًا ونظافة وإقبالًا على الحياة، وتقاطر اللبنانيون من كل صوب بصورة حضارية هادئة كلوحة جميلة، عبر خمس عشرة دائرة انتخابية، توزع فيها سبعة آلاف مركز اقتراعى، لاختيار مائة وثمانٍ وعشرين نائبًا لمقاعد البرلمان الجديد، وطالعت صحيفة "الجمهورية" اللبنانية، وعلى صدر صفحتها الأولى عنوان عريض: "غدًا يوم الوفاء.. حكم ضميرك..!" وكانت أحاديث البائعين ورجل الشارع تفيض ثقة وتفاؤلًا.
نتائج الانتخابات، شكلت صدمة للجميع، حيث حصد "حزب الله" و"حركة أمل" معظم الرهانات الانتخابية فى السباق الكبير!! ولم تتوقف عملية الاكتساح عند حدود "بعبدا" أو "البقاع" أو الجنوب (القلاع التقليدية لحزب الله وأمل!) بل امتدت إلى "بيروت" ذاتها، وتأكدت من واقع المؤشرات الرقمية، أن وطنًا عربيًا جديدًا/ جميلًا، قد سقط _ هو الآخر! _ فى الجراب الإيرانى! هل يجيد العرب شيئًا آخر سوى الكلام، وترك الكفاح الميدانى الحقيقى، وإضاعة الفرص، والتفريط فى النفائس والكنوز الموجودة طوع اليد؟! هل من سبيل لأن نحافظ على لبنان وطن الجمال والتنوع والفكر الراقى؟! وهل تبعثرت المسبحة العربية _ حبة حبة _ لتسقط فى حجر "نظام الملالى" فى "طهران" بشكل كارثى، بعد إحكام القبضة الإيرانية شكيمتها على العراق (128 مقعدًا شيعيًا  من أصل 328 مقعدًا!) وسوريا (من خلال قاعدتى الكسوة وفيلق القدس قرب تدمر) وشمال اليمن (من خلال هيمنة الحوثيين!) وهل ستواصل جامعة الدول العربية  _ طويلًا _ التحديق فى الفراغ ؟!.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع زيادة أسعار السلع الفترة المقبلة؟

  • مغرب

    06:53 م
  • فجر

    03:23

  • شروق

    05:00

  • ظهر

    11:56

  • عصر

    15:36

  • مغرب

    18:53

  • عشاء

    20:23

من الى