• الثلاثاء 23 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر01:41 ص
بحث متقدم

ثبوت الهلال بين الرؤية البصرية والحسابات الفلكية (3)

وجهة نظر

أحمد زكريا عبداللطيف
أحمد زكريا عبداللطيف

د أحمد زكريا عبداللطيف

قرارات المجامع الفقهية
منذ قدم الزمان وقضية إثبات الهلال بالحساب الفلكي، ومدى اعتبار اختلاف المطالع أمر يشغل الناس والفقهاء معا.
وقد حظي القرن الأخير بالمجامع والمؤتمرات العامة، التي تسمح بالتقاء الفقهاء وعلماء الفلك معا، يتبادلون الرأي ويتجاذبون الحديث، ويحررون محل النزاع ليعرف المتفق عليه بينهم، والمختلف فيه.
وقد أثمرت هذه المؤتمرات وضوحا وشفافية بين الفريقين، فقد ظهر للفقهاء بوضوح معنى الحساب الفلكي المقصود، والفرق بينه وبين علم التنجيم الذي ذمه الشرع ونهى عنه, ويمكن تقديم عرض سريع لهذه المؤتمرات والندوات وذلك على النحو التالي:
1 - المؤتمر الذي عقده مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة عام (1966م): ولعله أقدم مؤتمر يتحدث عن هذا الموضوع وكانت نتيجة هذا المؤتمر أنه ألغى اختلاف المطالع، واعتبر أن العبرة بمن يرى، فرؤية بلد واحد رؤية لجميع البلاد التي تشترك معه في جزء من الليل، وهذا نص قراره :-" يرى المؤتمر أنه لا عبرة باختلاف المطالع وإن تباعدت الأقاليم متى كانت مشتركة في جزء من ليلة الرؤيا وإن قل ويكون اختلاف المطالع معتبرا بين الأقاليم التي لا تشترك في جزء من هذه الليلة".
وأما عن الاعتماد على الحساب الفلكي، فقد قرر المجمع وقتها أن الرؤية البصرية هي الأصل، فلا يعمل بالحساب الفلكي في إثبات الشهر إلا إذا رؤي بالفعل بصريا ، وإلا فلا عبرة بالحساب الفلكي ، وأما إذا نفى علم الفلك إمكانية الرؤية فإن هذا يكون دليلا على وهم من يرى أو خطئه، وعليه فلا يقبل له قول ، وهذا نص قراره: "الرؤية هي الأصل في معرفة دخول أي شهر قمري، كما يدل عليه الحديث الشريف. فالرؤية هي الأساس لكن لا يعتمد عليها إذا تمكنت فيها التهم تمكنا قويا.
- يكون ثبوت رؤية الهلال بالتواتر، والاستفاضة، كما يكون بخبر الواحد ذكرا كان أو أنثى، إذا لم تتمكن التهمة في أخباره لسبب من الأسباب، ومن هذه الأسباب مخالفة الحساب الفلكي الموثوق به الصادر ممن يوثق به". انتهى.
2- قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي عام (1979م): حيث قرر أنه لا عبرة بالحساب الفلكي دون فرق بين النفي أو الإثبات، وأما عن قرار المجمع بشأن اختلاف المطالع فقد تأخر حتى عام (2004) م ، فقد قرر ساعتها أن لكل بلد مطلعه مخالفا بذلك قرار مجمع المنظمة.
3 - مؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي عام 1986 م: فوافق قرار مجمع البحوث في إلغاء اختلاف المطالع ( أي أن رؤية بلد واحدة رؤية لجميع البلاد) ولكنه خالفه في الثانية، فلم يعتمد على الحساب الفلكي لا في النفي ولا في الإثبات، وهذا نص قراره:-
أولاً: إذا ثبتت الرؤية في بلد وجب على المسلمين الالتزام بها ولا عبرة باختلاف المطالع لعموم الخطاب بالأمر بالصوم والإفطار.
ثانياً: يجب الاعتماد على الرؤية، ويستعان بالحساب الفلكي والمراصد، مراعاة للأحاديث النبوية، والحقائق العلمية. " . انتهى.
4 - ندوة الأهلَّة والمواقيت والتقنيات الفلكية في الكويت خلال الفترة بين 21 إلى 23 رجب 1409 هـ الموافق 25/27 - 1989/3/1م: حيث قام بتنظيمها النادي العلمي الكويتي ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي، وشارك فيها عدد من فقهاء الشريعة وعلماء الفلك في الدول العربية التالية: الأردن - الإمارات - الجزائر - السعودية - السودان - عُمان - فلسطين - قطر - الكويت - مصر - المغرب - اليمن.؛ كما حضرها مندوبون عن مجمع الفقه الإسلامي بجدة، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والاتحاد العربي لنوادي العلوم.
ولم تخرج الندوة عما رآه مجمع البحوث الإسلامية من قبل؛ فقد أصدرت الندوة التوصيات التالية:
أ. إذا ثبت رؤية الهلال في بلد وجب على المسلمين الالتزام بها ولا عبرة باختلاف المطالع لعموم الخطاب بالأمر بالصوم والإفطار.
ب. يؤخذ بالحسابات المعتمدة في حالة النفي (أي القطع باستحالة رؤية الهلال) وتكون الحسابات الفلكية معتمدة إذا قامت على التحقيق الدقيق (لا التقريب) وكانت مبنية على قواعد فلكية مسلمة وصدرت عن جمع من الفلكيين الحاسبين الثقات بحيث يؤمن وقوع الخلل فيها.
فإذا شهد الشهود برؤية الهلال في الحالات التي يتعذر فلكيًا رؤيته فيها ترد الشهادة لمناقضتها للواقع ودخول الريبة فيها.
ومن هذه الحالات التي تستحيل فيها الرؤية:- إذا شهد الشهود برؤية الهلال قبل الوقت المقدر له بالحساب الفلكي، وهو وجوده في الأفق بعد غروب الشمس، فلا عبرة بالشهادة على رؤية الهلال قبل حصول الاقتران أو إذا تزامنت الشهادة مع الاقتران، سواء أكان الاقتران مرئيًا كالكسوف، أم غير مرئي مما تحدده الحسابات الفلكية المعتمدة. وهذه الحالة نص عليها عدد من فقهاء المسلمين كابن تيمية والقرافي وابن القيم وابن رشد. انتهى.
5 - مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية: فقد وافق قرار مجمع البحوث الإسلامية في المسألتين كلتيهما، وذلك سنة 2004م, ونسجل هنا كلمات نيرة جاءت في بيان مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية ، فقد جاء فيه :-
هذه هي جملة الاختلافات الفقهية الواردة في هذا الباب، وجلها من مسائل الاجتهاد، والخلاف الوارد فيها خلاف معتبر، والأصل في مسائل الاجتهاد أن لا يضيق فيها على المخالف، وأن لا تكون سببا في قطيعة أو تهاجر، وقد اتفقت المجامع كلها وأهل الفتوى كافة على أن المسلم يتبع الموقف الاجتهادي الذي يتخذه أصحاب النظر في بلده، أيا كانت موافقته أو مخالفته لما يعتقده راجحا، لأن الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس.
إن قضية ثبوت الأهلة قضية سلطانية في المقام الأول، بمعنى أنه لا يحسم الخلاف الوارد فيها إلا جهة ذات سلطان، تستطيع بسلطانها أن تنفذ قرارها على الناس كافة، وتصبح مخالفتها في هذه الحالة صورة من صور الشذوذ والمنابذة والبغي.
فالمشكلة إذن ليست في ترجيح بعض هذه الآراء على بعض، وإنما تكمن في غياب هذه السلطة التي تتمتع بالمرجعية، ويدين لها الناس بالطاعة، وتمضي عليهم اجتهادها فلا ينازعها أحد، سواء أكانت هذه السلطة دينية يتبعها الناس لثقتهم في كفايتها وديانتها، أم سلطة دنيوية يتبعها الناس لسلطانها وشوكتها، وما لم يتسن أحد هذين المسارين فلا سبيل إلى جمع الكلمة في هذه القضية لا في المشرق ولا في المغرب! إن الذي حسم هذه المشكلة في المشرق إنما هو شوكة ذوى السلطان، وليست قوة الحجة أو البرهان.
6 - فتوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث سنة 2005 م: حيث أفتى بأنه يثبت دخول شهر رمضان، أو الخروج منه بالرؤية البصرية سواء أكانت بالعين المجردة أم بواسطة المراصد شرط ألا تنتفي إمكانية الرؤية في أي قطر من الأقطار بواسطة الحساب الفلكي، فإذا جزم هذا الحساب باستحالة الرؤية المعتبرة شرعًا في أي بلدٍ فلا عبرةَ بشهادةِ الشهود التي لا تُفيد القطع وتحمل على الوهم أو الغلط أو الكذب، وذلك لأن شهادة الشهود ظنية وجزم الحساب قطعي، والظن لا يقاوم القطعي فضلاً عن أنه يقدم عليه باتفاق العلماء.
 الخلاصة:
بعد أن عرضنا قرارات المجامع الفقهية والندوات والمؤتمرات فقد اتضح أن هناك اختلاف واضح بين المجامع الفقهية في الاعتماد على الحسابات الفلكية أو عدمه, حيث تعتمد بعض المجامع الاعتماد على الحسابات الفلكية وترفضه أخرى.
وهذا الأمر يؤكد على أن هذا الموضوع لا يزال الخلاف فيه قائمًا, مما يستدعي وضع حل يتناسب مع طبيعة العصر ومتطلباته، وعليه يمكن القول بأنه- ومن باب توحيد الكلمة ونبذ الفرقة- يجوز الاعتماد على الحسابات الفلكية في النفي وهو الأسلم والأصح خاصة وأن الحسابات الفلكية تفيد القطع في الغالب وشهادة الشاهد تفيد الظن ومعلوم أن الظني لا يقدم مع وجود القطعي, كما أن شهادة الشاهد قد يكون فيها لبس مع تغير المناخ في زماننا ومع ظهور بعض الأجرام السماوية والتي طرأت مع تغير المناخ، وأن بعض الفقهاء -كما اتضح سابقا- يعتمد على الرؤية بغض النظر عن الحسابات الفلكية؛ لأنه يعتبر أن الرؤية أمر تعبدي ولا يجوز فيه إدخال ما دونه.
ومن هنا يبرز جليّاً أن التوفيق بين الرؤية والحسابات الفلكية ضرورة لا مفر منها؛ فكيف نقبل شهادة شخص برؤية الهلال ونحن نعلم أن القمر قد غاب قبل الشمس؟ وفي المقابل كيف يبدأ الشهر ولم يُر الهلال من أي منطقة في العالم الإسلامي كما يحدث في معظم الأحيان؟! ونحن نرى أن الاقتراحين التاليين قد يكون لهما الأثر الواضح في معالجة مشكلة تحديد بدايات الأشهر الهجرية في العالم الإسلامي:
1- أن تكون عملية تحرّي الهلال عملية رسمية جماعية كما يحدث في المملكة المغربية؛ فتعين الدولة مناطق مختلفة تصلح لتحري الهلال، وتدعو المواطنين الراغبين بتحري الهلال بالتوجه لهذه المناطق، على أن يوجد في كل منطقة شخص ذو دراية بتحرّي الأهلة. ففي هذه الحالة من المستحيل أن يتوهّم جميع الأشخاص الموجودين في مكان التحري رؤية الهلال، خاصة مع وجود شخص ذي دراية بتحرّي الأهلة.
الجدير بالذكر أن تحري الهلال في جمهورية جنوب أفريقيا يتم بشكل جماعي يشارك فيه ما يقارب 3000 شخص؛ ولذلك نجد أنه من شبه المستحيل أن يبدأ المسلمون في جنوب أفريقيا أشهرهم الهجرية خطأ.
2- في حالة شهادة أشخاص فرادى برؤية الهلال؛ فإنه يفترض توجيه بعض الأسئلة للشاهد للتأكد من أنه رأى الهلال وليس أي شيء آخر! كأن يسأل عن وقت ومكان رؤية الهلال، واتجاه فتحته، وارتفاعه عن الأفق، وكيف تحرك هذا الهلال أثناء مراقبته.. إنها أسئلة بسيطة ولكنها بالتأكيد ستنقح معظم الشهادات المغلوطة برؤية الهلال!
قد يكون من غير المنطقي أن توجه هذه الأسئلة لشاهد برؤية الهلال وقت الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ وذلك لعدم دراية المسلمين في ذلك الوقت بالعلوم المتعلقة برؤية الهلال، أمَا وقد أصبح علم الفلك الآن منتشراً ويقينياً؛ فما المانع إذن من الاستئناس به، إذا كان هذا الاستئناس سيحقق قول الرسول صلى الله عليه وسلم:(لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَال وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ عُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ).




































































تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • فجر

    04:45 ص
  • فجر

    04:45

  • شروق

    06:08

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:55

  • مغرب

    17:20

  • عشاء

    18:50

من الى