• السبت 18 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر01:01 م
بحث متقدم

عودة مهاتير محمد

مقالات

في عز أزمته مع نائبه أنور إيراهيم، قابلت الدكتور مهاتير محمد في كوالالمبور في عام 1998. كان لا يزال رئيسا قويا لوزراء نمر آسيوي بازغ "ماليزيا" وهو صاحب الفضل في الوصول إلى مكانته.
لا أعرف حينها ما هو السبب الذي جعله يختار اسمي تحديدا من بين عشرات الأسماء التي تقدمت لطلب إجراء حوار معه حول تلك الأزمة العنيفة، وهو ما حاول أستاذ لي حينها تفسيره من زاوية أنني ممثل لجريدة "المسلمون" وكنت أيامها أعمل في مقرها الرئيسي  في مدينة جدة. لكن الجريدة أغلقت نهائيا قبل اللقاء بأسبوع، ومع ذلك أصر السيد محمد علي حافظ مؤسس جريدة الشرق الأوسط وشقيقاتها على سفري لعمل ذلك الحوار، وطلب مني ألا أبلغهم بإغلاق الجريدة، على أن أنشره بعد ذلك في مجلة "المجلة" وهو ما حدث بالفعل.
كانت الأجواء في كوالالمبور ملغمة. أنور إبراهيم المسجون بتهمة اللواط مع سائقه له أنصاره الكثيرون، وقد كان التلميذ الأقرب لقلب وعقل مهاتير ويعده لخلافته. إنهما بمثابة الصديقين الحبيبين. كلاهما يثق في الآخر. الأستاذ  - وهو مهاتير-  لا يرى مستقبلا لماليزيا إلا مع تلميذه الذكي والاقتصادي البارع الدكتور أنور إبراهيم، والتلميذ يرى في أستاذه معلما ونبراسا ورمزا لما وصلت إليه بلاده من تقدم صناعي واقتصاد مزدهر.
لكن التهمة شنيعة.. والمتهم يشار إليه بأنه إسلامي كبير، أو على الأقل اشتهر بالإيمان والتقوى والحرص على الصلاة.
قضيت يوما قبل اللقاء في أحد الفنادق الكبيرة بالعاصمة الماليزية التقيت خلاله ببعض الشباب الماليزي المثقف المتابع لما يجري. فوجئت بأن الحكومة سددت تكاليف إقامتي كاملة وهو ما يخالف عرفا اختطته المؤسسة التي أعمل فيها وكان يتصدر الصفحة الأولى للشرق الأوسط بأنها المسؤولة عن تغطية تكلفة مهمات صحفييها.
طلب مني أحد المتعاطفين مع أنور إبراهيم وكان قد خصصته الحكومة لمرافقتي ألا أجادل في هذه المسألة حتى يتم اللقاء على خير، ووعدني بأنه سيذهب بي سرا إلى منزل إبراهيم بعد أن انتهي من حواري مع مهاتير، وهناك سأقابل زوجته الدكتورة عزيزة إسماعيل التي أصبحت زعيمة للمعارضة بعد سجن زوجها، وسيعرف كيف يفلت من الرقابة الموجودة حول المنزل.
امتد الحوار مع مهاتير محمد ساعة كاملة في مكتبه حيث كان يجلس وأمامه كم هائل من الملفات وعلى يمينه جهاز كمبيوتر صغير، لم تكن الشاشات الحالية قد ظهرت بعد.
ظللت أسأله عن تهمة اللواط الموجهة لأنور إبراهيم وظل يحاول إقناعي بأنه تأكد منها بعدة طرق. طبعا لم يكن اعتراف السائق كافيا، إذ يبدو أنه تعرض لضغوط أو لإغراءات معينة ليقول ما قاله.
لكن الحقيقة كنت اشتمها من العبارات غير الحاسمة لمهاتير محمد وتردده وربما إحساسه بالذنب. استنتجت أنه رجل بؤمن بقدراته الهائلة التي لا ينازعها رأي آخر، وهذه نقطة سلبية تؤخذ عليه رغم انجازاته الهائلة التي رفعت بلاده من الفقر إلى الغنى ومن الجديان إلى النمور، واحيانا يميل مثل هؤلاء الرجال لتغليب التقارير الأمنية وتصديق الدبابيس السياسية، والتي سمعت حينها أن رزاق نجيب الذي أصبح فيما بعد رئيسا للوزراء، وخسر الانتخابات أمام تحالف المعارضة بقيادة مهاتير يوم الأربعاء الماضي، هو الدبوس الأكبر ضد منافسه اللدود أنور إبراهيم.
والغريب أن لقاءاتي مرت بالثلاثة على التوالي.. مهاتير ثم عبدالله بدوي الذي خلفه في رئاسة الوزراء، ثم رزاق نجيب الذي خلف بدوي، وهو شخص لماح جدا، خفيف الدم، وأذكر أنه سألني ضاحكا: أنفك كبير مثل عبدالناصر، هل أنت صعيدي؟!!
للحقيقة كان إبراهيم رجلا نزيها منزها عن الفساد، وكان له رأي في إصلاح الأزمة الاقتصادية التي ضربت النمور الآسيوية وبينها ماليزيا، ولم يكن مهاتير مؤيدا له، كان له رأي آخر شرحه لي بالتفصيل شرحا مطولا في المقابلة نفسها. المهم اختلف الرجلان وانتهز طرف ثالث الفرصة، يقال إنه نجيب رزاق الذي ينتمي لعائلة سياسية حاكمة  فوالده عبدالرزاق حسين هو ثاني رئيس وزراء لماليزيا، وخاله حسين داتو عون ثالث رئيس وزراء. ربما كان نجيب يرى أنه الأحق بخلافة مهاتير بحكم الوراثة.
في منزل أنور إبراهيم، وهي فيلا أنيقة في مكان هادئ بالعاصمة كانت تظهر عليها في حينها بقايا حرائق أشعلها متظاهرون سيرتهم جهات مناوئة له، سمعت من الدكتورة الهادئة عزيزة إسماعيل الكثير والكثير الذي يبرئ زوجها ويجعله ضحية خسة السياسة ونذالتها.
برأت المحكمة أنور إبراهيم بعد ذلك بسنوات عديدة. ثم سمعت من مهاتير محمد بعد استقالته عام 2003 أن أنور إبراهيم برئ بالفعل وأنه يعتذر على خطئه ضده. لا ننسى أنه دعم نجيب رزاق عندما استلم الحكم وانقلب على عبدالله بدوي الذي كان رئيسا للوزراء رغم أنه كان وزيرا لخارجيته.
عودة مهاتير محمد للحكم وهو ابن الثانية والتسعين عاما شكلت مفاجأة كبيرة. كيف له أن يسير وهو في هذه السن المتأخرة أمور الحكم. يقول إنه سيترك السلطة بعد عامين لأنور إبراهيم. أي أن التلميذ سيعود من الباب الواسع، عبر زعيمه ومعلمه، الذي سلمه قبل ذلك لقمة طرية لمناوئيه ودفع به إلى السجن بتهمة شنيعة جدا.
الاعتقاد بأن مهاتير محمد إسلامي ليس صحيحا. أنور إبراهيم تلصق به أيضا تلك الصفة وهي ليست صحيحة. الأول معاد لحكومات الغرب وله أراء قوية ضدها وضد الجماعات الصهيونية، مما كان سببا في إدراج الإعلام الغربي له ضمن الإسلاميين ووصف بلاده بها أحيانا.
أما أنور إبراهيم فكان داعية للإصلاحات السياسية والإقتصادية ومن أهمها إعطاء الغلبة الكاملة للقانون والديمقراطية والعمل الحزبي الصحيح وفق المعايير الغربية الليبرالية. لعل النقطة الأخيرة كانت السبب الحقيقي لأزمته مع مهاتير محمد.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • عصر

    03:41 م
  • فجر

    03:58

  • شروق

    05:27

  • ظهر

    12:04

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    18:40

  • عشاء

    20:10

من الى