• الثلاثاء 21 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر05:25 م
بحث متقدم

الوزير الإنسان

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم إبراهيم سلامة

الحق أن بعضًا من أصحاب الشرف والمروءة الذين يذكرهم التاريخ ويسجل لهم نزاهتهم وسموهم وإنسانيتهم، لازالوا عالقين في الاذهان ولازالت مواقفهم شامخة عالية، لكنها حينما تُذكر بيننا، أو نتذكرها نحن المصريين، يخيل إلينا أنها أساطير، وأنها من ضروب الخيال، ومن حكاوى ألف ليلة وليلة، لأن الفساد فينا مطبوع، وبيننا مستوطن، والخونة الفجرة والسراق اللصوص نراهم يعتلون ويحتلون المناصب الكبيرة، ويقودون أمور الدولة، ويتحملون مسؤولية الناس.. ولله در رسولنا الكريم حينما قال: (إذا وُسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة.!)
وبين يدي الآن وأنا أقلب في تاريخ الأعلام والأماثل هذه القصة الإنسانية الراقية للوزير الإنسان العلامة المفكر الكبير محمد البهي الذي تقلد الوزارة عام (62-64م) فماذا حدث؟
قام رحمه الله في يوم من الأيام بجولة تفتيشية في إحدى المحافظات، وكان الأمر سرًا لا يعلمه أحد من الوزارة، ولم يصحب معه أحدا من الموظفين، وحينما هم بعبور الشارع للوصول لباب المديرية، لاحظ من بعيد امرأة مسنة تُحاول الدخول إلى المبنى، ثم رأى يدًا تمتد من وراء الباب لتدفع المرأة فتسقط على الأرض، وتقوم المسكينة لتنفض عن ملابسها التراب، وتحاول الدخول مرة ثانية، لتعود نفس اليد القاسية لتدفعها مرة أخرى، وأمام هذا المشهد اللاإنساني، وقف الوزير الانسان الدكتور (محمد البهي) بعد أن استنفرت حماسته واستشاطت حميته، وثارت غيرته وتولد غضبه، فأسرع بعبور الطريق غير مبال بحركة المرور الكثيفة، وعند الباب وجد امرأة في العقد السادس من عمرها، فسألها عن أمرها، فأخبرته بأنها أرملة أحد موظفي الوزارة، وقد توفي زوجها منذ تسعة أشهر، بهد أن ترك لها أولادًا أربعة، كلهم دون سن الكسب، وأنها منذ وفاته وهي تتردد على المديرية لتسوية معاشه دون طائل، حيث يحال بينها وبين الدخول على النحو الذي رأى! وإن دخلت لا تجد من يستجيب لشكواها.!
ولم تكن المسكينة بحاجة لأن تشكو فاقتها وفقرها، فالحال أمامه واضح من ثيابها المهلهلة! ولما انتهت من كلامها هدأ رحمه الله من خاطرها، وطلب منها الانتظار حتى يستدعيها، ثم دلف إلى مبنى المديرية.. ليبدأ تفتيشيه المفاجئ، وقد رأى بنفسه وعلى الطبيعة، جانبًا مما ينتظره من مفاجآت بالداخل، وكما توقع كانت هناك فوضى كبيرة، فالعاملون يجلسون جماعات وأفراد يُطالعون الصحف والمجلات ويحتسون القهوة والشاي، ويتجاذبون الحديث والنقاش في أمور السياسة والأدب وأخبار المجتمع وأفلام السينما و....و....، بينما المتخلفون عن العمل أكثر بكثير من الحاضرين، فأيقن أن الرقابة قد غابت، والضمير قد انعدم.. وقام بجولته وفتش وراجع وسأل وكانت الحصيلة مؤلمة، ثم طلب الملف الذي حفيت المرأة طيلة الشهور التسعة في السعي خلفه، فإذا به على الحال التي كان عليها يوم توفي زوجها، لم يتحرك من موضعه وإنما دُفن بين عشرات الملفات.. وفي غضبٍ كبير تساءل رحمه الله كيف يكون الحال لو كانت هذه المرأة أصغر سنا؟ أو على مسحة من جمال؟ أو ميسورة الحال قادرة على العطاء؟
هل كانت أوراقها تتأخر تسعة شهور؟
وكيف يستطيع مثلها أن يعيش طيلة هذه الشهور التسعة دون مورد؟ 
هل تتسول أم تسرق؟
هل تفرط في أولادها وتلقيهم إلى الضياع والتشرد؟ 
أم تبيع أثاث بيتها وهل لمن كان على مثل حالها أثاث أم تبيع ماذا؟!!!
تساؤلات غاضبة نطق بها الانسان الثائر الغيور ولم يسمع عنها جوابا.!!
وأصدر تعليماته أن يرسل الملف فورًا إلى ديوان الوزارة مع مخصوص، على أن تبحث الحالة، ويعد تقرير في خلال ساعتين من وصوله.. ولما وصل الملف للوزارة، لقي نفس الاهمال ولم يستجب أحد لقدومه، لأنهم لا يعلمون أن الوزير هو الذي أرسله بيده، فلما وصل (البهي) في الغد طلب الملف الوارد بالأمس، وإذا به كما هو.. فأحضر المسؤول وصرخ فيه غاضبًا وهو يقول: ماذا تفعل المسكينة وأطفالها ؟ من أين يعيشون؟ أما كفتهم الشهور التسعة الطويلة، حتى يمتد عذابهم تسعة أخرى وربما أكثر؟ ولو كانت هذه المرأة زوجتك أو ابنتك أو أختك أكنت ترضى لها هذا الموقف؟ ووقع الجزاء على الموظف الذي أهمل وعلى الموظفين بالمديرية الذين تسببوا في تعطيل صرف المعاش هذه المدة.
وأمام هذه القصة الرائعة والمشهد الإنساني الفريد، لا نستطيع إلا أن نتحسر على حياتنا ومناصبنا التي اعتلاها خونة لصوص، لا يراعون ضمائرهم ولا يعرفون الله ويهملون مصالح البلاد والعباد.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • مغرب

    06:37 م
  • فجر

    04:00

  • شروق

    05:29

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:40

  • مغرب

    18:37

  • عشاء

    20:07

من الى