• السبت 26 مايو 2018
  • بتوقيت مصر12:14 ص
بحث متقدم

في وداع خالد محيي الدين

مقالات

توفي اليوم الأستاذ خالد محيي الدين ، أحد أبرز ضباط الجيش الذين قادوا عملية الإطاحة بالملك فاروق ونظامه في انقلاب يوليو 1952 والذي حظي بعد ذلك بدعم شعبي ساهم فيه بقوة جماعة الإخوان المسلمين ، وكان خالد ، مثل كثير من زملائه الضباط في تلك المرحلة ، منخرطا في الحركة الوطنية العامة ، ومتأثرا بأجوائها وأدبياتها ، فمنهم من كان متأثرا بالإخوان المسلمين ومنهم من كان متأثرا بحركة مصر الفتاة ومنهم من كان متأثرا بالحركة الشيوعية ، خالد كان من النوع الأخير ، وحتى عندما انضم لتنظيم الضباط الأحرار ـ وهي جماعة أسست على خلاف القانون وقتها ! ، كان معروفا بأنه الضابط الأحمر ، وبعد ذلك : الصاغ الأحمر ، وحافظ على ولائه لليسار طوال رحلته السياسية في كل العهود ، لكن خالد تميز عن بقية الضباط بأنه كان مؤمنا بمدنية الدولة ، وبالديمقراطية ، وبأن الجيش مكانه هو ثكناته وليس قصور الحكم والوزارات ، وهذا ما جلب عليه مشاكل كثيرة اضطرته إلى تقديم استقالته ، أو ربما إقالته ، من الجيش بعد أزمة مارس 1954 والتي أحدث فيها الضباط انقلابهم العسكري الثاني خلال عامين ، هذه المرة على قائدهم اللواء محمد نجيب ، وعزلوه ثم حبسوه في الإقامة الجبرية ولم يتم إطلاق سراحه إلا في عهد الرئيس السادات وبعد وفاة عبد الناصر .
يحسب لخالد محيي الدين انحيازه للديمقراطية ، وللأمانة فهذه الملاحظة يمكن سحبها على غالبية اليسار المصري ، باستثناءات قليلة ، لأنه كان أكثر ولاءا للإنسان والحريات العامة من التيارات الأخرى ، وخاصة التيار الناصري وتيار الإخوان المسلمين ، ربما لأن اليسار كان ولاؤه للفكرة أكثر من ولائه لأشخاص ، بينما الناصريون والإخوان كان ولاؤهم الأكثر بروزا هو لأشخاص وليس للأفكار ، كما أن الممارسات العامة طوال نصف قرن تؤكد تلك الفرضية بسهولة .
الناصريون تحالفوا مع اليسار طويلا ، لكن يبقى من الإنصاف القول بأن الفرز الأخلاقي والإنساني يمنح اليسار المصري تميزا في مجال الحقوق والحريات العامة والعدالة  والإنسان والانحياز إلى الديمقراطية ، أو بالأحرى إلى حلم ديمقراطي لم يتحقق في مصر إلا أشهرا قليلة بعد ثورة يناير العظيمة ، ومشكلة الناصريين الأساسية هو ارتباطهم بنموذج عبد الناصر ، القائد العسكري القوي الذي يطرح مشروعا قوميا ويتحدى القوى الأجنبية ، ويحقق بعض الإنجازات المادية ، دون أي نظر إلى ما هو "إنساني" في التجربة ، ومن ثم بقي هذا النموذج "القائد العسكري الملهم" مسيطرا على خيال الحركة الناصرية ، وجعلها تقع في سلسلة أخطاء تاريخية انحازت فيها إلى كل الديكتاتوريات العسكرية العربية رغم بشاعتها وفسادها ، من حافظ الأسد إلى ابنه بشار الطائفي الدموي إلى معمر القذافي وغيرهم ، لا يوجد حاكم عسكري عربي في السنوات الماضية إلا وكان مربط ولاء الناصريين ، دون أي اعتبار لغياب الحريات العامة أو إهدار حقوق الإنسان بصورة مروعة وانتشار القتل والتعذيب في السجون والنفي للمعارضين وتزوير الانتخابات ومصادرة إرادة الشعب ومستويات الفساد الطافحة ، كل ذلك لم يكن يعني الناصريين كثيرا ، وهو ما وضعهم دائما في المعسكر المعادي للديمقراطية وحقوق الإنسان .
عندما قرر السادات إعادة التعددية الحزبية في مصر ، أسس خالد محيي الدين حزب التجمع ، وكان له وهجه الكبير في نشأته ولسنوات طويلة تلت ذلك ، كما كان إعلام الحزب أكثر انفتاحا على المجال العام وانحيازا للمستضعفين من كل التيارات ومن كل ألوان طيف الشعب المصري ، فكانت صحيفة الأهالي الناطقة بلسان الحزب هي صحيفة المصريين الأولى وقتها ، وكان واضحا أن الحزب يستلهم هيبته وحضوره من شخصية خالد محيي الدين والتي جذبت عددا من الشخصيات السياسية الرفيعة لقيادة الحزب ، وكل ذلك ضعف وتلاشى عندما غاب محيي الدين لأسباب صحية ولظروف السن ، وتسببت قيادات أخرى متحالفة مع النظام في إهدار كل تاريخ حزب التجمع وإهانة تاريخ اليسار المصري نفسه ، كما تسببوا في قطيعة بين الحزب وعموم الشعب ، وقطيعة أخرى بين الحزب والقوى الوطنية الأخرى ، حتى انتهى الحزب إلى ما يشبه ناديا سياسيا هامشيا وجريدة أصبحت مجهولة عند الناس ، بعد أن كانت ملء السمع والبصر أيام توهج الحزب .
رحم الله خالد محيي الدين ، ونظل نذكر له إيمانه بالديمقراطية ، وانحيازه لها ، وصلابته السياسية التي منحت الحياة العامة في مصر حيوية لسنوات طويلة نشأ في ظلها أجيال من النشطاء أصبحوا قادة الآن .

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع زيادة أسعار السلع الفترة المقبلة؟

  • فجر

    03:20 ص
  • فجر

    03:20

  • شروق

    04:58

  • ظهر

    11:57

  • عصر

    15:36

  • مغرب

    18:56

  • عشاء

    20:26

من الى