• الثلاثاء 22 مايو 2018
  • بتوقيت مصر08:09 ص
بحث متقدم

للمواطنة حقوق

وجهة نظر

أحمد خطاب
أحمد خطاب

أحمد خطاب

لم يعانِ المسلمون من متاعب في تاريخهم أشد مما يعانونه من روح الانهزاميَّة التي تتملَّكهم، كذا شعورهم بالخسارة الموصلة لليأس في تَحقيق تقدُّم ولو قليل، فيفقدون الأمل في أي شيء, وهي حالة لم تصبْ أمَّة إلا قضت عليْها، ومنعتها من تحقيق أي تقدم حقيقي ملموس، حتى وإن كانت تمتلك جميع المؤهِّلات الحقيقية، والكوادِر البشريَّة القادرة على تَحقيق هذا التقدُّم.


وتأخذهم حالة الاستغراق في تلك الانهزامية فلا ترى أعينُهم إلا الواقع السيِّئ، ولا يبرزون إلا العجْز الذي يعيشُونه، وتلمع أعينهم لما يحققه غيرُهم، وتتملكهم حالة الإحباط بأنَّهم لو كانوا قادرين لفعلوا، ويلجئهم اليأس إلى الرِّضَا بالواقع؛ وإن كان مؤلمًا مرًّا، ويخيفهم من أي مُحاولة لتجويد ذلك الواقع؛ ظنًّا أنَّ هذا جالب لكثير من المتاعِب، فتدفع هذه الروحُ الانهزاميَّةُ إلى التنازُل عن الحقوقِ؛ والرِّضا بما يُرْمى لهم، فهو أفضل من اللاشيء.


ظهرت تلك الروح في التعاطي عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع خبر تعيين السيد (ساجد جاويد) أولَّ وزير مسلم يتولى وزرارة الداخلية البريطانية، فأخرج الأمر عن سياقه؛ البعض رآه إنجازًا تحقق للجالية المسلمة في بريطانيا، وآخرون جعلوه دليلًا على نزاهة النظم الغربية وعدالة التوظيف فيها، وتناسى هؤلاء أن المسلمين في المجتمعات الغربية جزء من مجتمعاتهم؛ يحق لهم -كما يحق لغيرهم- أن يعينوا ويُختاروا للمناصب العليا في مجتمعاتهم؛ فليس الأمر منة ولا منحة؛ فحق المواطنة الذي صدعتنا به النظم الغربية وادعائها هضمه مع الجاليات غير المسلمة في دول مسلمة؛ مع ما يناقض ذلك من وقائع تاريخية تثبت أن الحضارة الإسلامية لم تهضم حق أي من مواطنيها في التوظيف والترقي؛ بل كان بعض الوزراء والعمال في كثير من حقب الدولة المسلمة على مر التاريخ مواطنين يدينون بغير الإسلام، وفي حقبة التاريخ الحديث والمعاصر تولى رئاسة وزراء مصر أكثر من مرة قبطي، والأعجب من ذلك أن التاريخ لم يعرف الإقصاء الوظيفي والمجتمعي والتمايز الطبقي بل و(الأبارتايد) إلا على يد تلك الحضارة مزدوجة المعايير.


فبريطانيا كحالة لن ينسى لها التاريخ محاولاتها وجهود مؤرخيها لطمس حقبة من تاريخها، وإسقاطها بالكلية من التأريخ؛ فقط لأن ملكًا إنجليزيًّا عظيمًا دان بغير ملتهم؛ على الرغم من الأهمية التاريخية لإنجازاته التي شكلت اللبنة الأولى لتوحيد إنجلترا.


ففي بحثه الماتع المعنون بـ"عصر أوفا ملك إنجلترا الأنجلوسكسوني 757- 796م" يذكر الأستاذ الدكتور (مصطفى الكناني) أستاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعة أسيوط أن الملك (أوفا ركس (Offa Rex ملك (ميرسيا (Mercia أو ما يطلق عليها اسم (إنجلترا الوسطى (Middle England، والذي تولى العرش عام 757م بعد مقتل ابن عمه الملك (إيزلبالد Izlbald) خلال حرب أهلية نشبت استطاع أن ينتصر فيها, غير أنها تسببت في صدع داخلي, كلَّفه سبع سنوات لرأبه, واستطاع بعدها توحيد الممالك الإنجليزية السبع تحت حكمه، فشكلت ما يعرف بـ(إنجلترا اليوم)، أمثال (كنت (Kent و(وست (West، و(ساكسونس (Saxons، و(ولش(Welsh، و(وساكس(Wessex، و(نورثومبياNorthmbia)؛ فوسع بذلك دائرة نفوذه حتى شمل كل أجزاء إنجلترا تقريبًا، وبهذا يعتبر أول من وحد الأنجلوسكسون.


لقد كان الاكتشاف الأثري المهم عام 1841م؛ كاشفًا للأسباب التي جعلت الكنيسة تعمد  إلى إخفائه من حقبة تاريخية مهمة في التاريخ الإنجليزي؛ فقد تم اكتشاف قطعة ذهبية محفوظة الآن في شعبة النقود القديمة بالمتحف البريطاني، تحت عنوان “ “Coin of the King Offa Rexنقش على أحد وجهي القطعة كتابة باللغة العربية بها أخطاء إملائية؛ تعزى لجهل الذين سكُّوا العملة باللغة العربية، وهي "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، وفي الحافة كتبت عبارة "محمد رسول الله"، ثم عبارة "أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله"، أما في وسط الوجه الثاني فنقشت كتابة عربية أخرى وهي "محمد رسول الله". وفي وسط هذه الجملة سجل اسم الملك "أوفا" باللغة الإنجليزية. أما في الحافة فقد كتب باللغة العربية: "بسم الله.. ضرب هذا الدينار سبع وخمسين ومئة"


ويذكر أنه قد وصلت الأخبار إلى الفاتيكان بأن الملك (أوفا ركس) قد أعتنق الإسلام، وهدد بخروج إنجلترا من الكنيسة الرومانية، فأرسل البابا (أدريان الأول 772 – 795م) ولأوَّل مرة منذ دخول إنجلترا للمسيحية بعثة في عام 786م، تحمل كبار مبشِّريها لمحاولة منع شعب إنجلترا من ترك دينهم ودخول الإسلام، وحرضت الفاتيكان (مملكة ويلز) على الدخول في حرب ضد (أوفا)؛ مما جعله يُشيِّد سورًا عظيمًا لحماية بلاده من غزو القبائل الإسكتلندية في الشمال وماتزال آثاره باقية حتى اليوم، ويشكل هذا السور حاليًّا الحدود النظرية الفاصلة بين إنجلترا وإسكتلندا ويعد معلمًا تاريخيًّا وسياحيًّا مهمَّا لا يزال يعرف بـ"سور أووفا" أو (Offas Dyke)، ويذكر بعض المؤرخين أنه بني للحفاظ على قطعان الأغنام الإنجليزية من الوقوع في البحر.


ووطد الملك (أوفا ركس) علاقات قوية مع الدولة العباسية؛ ولفقد كثير من الوثائق عن تلك الحقبة نتيجة قرار الكنيسة بإتلاف كل مراسلاته وسجلات دولته، وتجاهل المؤرخين الصليبين لشخص الملك نفسه؛ فلم يعرف حتى الآن على وجه التحديد كيف دخل (أوفا) الإسلام ولا قصة إسلامه.


ووصل تآمر بابا الفاتيكان لأن يتحالف مع الإمبراطور (شارلمان) لغزو إنجلترا، فاضطر (أوفا) إلى عقد صلح معه على أن يدفع له قدرًا من المال، فعمد إلى صك العملة المدون عليها لفظ التوحيد ليدفع بها ما فرضوه عليه من أموال، ولما تأكدوا من إسلامه عمدوا إلى اغتياله وقتله؛ ففي يوم الجمعة 29 من ي وليو 796م/ 17 من جمادى الأولى 180ه قُتل الملك (أوفا ركس), ودُفِن في مصلى صغير غير معروف على البحر قيل إن البحر عدى عليه فأخفاه على غير عادة ملوك (ميرسيا) الذين كانوا يُدفنون في كاتدرائيتهم؛ فرحم الله الملك أوفا.


لقد كانت الحضارة الإسلامية صادقة في إقرارها أن المواطنة واجبات وحقوق، وحققتها لجميع مواطنيها من كل الطوائف، ولم تعرف الازدواجية المقيتة لا في تطبيق العدالة، ولا في ترقي المناصب والوظائف، فلم يجد قاضيها غضاضة في أن يستدعي أمير أحد أقطارها موقوفًا تحت سيف عدالتها ليحقق في مظلمة ضده تقدم بها قبطي، ولا بد أن نعي الآن أن المسلمين في أصقاع الأرض جزء لا يتجزأ من مجتمعاتهم، طالما أدوا واجباتهم فلتؤدَّ لهم حقوقهم في التوظيف والترقي وعدم التمييز، فإن حدث فليس في الأمر منة ولا منحة من أحد.


* صحفي وعضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية



تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع زيادة أسعار السلع الفترة المقبلة؟

  • ظهر

    11:56 ص
  • فجر

    03:23

  • شروق

    05:00

  • ظهر

    11:56

  • عصر

    15:36

  • مغرب

    18:53

  • عشاء

    20:23

من الى