• الجمعة 17 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر09:02 ص
بحث متقدم

ساركوزى وكوشنر..يا شماتة الطغاة فينا

مقالات

ما يحدث الآن أمام القضاء الفرنسى بخصوص تلقى الرئيس الفرنسى الأسبق ساركوزى 50 مليون يورو من القذافى أثناء حملته الانتخابية لم يكن العار الأول فى تاريخ البشر والسلطة والفساد ولن يكون العار الأخير.
وما أعلنته الواشنطن بوست عن تلاعب جاريد كوشنر(كبير مستشارى الرئيس الامريكى وزوج ابنته) بالمعلومات التى تصل إليه من التقارير اليومية التى تأتى للبيت الابيض من جهاز الاستخبارات الأمريكية..أيضا لن يكون الدليل الوحيد ولا الأخير على ثنائى الفساد الشهير(السلطة والمال) وبالانتخابات!؟. 
لكن المؤكد أن(فكرة الديمقراطية)كشكل أخير للتعبيرعن السلطة وحيازاتها تمر بامتحان تطبيقى صعب للغاية. والموضوع بالفعل مفتوح للنقاش من فترة طويلة خاصة مع اتساع وانتشار مفهوم العولمة وتضخم الشركات الكبرى وتجاوزها لحدود الأوطان عبر فروعها التى تملأ قارات الدنيا الخمس وما تبع ذلك من استثمار ضخم فى مجال الإعلام والدعاية والإعلان (لاحظ أن فكرة التنمية البشرية والاهاجيص المصاحبة لها مثل كيف تضحك وكيف تومىء برأسك وكيف تهز أكتفاك انتشرت فى نفس التوقيت)ويضاف الى ذلك بالطبع اتساع دوائر التفاهة اتساعات وسيعة..حتى أن الكاتب الفرنسى/التشيكى الشهير ميلان كونديرا وحبيب أصدقائنا اليساريين وصاحب أشهر روايات القرن الماضي(الفالس الأخير)و(كائن لا تحتمل خفته)كتب عام 2014 رواية بعنوان(حفلة التفاهة)يشبه فيها المجتمعات الآن..كمن يحاول الحفاظ على فقاعة صابون ويبالغ في حمايتها فقط لأن انعكاس الشمس عليها يشكل ألون قوس قزح..لكن حقيقة ياأخوتى هو لا يحمل قيمة..أى قيمة.والتفاهة هنا مشابهة للجهد الذي يبذله أحدهم للحفاظ على(الفقاعة)السابقة في ظل عاصفة هائجة.الجهد الجماعي للبشرهنا للحفاظ على هذه الفقاعة الصابونية التي نمتلكها في سبيل الاحتفاء بهذا اللاشيء الذي يشكل أساس حياة هؤلاء البشر وكلٌ فى التفاهة غارقون ..إنها الكلمات العظيمة حين تكتب بإحساس أعظم منها.
نيقولا ساركوزي السيد الأكبر كما يمنحه وسام الصليب الأكبر هذا اللقب والرئيس الأسبق لفرنسا قلعة قلاع الحريات والأنوار من مواليد 1955( من جيل السبعينيات!!) يهودى مجرى ولد في باريس درس العلوم السياسية وانخرط فى العمل العام من منتصف السبعينيات أصحابه وزملاؤه قالوا له إن لديك كاريزما تجذب الجماهير فعليك ان تطل على الجماهير بكاريزماك الساحرة..هم يسعدوا ويفرحوا ويصفقوا وينتشوا..وأنت تصبح زعيما تنال الشهرة والمال والقوة..ففعل الرجل وأخذ يصعد السلالم درجة درجة من أول عضوية اللجنة المركزية للتجمع من اجل الجمهورية  إلى  رئاسته لهذا الحزب..واستمراره فى هذه الرئاسة بعد تحوله إلى اسم جديد(الاتحاد من اجل حركة شعبية)..وشغل مناصب وزير موازنه ووزير اتصالات ووزير اقتصاد ووزير داخلية ثم رئيسا للجمهورية عام 2007 إلى 2012  وفشل فى الانتخابات لدورة ثانية أمام اولاند ..صديقه فى عالم الأموال والأسرار زياد تقى الدين (فرنسى من أصل لبنانى) كان الوسيط فى صفقة القذافى ثم هو الذى فضحه بعد ذلك !!..الطريف ان ساركوزى كان من أشد المؤيدين لضرب الناتو لقوات القذافى التى كانت تقتل الليبيين فى مظاهرات 2011 تماما بالضبط كما فعل بشار حافظ الأسد مع شعبه من أول مظاهرات(درعا)وطبعا أسباب تدخل الناتو سريعا فى ليبيا وعدم تدخله فى سوريا التى كان الحاكم يقتل فيها شعبه يوميا بالمئات مفهومة..بيرلسكونى صاحب الصورة الشهيرة له وهو يقبل يد القذافى قال ان ساركوزى لم ينتظر نتائج اجتماعات الناتو وبدأ الغارات الجوية و تتبع القذافى حتى قتله والتمثيل بجثته..ولأن الفضيحة ياإخوتى ترفض طول الاختفاء..ولأن للتاريخ ممرات ماكرة ودهاليز محتالة ومسائل مثيرة للجدل فجاء الصديق زياد وتكفل بالباقى..وجىء بالرجل أمام القضاء وفتح التحقيق مع ساركوزى السيد الأكبر..لكن القضاء الفرنسى الذى سأل عنه ديجول بعد تحرير باريس من الألمان فى 25/8/1944 ..فسأل من أول يوم(هل القضاء بخير؟) فقالوا له:نعم..قال(إذن فرنسا بخير)..كان ديجول أستاذا من أساتذة الزمن الماضى..القضاء الفرنسى هو هنا السيد الأكبر يا إخوتى..وليس كاريزماتى  بهلوان يضرب وزيرة خارجية(السيدة هيلارى كلينتون)على مؤخرتها على سلالم الاليزيه. النيابة المالية الوطنية فى فرنسا وصفت ساركوزى بـ(المجرم المخضرم)واعدت له لائحة اتهام من 79 صفحة وقالت أن هناك ما يكفي من الأدلة لمقاضاة ساركوزي..ما ظهر لنا من فضائح المال والإعلام والسلطة والانتخابات فى حالة نيقولا ساركوزى هو الجزء البارز فقط من جبل الجليد الغاطس فى أعماق أعماق بحر الفساد والشهوات البشرية(نساء ومال ونفوذ)..يقولون أن هناك ألاف القصص والحكايات فى كتاب السلطة والانتخابات قد تكون افضح من ساركوزى الذى يكاد يكون الأن جثة هامدة مهمشة فى قعر بئر.
النموذج الثانى الذى يشمت فينا الطغاه ويفرحهم وهو نموذج (جاريد كوشنر)وهو للمصادفة الصديفة يا اخوتى يهودى من أصول روسية. والده ملياردير عقارات شهير تبرع لجامعة هارفارد ب 3 ملايين دولار أثناء تقدم ابنيه للدراسة بها ..زملاؤه يقولون انه لم يكن يحوز الشروط الكافية للالتحاق بهارفارد لكنه تخرج منها دارسا لعلم الاجتماع عام 2007 (الوجاهة العلمية لخريج هارفارد مفتاح لكل المغاليق الغليقة) ويتزوج بابنة ترامب عام 2009  التى تحولت الى اليهودية..كوشنر وقف الى جانب (حماه) فى الانتخابات ودعم الحملة ماليا رغم أن الرجل لا يحتاج..وكان مسؤولا فى الحملة عن مواقع التواصل على الانترنيت وكان الوسيط الرئيسي بين ترامب والحكومات الأجنبية خلال الحملة الانتخابية خاصة فى الشرق الأوسط ؟؟؟!!!.
الديمقراطيون اتهموا ترامب بمحاباة الأقارب بسبب تعيين صهره كوشنر وأشاروا الى قانون كان قد أصدره الرئيس ليندون جونسون عام 1967 يمتنع بموجبه الموظفون العموميون عن توظيف أقاربهم في الوكالة التي يعملون بها أو يرأسونها وكان ذلك بسبب تعيين جون كيندى لأخيه روبرت مدعى عام سنة 1960..ومع ذلك استمركوشنر ياإخوتى 
موقع ديبكا الاسرائيلى الشهير والوثيق الصلة بالمخابرات العسكرية أعرب عن تفاؤله بتعيين(اليهودي)هكذا قالوا ..جاريد كوشنر مسؤولاً عن الصفقات التجارية وقضايا الشرق الأوسط وكبيرا للمستشارين فى البيت الأبيض وقد سبق للرئيس ترامب أن صرح بأن كوشنر يعرف المنطقة جيدا ويعرف الناس ويعرف طرفي النزاع!! وبالرغم من عدم امتلاكه أي خبرة سياسية وخصوصاً في قضايا الشرق الأوسط بسبب انشغاله بالسمسرة فى العقارات..إلا أن إصرار ترامب على الزج به للاضطلاع بمثل هذا الدور الهام والصعب كان بسبب ثقته بقدرة زوج ابنته في هذه اللحظة التاريخية من عملية السلام المتوقفة على فعل شيء لتحريكها..ترامب قال أن كوشنر اليهودي المتدين يستطيع أن ينجح في ما أخفق فيه مفاوضو السلام الأكثر حنكة وخبرة..كوشنر وترامب كانا من اكبر المتبرعين لحملة نتينياهو الانتخابية عام 2007 ..هل ترون يا اخوتى أن الدقيق والزيت اختلطا مبكرا جدا..وكله على حساب الناخب الامريكى الذى يعيش عصر الفرجة والتفاهة..ويا شماتة الطغاة فينا وفى من يتحدث عن الديمقراطية والحريات السياسية..ليتأكد لنا كل يوم أنه لا يمكن انجاز إصلاح دون إصلاحيين حقيقيين ومناخا مؤهلا
المفكر ناعوم تشومسكى سيد الأحلام الإنسانية الجميلة الذى اهتم كثيرا بمسألة الإعلام وتأثيراته المرعبة على الشعوب وإدارتها وتحريك إرادتها على ما يراد لها..لاما تريد هى فى سعيها الطبيعى نحو الحق والقوة والعدل والكرامة والحرية.. تشومسكى له فى المكتبات كتاب مشهور بعنوان(هيمنة الإعلام )معظم أفكاره امتداد لرواية جورج اورويل الشهيرة( 1984م) التى كتبها عام 1948م فرفع الحجاب عن الحقيقة وتنبأ بدور وسائل الإعلام فى التحكم والسيطرة على مشاعر الناس وتوجيهها الوجهة التى تحددها السلطة المركزية..وأوضح فيها الاستعداد المدهش لدى غالبية الناس لتصديق ما يقال لهم مهما كانت درجة مخالفته للعقل ..شرط أن يجرى ترديده بالدرجة الكافية من التكرار وإذا ما اقترن هذا الترديد والتكرار بإثارة الشعور بما يسميه أورويل (الوطنية الساذجة)التي تنطوي على التسليم بكل ما يقوله القائد..واعتبار الوطن والقائد شيئا واحدا..
وكنت قد كتبت عن مقاله هامة كتبها تشومسكى اعتمد على ما وصفه بوثيقة مجهولة المصدر عنوانها(الأسلحة الصامتة لحرب هادئة)ذكر فيها عشر بنود تحكم الحالة الإعلامية الهادفة الى السيطرة على الجماهير الغفيرة.
يقولون ان الأزمة هى الجسر بين مرحلة آفلة ومرحلة وليدة ..لكن المرحلة طالت قليلا يا اخوتى..لقد أصبحت الديمقراطية فارغة المحتوى وهى فى طريقها إلى أن تصبح(عارا تاريخيا)وليس كما توقع لها المفكرون والفلاسفة والمصلحون..من أنها الوسيلة المثلى لحل معضلة السلطة فى أن تحكم الشعوب نفسها بنفسها..لقد تطورت وسائل التأثير والإقناع إلى حدود مرعبه ويكفى فقط مسألة(التكرار)والإلحاح فى التكرار. 
ألف كتاب وكتاب فى الديمقراطية والوعى بها والارتقاء بالتعليم وبوعى الجماهير لن يكون لها عشر معشار تأثير الدعاية الإعلامية فى صياغة وتوجيه الوعى..إنه النزاع التاريخى يا إخوتى بين العقل والأهواء المنفلتة من عقالها ..وليس هناك حل لهذه المعضلة الأليمة إلا بفصل السلطات فصلا تاما وصلبا..واستقلاليتها استقلالا تاما وكاملا..خاصة من الناحية المادية والإدارية. أما حالة التداخل المريب هنا وهناك فلن يكون أكثر من مسرحة وتمثيل أدوار وما علينا سوى الرضوخ المكره للواقع والعودة إلى ما قاله الشاعر يوما : تلو باطلا وجلو صارما **وقالوا صدقنا قلنا نعم ..
والصارم يا اخوتى قد لا يكون السيف البتار فقط..ولكنه أيضا المال المدرار..والمنصب المختار.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • ظهر

    12:04 م
  • فجر

    03:57

  • شروق

    05:27

  • ظهر

    12:04

  • عصر

    15:42

  • مغرب

    18:41

  • عشاء

    20:11

من الى