• الأربعاء 21 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر05:55 م
بحث متقدم

رحلة في النهر (1)

وجهة نظر

حاتم حجاب
حاتم حجاب

د. حاتم حجاب

وكان أن وصلنا إلى بلد يُصِّر أهلها أن يُسَمُوها المحروسة رغم توافد الغزاة عليها، قديما، من كل بقاع الأرض، لها نهر عظيم كان أهل تلك البلاد، منذ آلاف السنين، يُقَدسونه ثم أصبحوا اليوم يلوثونه، وربما يفعلون به مستقبلا مالا نعرف.

وكان أن إسترحت مع شريك تجارتي قليلا وقضينا ليلتنا الاولى في ترتيب بضاعتنا التي نَتّجِرُ بها وتجهيزها لرحلتنا القادمة إلى أعالي البلاد حيث السوق الكبير الذي نذهب إليه للمرة الأولى.

في الصباح، صلينا الموقوته ثم ذهبنا إلى أصحاب القوارب، ويقول لها أهل البلاد مراكب، نبحث عمن يحملنا وتجارتنا عبر النهر، وكان أن وجدنا مبتغانا في رجل أسمر البشرة، مجعد الشعر يعتمر عمامة فوق رأسه تدور حول ما تعرف لدي أهل البلاد بالطاقية. وكان صحابنا، ويطلق عليه المراكبي، يرتدي سروالاً أبيضاً فضفاضاً بدت عليه آثار الأيام ويضع فوق جسده صوفية تمتد لرقبته وفوق منها وضع ما يشبه الصديرية، بيضاء مخططة لها أزرار مدورة من الخيط يدخلها في حلقات دائرية على الجانب الآخر من الصديرية إذا ما أراد أن يجمعها فوق صدره.

وكان مراكبينا حافي القدمين ما أثار دهشتنا، ولكننا لما رأينا حِذقه في تثبيت قدميه فوق سطح القارب (او المركب) ليغير من حركته ويتحكم بهما فيها علمنا كم هو ماهر في صنعته بارع في فنه. وكانت له إلى جانب هذا عينين حادتين وجبهة عريضة تظهر من تحت عمامته بها ما بها من أخاديد خدَّها الدهر عليها تظهر من الحكمة أكثر ما تظهر من السن التي كان يبدو من هيئته أنه يقاربها.

إتفقنا مع صاحبنا ونقدناه ما أراد وإتفقنا على أن يتوقف بنا في مدن عدة نراها ونتعرف على أهلها فتكون رحلتنا تجارة وسياحة ومعرفة وتفكه كل في آنه، ثم إِتَّكَلنا على مُسّيرنا في البر والبحر وبدأنا رحلتنا معه بإسم الحافظ الرحمن.

منطلقة من مدينة يقال لها رشيد، سارت بنا القارب عبر فرع للنهر العظيم يقال له فرع الرشيد (أو رشيد) فمرت بنا على مدن كبرنبال وإبيانه وفزوره ثم فوه والمحمودية حتى وصلنا مدينة كبيرة يقال لها دسوق. رسونا عند دسوق وخرجنا نشاهد المدينة ومن بها من بشر وما بها من مبان حتى وصلنا إلى مسجد عظيم فيها، عامر بالمصلين وأصحاب الحاجات ممن يعتقدون بكرامات شيخ له مقام كبير هناك. صلينا ما شاء الله أن نصلي ثم خرجنا إلى قاربنا ووجدنا صاحبنا، صاحب القارب، ينتظرنا، فتشاركنا الطعام وإنطلقنا في رحلتنا وإذا بالرجل يشتكي قلة الماء في النهر وكيف أنه يخاف أن "تشحط" به مركبتنا، فقلنا له أن إستعن بالله عليه مرساها ومجراها وهذا ما فعلنا جميعا. ثم سأله شريكي إن كان يعاني مع النهر ما يعانيه في كل رحلة له فقال أن الحال إنما هو طارئ على النهر منذ سنوات قلائل وأنه يسمع من الناس أن سداً عظيما أقيم في أعال النهر يمنع الماء من الجريان في النهر بكامل طاقته وأنه يخشى أن يأتي يوم لا يجد فيه رزقه إن إستمر الحال على ما هو. وكان أن أتبعه شريكي بأسئلة عن حياته وعائلته ثم سألته انا عن سر هذه اللوحات المصنوعة من القماش والتي تحمل صورة لشخص واحدٍ ورمزاً يشبه النجمة فقال إنه يسمع من الناس أن هذا ميقات يوم معلوم لإختيار الوالي الجديد للبلاد! فعجبنا أيّما تعجب أن يختار الناس ولاتهم، وقلنا نعم الوالي المدبر ومرحبا بالمقبل، فقال أن الوالي لن يقبل أو يدبر بل سيستمر وأنه يعرض نفسه على الناس لإختياره ليتولى أمرهم سنوات أربع قادمة يتعهد أن يصون فيها أرض البلاد وأرزاق العباد. فقلنا وهل يستطيع أهل البلاد إختيار غيره، فما رد علينا كأن لم يسمع ما قلناه، رغم ما بدى لي من إدراكه ما قلناه. فسأله شريكي وصاحب رحلتي أهناك معه من تختارونه؟ قال نعم. سمعت من بعض زبائني وهم يتحدثون أن الأمر أن هناك من تقدم للناس ليفاضلوا بينهم وبين الوالي غير أنه ما إن يتقدم أحدهم حتى يختفي؛ ويقال لنا أن أحدهم شعر بعبء وهموم المسؤولية ففر بجلده، وآخر إنما نسي أنه يعمل في عمل يمنعه من تولي أمر الناس وثالث هوجم من عصابة فما عاد يرجو إلا علاج جروحه وقضاء بقية حياته بين أولاده وآخر لا يدري ما حل به. فعدنا وسألنا: ولكن كيف يكون الإختيار إن لم يكن هناك من يُختار!؟ فقال وقد إنفرجت سرائره كالعالم ببواطن الأمور: بل لدينا آخر ينافس الوالي على منصبه وإن كان كما علمت من حديث الناس لا يترك فرصة إلا ويؤكد أنه إنما جاء لمنافسة الوالي، لا يتركه وحيداً في هذا الحدث وإن كان يقسم بأغلظ الأيمان غير حانث ولا مرتكب بهتان أنه يؤيد الوالي ويراه الأفضل والأحسن والأقدر والأوفر على الإضطلاع بالمسؤولية العامة والخاصة من أهل البلاد. فعجبنا من متنافِسَين لا يتنافسان وإنما يتعاضدان، ويؤيد أحدهما صاحبه. فقلنا فإن كان الحال كذلك فعلام الأموال المنفقة المهدرة على كل هذه الأقمشة واللافتات؟ فقال أنه لا يدري وإن كان قد سمع مرة من زبائنه كلاما عجيبا من أن هناك مؤسسات من دول أخرى تراقب ما نفعل في بلدنا وأنها مجتمعة يقال لها المجتمع الدِولي وأنه كوطني حُرّ يرفض أن يكون لأحد عليه وعلى أهل بلاده سلطة، فيكفيه ما فيه مما هو فيه.

سكتنا ونظرنا أمامنا فقد كنا نقترب من نقظة إلتقاء فرعنا من النهر بشقيقه وكان المنظر ساحراً….

قصة بقلم/ د. حاتم حجاب

الولايات المتحدة الأمريكية


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • عشاء

    06:29 م
  • فجر

    05:05

  • شروق

    06:32

  • ظهر

    11:46

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى