• الأربعاء 21 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر07:30 ص
بحث متقدم

معارك الرجال.. والأعمال بقدرها!

مقالات

الشيخ على الغياتي شخصية ربما تكون غير معروفة في التاريخ المصري الحديث؛ فقد كان واحداً من أعضاء الحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل ـ رحمه الله ـ عام 1907، وقبل وفاته بأربعة أشهر تقريباً.
الغياتي أصدر ديوان شعر عام 1910 بعنوان "وطنيتي"، ومجاملة له كتب محمد فريد (خليفة مصطفى كامل) وعبد العزيز جاويش مقدمة له.
الديوان بمعايير الوقت الذي صدر فيه كان صادماً؛ لأن عنوانه كان غريباً على مسامع المصريين الذين اعتادوا العيش في كنف أمة تستقي شرعيتها من قيمة أسمى وأكبر من الانتماءات العرقية، وهي الإسلام.
الغياتي مهّد لديوانه بمقدمة طويلة تقارب (30) صفحة، حرص فيها على الاقتداء بالوطنية الفرنسية، وطالب ـ فيما يعتبر أول مثقف مصري ينحو هذا المنحى ـ بضرورة أن يكون لمصر "نشيد وطني"، ونقل في ديوانه ترجمة للنشيد الوطني الفرنسي المعروف بـ "المارسلييز"، بل كان الرجل أكثر جرأة عندما قدّم ترجمتين لنشيدين فرنسيين آخرين هما "فرنسا" و"الوطن"، واختار منهما ما رأى أنه يناسب مصر، واختتم مقدمته بهذه الفقرة "فحيا الله فرنسا؛ فقد أفاضت على الأمم من معين الحرية عذباً زلالاً، وجاهدت في سبيل الوطن جهاداً وعت القلوب ذكره، وأُشربت النفوس حبه، فعسى أن نكون على آثارها مهتدين، وعلى منوال شعرائها ناسجين، حتى نغدو بنصر الله فائزين، والله مع الصابرين".
الديوان صدر ـ كما أسلفت ـ في ظروف سياسية لا تعترف بـ"الدولة الوطنية"، وكان متوقَّعاً له أن يحدث جلبة فكرية وثقافية كبيرة، كما نرى ونسمع من تجارب مشابهة في مصر الآن.. ومع ذلك مرت الأزمة دون أن يشعر بها أحد؛ فقد صودر الكتاب، وقُدّم الغياتي وفريد وجاويش للمحاكمة، بتهم "جنائية" وليس في قضية رأي أو نشر.
ولا يكاد أحد يعرف عن الغياتي شيئاً ولا عن ديوانه إلاّ القليل من الباحثين المهتمين بتاريخ الأدب المصري الحديث؛ لأن النخبة في ذلك الوقت ـ وإلى وقت ليس بالبعيد ـ كانت تُقدّر الرجال والأعمال بقدرها، ولا تهدر الوقت في معارك إلاّ إذا كان العمل وصاحبه من الشخصيات الفكرية والعلمية ممن لهم سلطة اعتبارية على اتجاهات الرأي العام، ويُخشى منه فتنة الناس وتضليلهم وصدهم عن سبيل الحق.
عندما صدر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ على عبد الرازق عام 1924 كان الأمر يختلف؛ فالشيخ ينتمي إلى أسرة كبيرة وغنية (كانت تملك سبعة آلاف فدان) في صعيد مصر"المنيا"، ووالده واحد من كبار السياسيين المصريين، وشارك في تأسيس حزب "الأمة"، وتأسيس صحيفة "الجريدة"، وشقيقه هو العالم الكبير شيخ جامع الأزهر الشيخ مصطفى عبد الرازق، والذي تولى وزارة الأوقاف ثمانية مرات.
وعلى عبد الرازق هو شيخ أزهري درس في جامعة (أكسفورد) البريطانية، وكان قاضياً معروفاً، ولذا فإن كتابه المثير للجدل تصدّى له علماء كبار في حجم ووزن الشيخ محمد الخضر حسين، الذي وضع كتابه الشهير "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" .
وعندما صدر كتاب د. طه حسين "في الشعر الجاهلي" عام 1926 أثار ضجة كبرى شارك فيها كبار العلماء والأدباء والمثقفين، أمثال الغمراوي، ومحمد فريد وجدي، ومحمد الخضر حسين، ومصطفى صادق الرافعي، الذي جمع كل مقالاته التي رد فيها على طه حسين في كتابه الكبير والرائع "تحت راية القرآن".
أبطال هذه المعارك بكل أطرافها كانوا كباراً، فعلى عبد الرازق وطه حسين ـ على الرغم مما أثاراه من جلبة اختلف عليها الكثيرون ـ كانا كبيرين فتصدى لهما "الكبراء" ممن يعدلونهم أو يفوقونهم علماً ومكانة ومنزلة في نفوس الناس.. صحيح أنها معارك جعلت كتاباً مثل "الإسلام وأصول الحكم" حياً إلى الآن بين صفوف غلاة العلمانيين، إلاّ أنها في النهاية خلّفت تراثاً عظيماً في الفكر والفقه السياسي الإسلامي، مثل كتاب الخضر حسين في رده على الشيخ عبد الرازق، والذي يُعدّ واحداً من أهم الدراسات الحصيفة والكبيرة التي توسّعت في شرح مفهوم الدولة في الإسلام، وهو الكتاب الذي لم يأخذ حقه حتى الآن لأسباب تتعلق بالنفوس الكارهة للتجربة السياسية الإسلامية.
إن الكثير من الأعمال الأدبية والفكرية التي ظهرت في العشرين عاما الأخيرة، كان يمكن أن تلقى المصير ذاته الذي لقيه "على الغياتي" في بدايات القرن الماضي، وبتكلفة بسيطة جداً، لو أبقى المثقفون الإسلاميون عليها في حدود وزنها العلمي، بصفتها أعمالاً "مشاغبة" قد تُهدر الوقت والعمر فيما لا يُرجى منه فائدة.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • ظهر

    11:46 ص
  • فجر

    05:05

  • شروق

    06:32

  • ظهر

    11:46

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى