• السبت 23 مارس 2019
  • بتوقيت مصر08:09 ص
بحث متقدم

ما الذي أغضب السيسي اليوم ؟!

مقالات

لم يكن الرئيس عبد الفتاح السيسي غاضبا وشديد التوتر مثلما كان اليوم ، وهو يتحدث في احتفال افتتاح حقل "ظهر" للغاز ، والذي يمثل دعما مهما لمنظومة الطاقة في البلاد ، وأرسل رسائل عديدة بدت مجهولة العنوان ، لا تدري لمن يرسلها ، خاصة وأنها رسائل تحمل صيغة التحذير للطرف المفترض أنه يستقبلها ، كما صدرت منه همهمات السخرية مرارا "هه" وهو يطلق هذه التحذيرات ويقول : احذروني ، انتم باين عليكم ما تعرفونيش ، أنا مش بتاع سياسة وكلام ، كما قال أن ما حدث في مصر قبل سبع سنوات لن يتكرر مرة أخرى ، وهو ما فسره بعضهم بثورة يناير ، وهي مسألة أصبحت شديدة الالتباس ، لأن الرئيس يطلق أحيانا رسائل إكبار وتقديس لثورة يناير وانتفاضة الشعب ضد الظلم ، باعترافه ، وفي مرات أخرى يتحدث عنها باعتبارها فوضى وعملا كريها يهدم الدولة أو يعرضها للخطر والسقوط ، كما أشار الرئيس في مداخلته إلى أنه قد يلجأ إلى المصريين لمنحه تفويضا جديدا لمواجهة من أسماهم "أهل الشر" مفسرا ذلك بأنه ستكون هناك إجراءات ، كما قال أن البعض يتكلم فيما لا يعلم ولا يفهم معنى الدولة ، وأنه ظل خمسين سنة يدرس يعني إيه دولة ، وأقسم على ذلك ، كما كرر أنه لن يتمكن أحد من أن يلعب في أمن مصر طول ما هو موجود ، ومن يفكر في أن "يعبث" في مصر يعرف أنه سيبدأ به أولا .

هذه هي الرسائل التي حملتها كلمات السيسي في حفل "ظهر" وقد أكد على أنه نجح في انتزاع حق مصر في هذا الحقل ووفر على البلاد عشرات المليارات من الدولارات ، والحقيقة أن مقارنة عبارات الرئيس بما قاله في مواقف سابقة ، رغم أنه كان يطرحها عادة في خطاب مشبوب بالعاطفة والبساطة ، إلا أنه ثبت أنه كان يقصد إشارات بعينها ، ويحاسب الناس عليها فيما بعد حتى لو نسوها ، وبالتالي فلنا أن نتأمل جيدا في تلك الرسائل الجديدة ومحاولة استشفاف ما وراءها أو مقصد الرئيس الحقيقي منها .

حديثه عن أن ما جرى قبل سبع سنوات لن يتكرر ، فسره البعض ـ بمن فيهم وكالات أنباء عالمية ـ بأنه يقصد ثورة يناير ، حيث نزلت الجماهير الغفيرة في الميادين والشوارع وأربكت نظام مبارك ، واضطر المجلس العسكري إلى إعلان انعقاده الدائم لمتابعة التطورات في البلاد قبل أن يطلب من مبارك في النهاية أن يعلن تنحيه عن السلطة ، والذي تم من خلال بيان اللواء عمر سليمان الشهير .

كما أن الرسالة المهمة الأخرى هي المتعلقة بإعلانه احتمال اللجوء إلى ما أسماه "تفويض" من الشعب لمواجهة من أسماهم "الأشرار" ، ولا نعرف من يقصد بهذا التعبير ، ولكن المؤكد أن الإشارة خطيرة لأن التفويض الأول أعقبه حوادث دموية وفض تجمعات جماهيرية بقسوة بالغة ما زال المجتمع يعاني شرخها حتى اليوم ، فهل هي إشارة جديدة إلى أنه لن يتردد في استخدام تلك المستويات العالية من القسوة في مواجهة أي مظاهرات أو احتجاجات شعبية ، خاصة وأنه ساقها في أثناء حديثه الغاضب والتحذيري .

كذلك في مداخلته ربط ضمان أمن واستقرار البلاد بوجوده ، والحديث عن أنه "طول ما هو موجود" سيحمي البلد ولن يسمح لأي عابث بالاقتراب منها أعتقد أنه تعبير مبالغ فيه ، وربما نتج عن العاطفة في الكلام ، لأن مصر الوطن وحتى الدولة ، بقيت رغم كل ما مر بها من أزمات أخطر كثيرا مما يحدث الآن ، مصر تبقى والقيادات تذهب بعد أن تقدم ما تقدمه لبلادها ، أصابت أو أخطأت ، فالأوطان باقية ، ومسألة ربط مصير الوطن أو أمنه واستقراره بمصير الحاكم فرضية خطيرة وانعكاسها غير مطمئن في مدى الثقة باستقرار الدستور والتعهدات ، لأنه يفترض أن يقوم السيسي بتسليم السلطة بعد أربع سنوات أخرى إلى رئيس جديد ، بحكم الدستور الذي يمنع ترشحه لولاية ثالثة ، فهل إذا استمر ربط مصير الوطن بضمانة وجوده سنسمع بعدها مقترحات جديدة لتعديل الدستور ، بدعوى أنه حتى لا يتعرض الوطن للخطر أو للمجهول مثلا .

أيضا ، الحديث عن مسألة الوعي بفكرة الدولة ، وأنه شخصيا ظل خمسين عاما يدرس معنى الدولة ، فيه مبالغة بطبيعة الحال ، فهناك الآن قيادات رفيعة تحكم دولا كبرى وعمرها لم يتجاوز الأربعين عاما ، مثل الرئيس الفرنسي ، بل إن مستشار النمسا الجديد في أواخر العشرينات ، بل إن مصر نفسها كان يحكمها الملك فاروق ، وهي تشمل السودان معها ، وهو في سن السابعة عشرة ، وفي العالم العربي تولى ملوك ورؤساء المسئولية الكاملة عن دولهم وهم في سن الثلاثين أو أقل ، صحيح أن الوعي بالدولة وحساباتها وتوازناتها مهم للغاية لمن يتصدر للمسئولية أو حتى الخوض في الشأن العام بشكل عام ، ولكن لا يعني ذلك أن فكرة "الدولة" ملغزة إلى هذا الحد .

كان الرئيس عبد الفتاح السيسي غاضبا جدا هذا اليوم ، وهو نفسه أشار إلى أنه لم يتكلم بتلك الطريقة من قبل ، ولا ندري بالضبط ما الذي أثاره ووتره بهذه الدرجة ، فلا يوجد في الأفق المنظور ما يستدعي ، صحيح أن هناك مشكلات في الانتخابات وفي تنامي المعارضة ، ولكنها لا تمثل تهديدا حقيقيا أو وجوديا له أو لنظامه ، وهناك تسليم كامل بأنه ماض إلى فترة ولاية جديدة ، فلماذا كان كل هذا الغضب والتوتر ، لعل الأسابيع المقبلة تكشف لنا طرفا من الأسباب .


[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد إلزام المقبلين على الزواج باجتياز دورة تأهيلية؟

  • ظهر

    12:07 م
  • فجر

    04:37

  • شروق

    06:01

  • ظهر

    12:07

  • عصر

    15:35

  • مغرب

    18:13

  • عشاء

    19:43

من الى