• السبت 21 أبريل 2018
  • بتوقيت مصر09:06 م
بحث متقدم

الحاكم المتغطرس واختلالات دماغه (مئوية البكباشي)

مقالات

أخبار متعلقة

فقلت له لهذه الدرجة كرهه لى وقسوته مع من يتعاملون معه..فقال الدكتور أنور المفتى: عبدالناصر يتمتع بعصبية شديدة  غيرعادية ومريض( بجنون العظمة) ويمكن أن تقول عليه (مجنون بذاته)..هكذا حكى د/مصطفىفى مذكراته وكان هذا حوارا بينهما فى فترة منع مصطفى محمود من الكتابة ومنع مرتبه وكان الدكتور المفتى الطبيب الخاص للبكباشى وكانت له دراسات عالمية هامة فى أمراض السكر والتمثيل الغذائى.
تقول بعض الروايات أن الدكتور المفتى كتب هذا التشخيص بيده وفاء لضميره ووطنه وتركه فى الرئاسة مؤكدا أن هناك اختلالا فى صحة الرئيس يمنعه من تحمل مسؤليات منصبه..سيقتل بعدها الدكتور المفتى(51 عاما) فى ظروف غامضة(يناير 1964) وفى وفاة تبدو طبيعية لكنه كان قد أخبر السيدة حرمة بأنه تعرض لعملية تسمم.
البكباشى كان قد أمضى فى الحكم والسلطة المطلقة عشر سنوات متصلة فى ذلك الوقت وكان فى الطريق السريع الى الدرك الأسفل من إحباطاته.
إلى هنا ويأتي الكلام المفيد ..ذلك أن الدكتور ديفيد أوين (79عاما)الطبيب والسياسى ووزير الخارجية البريطانى السابق فى حكومة جيمس كالاهان(1977-1979) قد كتب دراسة علمية عميقة عن ما سماه هو(متلازمة الغطرسة) ..وكلمة متلازمة تشير إلى ما يمكن وصفه بالشىء لزوم الشىء (سيندروم) بالانجليزية وهى عبارة عن مجموعة أعراض تحدث دائما مع بعضها البعض دون رابط واضح بينها. الرجل وظف إمكاناته العلمية كطبيب وتجربته السياسية كوزير وسياسى عتيق وكتب هذه الدراسة الهامة عام 2009 وعرفتها المكتبة العربية عام 2017بعد ترجمه ا/ يوسف الصمعان له ونشرته دار جداول اللبنانية

أثر السّلطة في النفس البشرية ليس أمرا جديدا في مجال البحث والدراسة وتتبع دور السلطة في تغيير سلوكيات بعض القادة السياسيين تحديدا وإفقادهم القدرة على التقديرالصحيح وممارسة الحكم بشكل عقلاني وواقعي.
الكتاب به عرضا شاملا عن علل رؤساء دول ورؤساء حكومات تعاقبوا على السلطة في أمريكا وبريطانيا في الأعوام المائة الأخيرة وشخصيات مختلفة مثل ستالين وخروتشوف وديغول وهتلر وموسوليني  لينتهي بمحاولة اقتراح (محددات) تنهج لفهم إضطراب الشخصية المكتسب بفعل طول مدة ممارسة السلطة درس الطبيب والسياسي البريطاني تفصيلا الأمراض التي يحملها رؤساء الحكومة معهم حين يدخلون مكاتبهم أو تلك التي تظهر عليهم أثناء ممارستهم لمهامهم العليا أو تلك التي تكون نتيجة للمرض الذي يصيبهم بسبب ممارسة الحكم، لينطلق بعدها في شرح ظاهرة أشد أهمية وغير مألوفة" تتمثل بتأثير تجربة ممارسة الحكم في رؤساء الحكومات من خلال ما أطلق عليه تسمية (متلازمة الغطرسة)، التي يرى أنها شكل من أشكال المخاطر المهنية التي قد يصادفونها، كما يصادفها غيرهم في مجالات أخرى مثل المجال العسكري أو مجال الأعمال لأنها تتغذى من العزلة التي غالبا ما تحيط بهؤلاء وهي تنشأ في اعتقاده عند بعض القادة دون غيرهم  نتيجة الظروف الخارجية الخاصة والشخصية لكل منهم
يقول د/ أوين أن(الغطرسة) ليست مصطلحًا طبيًا والكلمة تعود إلى اليونان القديمة ليشرح بعدها أن هذا التصرف ينتج عندما تظهر قيادة قوية فخرا وغرورا وثقة زائدة في نفسها وتتعامل بوقاحة واحتقار مع الآخرين. 
هو يرى أن الغطرسة تنشأ بمرور الوقت فعامان في السلطة يصاحبهما الإنجاز والنجاح كافيان لتشكيل هذه المتلازمة مشيرا إلى أن شيئًا ما يصيب الاستقرار النفسي والعقلي لدى بعض الناس عندما يكونون في السلطة _حتى بدون انجازات_و يمكن التعبير عنه بعبارة برتراند راسل(1872-1970) الفيلسوف الانجليزى المعروف (خمر السلطة) أو الثمالة بالسلطة..فالسلطة كما يرى هي نوع من المخدرات التي تطيح بالعقل واغلب السياسيين لا يملكون الطبع الضروري لمقاومة هذا التأثير والغطرسة ياإخوتى عند السياسيين يصفوها أيضا بأنها نوع من فقدان التوازن _خلل بأعلى الرأس على رأى أمير الشعراء_ يظهر لديهم حين يعميهم نجاحهم الكاذب عن رؤية الواقع ويشعرون بثقة ذاتية زائدة تجعلهم يحتقرون النصيحة المنافية لأرائهم وتصوراتهم  وأحيانا النصيحة بشكل مطلق. 
يقول أن قوة الأعراض السلوكية التي تستدعي التشخيص بــ(متلازمة الغطرسة) تنمو كلما بقي رئيس مدة أطول في منصبه ويشترط ثلاثة أو أربع أعراض لظهور المرض في أصحاب السلطة قبل أن نحكم على سلوكهم بالغطرسة: النرجسية/ الميول إلى القيام بتصرفات تضعهم تحت دائرة الضوء من أجل تفخيم صورتهم/ القلق الدائم / التحدث بطريقة تبشيرية عن إنجازاته.. الحاكم المتغطرس عادة ما يصف نفسه بأنه الدولة ..وجهة نظره ومصالح الدولة شيئين متشابهين تماما .. لاشيء فوق الدولة وأنا الدولة. سيرى العالم من حوله كساحة لممارسة السلطة والسعي نحو المجد فيه وليس مكانا ملىء بالمشكلات التي تحتاج الى حلول . الإيمان المطلق بأنه ليس محاسبا أمام القوانين أو الرأي العام بل أمام الله والتاريخ .
ثمة قادة وأنظمة تحيطهم تقاليد ديمقراطية وبرلمان نشط يراقبهم  وصحافة حرة تنشر غسيلهم القذر وهذه هى أدوية الوقاية للحاكم والشعب من (متلازمة الغطرسة) .. في الأنظمة غير الديمقراطية ما أن يخطو القائد خطوتين حتى يتصور أنه مرسل من العناية الربانية  وأنه غير مطالب بتقديم كشف في الحساب لأية سلطة رقابية في الدولة.
هذا هو ما حدث يا إخوتى مع حركة الضباط الأحرار التى انقضت على رؤوسنا ومن أسف الآسفات أن يكون اخطر أعضائها هو أول من سيتولى سدة الرئاسة فى مصر الجمهورية(بغض النظر عن سنتى الرئيس نجيب بالطبع)..ليشق لكل من جاء بعده الطريق الممهد (لمتلازمة الغطرسة) . اختطف البكباشى مصر من المصريين وهشمها وسحقها باسم الثورة والشعب والجماهير ومبادىء 23 يوليو وكان القصد من كل ذلك تكريس حكم طبقة محددة حلت محل الأسرة المالكة جاءت الطبقة ومعها عائلاتها وأصدقائها والمقربين منها . كذب البكباشى على المصريين حين وعدهم بديمقراطية ترفع عن رقابهم السخرة والباشوية ليتربع على عرش مصر كديكتاتور مريع لا يتورع عن استخدام كل أساليب القهر  للنيل ممن يخالفه ليجعل من نفسه الذروة التى تتطلع لها الأعناق. ومازاد الطين بلات كثيرة إصابته بجنون العظمة الذى وصفه طبيبه الخاص بحكم المتابعة اليومية ورؤيته وسماع أحاديثه..ثم جاء د /ديفيد اوين ليضع لنا القصة كلها فى إطارها الكريه..القذافى وصدام وصالح وبورقيبة والأسد والسادات ومبارك كلهم تشربوا من نفس الإناء المقزز..كله قادر على التفجير كله عاجز عن البناء..ولو فعل الرجل وأهدى إلى أمته نظاما سياسيا صلبا يستمر بعده ويقوم على التعددية والمساءلة والرقابة ..لفعل الجميع من بعده مثل مافعل . ولكن هيهات فما كان الأمر إلا ديكتاتورية وإنكسار وتراجع و سقوط ومجموعات منخرطة فى صراع الشعارات العتيقة.. النظام السياسى فى الدنيا كلها يقوم على هيئة وشخص..هنا قامت فقط على شخص وشخص واحد..هو الحاكم المتغطرس.
يقول توفيق الحكيم: (لم يكن الرجل فى يوم من الأيام سياسيا ولم تكن له قط طبيعة رجل السياسة التي يملكها رجال اتصل بهم وعرفهم مثل نهرو وتيتو. نهرو قال له في عبارة رقيقة موحية إنه يحتاج إلى قليل من الشعر الأبيض. كان يقصد قليلاً من الرزانة والحكمة والتجربة والوقار والأخلاق ...استمر(عبدالناصر) في كرسي الحكم على مصر والزعامة الناصرية على العرب جميعاً تلك الزعامة التي خربت مصر ونكبت العرب ونحن ليس لنا حيلة إلا التعلق به لأنه جردنا طول الأعوام من كل فكر مستقل ومن كل شخصية قوية غير شخصيته هو) 
وقال بعدها معلقا..(أود من كل قلبي أن يسفرهذا البحث النزيه عن تقويم موضوعي للتجربة..ولكن هناك خسارة لا شك فيها ولا يعدلها عندي مكسب..ذلك هو ضياع مصر)_تذكروا هذه الجملة جيدا_ ضياع مصر.
(سمعنا و اقشعرت أبداننا مما لم تكن تعرفه مصر من قبل..الأستاذ جامعي يتلقى التعذيب والإهانة و لا تتحرك الجامعة و لايحتج زملاؤه الأساتذة و لا تلاميذه الطلاب و لو بالوقوف دقيقة عن الدروس ويكمل الحكيم :يوم ما سمي بمذبحة القضاء بطرد نحو مائتين من رجال القضاء لم يحتج رجال القضاء و يوم ضرب الدكتور السنهوري رئيس مجلس الدولة و أهين و كاد يقتل لم يحتج زملاؤه. و يوم عين رئيسا لنا في المجلس الأعلى للآداب ذلك الضابط الصغير(يقصد يوسف السباعي)لم نتفوه بكلمة لا أنا و لا طه حسين و لا العقاد بل جلسنا هادئين و كأن الوضع طبيعي. هنا تكمن مسؤوليتنا جميعا نحن المثقفين و يقع علينا اللوم بل المحاسبة أمام التاريخ. لا بد من محاكمة لنا جميعا. سحرونا ببريق آمال كنا نتطلع لها من زمن بعيد..وأسكرونا بخمرة مكاسب وأمجاد كاذبة فسكرنا حتى غاب عنا الوعي).
قالها صلاح عبد الصبور فى( ليلى والمجنون ): يا أهل مدينتنا  يا أهل مدينتنا..انفجروا أو موتوا ..رعب أكبر من هذا سوف يجيء.. وجاءهم ذو الوجه الكئيب بما يفوق الرعب نفسه.
و اقرأوا ما كتبه عنه ايضا صلاح عبد الصبور يوم أن جثم على الصدور والضمائر من عام 1954 : هل عاد ذو الوجه الكئيب؟ / ذو النظرة البكماء والأنف المقوس والندوب/ هل عاد ذو الظفر الخضيب؟.. ذو المشية التياهة الخيلاء/ تنقر فى الدروب!/ لحنا من الإذلال والكذب المرقش والنعيب..
الأسبوع الماضى كتبت عن فصل السودان عن مصر كأحد النتائج الكريهة لحكم البكباشى وتذكرناها فى مئويته التى يحتفون بها؟؟!! مع التوتر المتصاعد مع السودان هذه الايام ..واليوم أكتب عن ظاهرة الحاكم المتغطرس وافتراسه لشعبه أيضا كأحد أسوأ النتائج المقيتة لحكم البكباشى ونتذكرها أيضا فى مئويته..طالما يصر (عبيد الأوهام) على أن الرجل وسيرته وتاريخه به ما يستحق الاحتفاء والذكرى.

وهنيئا مريئا غير داء مخامر **للبكباشى من أعراضهم ما استحل..
مع الاعتذارات الخالصات لكٌثيًر الخزاعى عاشق عزة الغفارية .


.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توافق على زيادة جديدة في الأسعار خلال الشهور القادمة؟

  • فجر

    03:56 ص
  • فجر

    03:57

  • شروق

    05:25

  • ظهر

    11:59

  • عصر

    15:36

  • مغرب

    18:32

  • عشاء

    20:02

من الى