• السبت 21 يوليه 2018
  • بتوقيت مصر09:06 م
بحث متقدم

دراسة مختصرة لأزمة النظام الرأسمالي

وجهة نظر

محمود يوسف بكير
محمود يوسف بكير

د. محمود يوسف بكير

بالرغم من نجاح النظام الرأسمالي وسياساته وابتكاراته الصناعية في تغيير وجه العالم ورفع مستوى المعيشة لمئات الملايين من البشر في الغرب والشرق إلا أنه تسبب أيضا في أزمات عديدة وخطيرة، لعل من أهمها مشكلة التفاوت الهائل في الثروة والدخل بين الأغنياء والفقراء في جميع أنحاء العالم، وكذلك مشكلة التغيرات المناخية وارتفاع الحرارة التي أصبحت تهدد حياة كافة الكائنات على وجه الأرض بما فيها الإنسان نفسه. وكلا المشكلتين تتجهان من سيء لأسوأ. 
وسوف نركز في هذا المقال على الجانب الاقتصادي للمشكلة الأولى على أن نعرض للمشكلة الثانية في مقال آخر. وباختصار شديد فإن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى أوائل الثمانينات من العقد المنصرم شهدت انخفاضا كبيرا في فجوة الدخل والثروة بين الأغنياء والفقراء. والسبب في هذا هو أن تلك الفترة تميزت بأربع فعاليات:
وجود حكومات قوية وذات سلطات واسعة على السياسات الاقتصادية والمالية والبنوك.
فرض ضرائب مرتفعة إلى حد ما على الشركات والأغنياء. 
ارتفاع مستوى التعليم في المدارس والجامعات الحكومية.
وجود نقابات مهنية قوية ومستقلة عن الحكومة.
وعادة ما تسود مثل هذه الظروف المواتية لعملية التنمية البشرية في فترات ما بعد الحروب والكوارث الكبرى حيث تتمتع الحكومات بسلطات واسعة لإصلاح ما افسدته هذه الكوارث وتوفير خدمات عامة جيدة للمواطنين من خلال الموارد السيادية وعلى رأسها الضرائب.  
كما كانت الحكومات ترحب بوجود نقابات مهنية قوية كي تساعدها في التنظيم وتنفيذ سياساتها. ويستثنى من هذا الدول العربية التي يحرص حكامها عادة على اختراق ومحاصرة أي تجمعات وتنظيمات من شأنها تهديد سلطتهم المطلقة. 
وحيث أنني من مواليد منتصف خمسينيات القرن الماضي فقد عايشت هذه المرحلة في مصر قبل رحيلي عنها في أوائل الثمانينات. وأشهد أنني تلقيت تعليما جيدا في مدارس الحكومة وجامعة القاهرة مما مكنني من الدراسة والعمل في الخارج. وقتها كانت الحكومة المصرية مسيطرة على كل شيء تقريبا كما كانت الضرائب مرتفعة والخدمات العامة أفضل بمراحل مما هي عليه الآن. 
وكان هناك أثرياء ولكن ليس بدرجة التوحش السائدة حاليا، كما لم تشهد مستويات الدخل الفردي الفجوة السائدة حاليا حيث يتقاضى الإعلاميون والفنانون وكبار الموظفين الملايين مقابل بضعة آلاف من الجنيهات للأغلبية الساحقة. 
والحاصل الآن على مستوى العالم هو عكس ما كان سائدا في الفترة المشار إليها حيث تقلص دور الحكومات سواء في الغرب أو الشرق مقابل دور أكبر للقطاع الخاص، كما أن ضرائب الدخل انخفضت في الكثير من الدول (20% في مصر، والآن 21% في أمريكا ترامب). وتلجأ الكثير من الحكومات الآن إلى عمليات بيع لأصول الدولة لصالح القطاع الخاص لتعويض النقص في حصيلة الضرائب.
كما أن التعليم الحكومي في تدهور مستمر خاصة في الدول المتخلفة مثل الدول العربية مقابل صعود قوي للمدارس والجامعات الخاصة التي تهدف إلى الربح أساسا وليس إلى التعليم الراقي والبحث العلمي وخدمة المجتمع كما هو حال الجامعات الخاصة في الغرب   التي هي جامعات بحثية بشكل رئيسي، أضف إلى هذا حالة الهزال التي أصابت النقابات المهنية على مستوى العالم. 
كل هذه التطورات السلبية وغير المواتية أدت إلى اتساع هوة الدخل والثروة بين قلة صغيرة لا تزيد عن 5% وبين الأغلبية. وعلى سبيل المثال فإن أغنى 80 شخصا في العالم يملكون ثروة تعادل ما يملكه أكثر من ثلاثة مليار إنسان على مستوى العالم. 
وكما ذكرت سابقا فآن المشكلة تتفاقم، وفي هذا الصدد فقد لاحظ الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي في دراسته الهامة " رأس المال في القرن 21" أن الثروات تنمو بمعدلات أعلى من معدلات نمو الاقتصادات الوطنية. ولعلي أوضح هذه النقطة لأهميتها، حيث أن متوسط النمو الاقتصادي العالمي لا يزيد عادة عن 4% سنوياً، بينما تنمو ثروات الأفراد سنويا في المتوسط بضعف هذا المعدل. وهذا يعني أن فجوة الثروة والدخل في زيادة مستمرة. 
والسؤال هو لماذا تدهورت العوامل الاربعة التي ذكرناها سابقا بهذا الشكل السريع في خلال ال 30 عاما الماضية؟ الإجابة التي تحضرني تنحصر في أحد الافتراضات الأساسية التي يقوم عليها علم الاقتصاد وهي غريزة الطمع لدى الإنسان. فلكل غرائز الإنسان حدود معينة إلا غريزة الاكتناز والتملك، وحتى تنجح الرأسمالية فقد قامت على آليات من شأنها إشباع هذه الغريزة مثل المنافسة الشرسة، وأن معيار النجاح في كافة الوحدات الاقتصادية هو تحقيق أكبر ربح ممكن بغض النظر عن الاعتبارات الاجتماعية والبيئية.
وبالرغم من إدخال تعديلات على النظام الرأسمالي مؤخرا تهدف إلى تشجيع منظماته على مراعاة البعد الاجتماعي في عملها إلا أن هذه التعديلات غير ملزمة ولذلك لا تحمل على وجه الجدية ولم تحقق الاهداف المرجوة منها.  
كما أن الحكومات ضعفت كثيرا وتقلص دورها بسبب سيطرة الرأسمالية عليها وعلى الإعلام وعلى السلطة التشريعية التي تصيغ القوانين، وهو ما أدي إلى انخفاض معدلات الضرائب على الدخل التي يستفيد منها الأغنياء وتضر بالفقراء وهو ما يضطر الحكومات للاقتراض من المؤسسات المالية سواء في الداخل أو الخارج لتمويل نفقات الخدمات العامة السيئة التي تقدمها للفقراء، بالإضافة إلى لجؤها إلى سياسات الخصخصة للشركات العامة وهي سياسات تفتقر للشفافية عادة وسوء الإدارة والفساد وتؤول في النهاية إلى الرأسماليين ليزدادوا غنى.
وفي النهاية أصبح لكل شيء ثمن، فللتعليم الجيد ثمن وللرعاية الصحية الجيدة ثمن وللسكن الجيد ثمن وللنقل الجيد والطرق الجيدة ثمن.... وهكذا تتمدد اللامساواة إلى كل شيء. 
وفي ذات الوقت ضعفت النقابات العمالية والمهنية بشكل غير مسبوق بسبب تقلص مساهمة القطاعين الصناعي والزراعي في الناتج القومي الاجمالي مقابل نمو قطاع الخدمات بشكل مذهل ولذلك لم تعد الحاجة للعمال ملحة خاصة مع زيادة عمليات الميكنة والتقنيات الحديثة في القطاع الصناعي والزراعي. وقد تزيد هذه المشكلة حدة مع دخول العالم إلى مرحلة الثورة الصناعية الرابعة والتي سيتم فيها الاعتماد على ما يسمى بالذكاء الاصطناعي   “Artificial Intelligence”حيث ستحل الآلات الذكية محل الإنسان في كل ما هو ممكن وسيتبقى للعمال أنماط العمل التي تحتاج إلى عضلات أو نوع من الإشراف على الآلات. 
إذن ما هو الحل؟ 
الحل البديهي لمشكلة اللامساواة الهائلة في الفرص والدخل يكمن في تصحيح السياسات التي تؤدي الى الانحياز وتركيز الثروات في أيدي القلة. ومن أمثلة هذه السياسات التصحيحية التي يدعو لها كل الاقتصاديون الليبراليون ومن بينهم ستجليتز وبيكيتي وميلانوفيتش وغيرهم ما يلي:
تقديم سياسات ضريبية جديدة تمنح تفضيلات لصغار المساهمين في كافة الاستثمارات تجعلهم يحققون عائدا نسبيا أكبر على استثماراتهم مما يحققه كبار المساهمين وهذا سيؤدى إلى جذب المزيد من صغار المساهمين والبدء في تقليل الفجوة بينهم وبين الكبار بشكل تدريجي. وللعلم فإن السياسات السائدة الان تعمل عكس هذا.
منح العمال حق تملك أسهم في الشركات التي يعملون بها وذلك في شكل أرباح غير موزعة أو حوافز أو بتسهيلات معينة في سداد قيمة هذه الأسهم مع إعفاءها من ضريبة الأرباح لفترة معينة.
فرض ضرائب على الميراث والثروات الكبيرة التي تزيد عن مبلغ معين بحيث تستخدم حصيلة هذه الضرائب لتقديم منح رأسمالية لشباب العاملين بقدر اجتهادهم في عملهم كي يصبحوا مساهمين في شركاتهم أو في اي شركات آخرى. 
تحسين التعليم العام وخاصة الجامعي لأن الحاصل الآن في كل دول العالم هو أن راتب خريج الجامعة يحدده اسم الجامعة التي تخرج منها، فمثلا نجد أن خريج اقتصاد الجامعة الأمريكية في القاهرة يتقاضى أضعاف ما يتقاضاه خريج اقتصاد جامعة القاهرة رغم أن خريج الاخيرة قد يكون أكثر موهبة واجتهادا من خريج الأولى والسبب في هذا الانطباع السائد بأن نوعية التعليم في الجامعة الأمريكية أفضل بكثير من الجامعات الحكومية وهذا يؤدي إلى نشؤ مشكلة فجوة الدخل بمجرد البدء في العمل. ولحل هذه المشكلة ينبغي على الحكومة أن تخصص اعتمادات مالية كافية لتحسين نوعية التعليم والابحاث في الجامعات الحكومية. 
هذه بعض الأمثلة لما يمكن عمله لحل معضلة فجوة الدخل والبدء في محاصراتها والتخفيف الفاعل والتدريجي لحدتها.
وفي الحقيقة فإنني غير متفائل بإمكانية عمل أي شيء في ظل الأنظمة الاستبدادية الحالية وتمدد الرأسمالية وانتشارها الخبيث وسيطرتها على كافة السلطات. ولكن اللحظة التي تنبأ بها ماركس والكامنة في الديالكتيك التاريخي للبشرية سوف تأتي حتما، بمعنى أن اللامساواة الحالية وهي وليدة النظام الرأسمالي الحالي سوف تزداد حتما وسيزيد معها تركيز الثروة والدخل في أيدي أقلية صغيرة، وبالنتيجة فإن الاغلبية الصامتة الآن لن تصمت إلى الأبد وهي تري الأغنياء يزدادون غني وهم يزدادون فقرا، وسوف تمل الاغلبية قريبا من الوعود الجوفاء وسياسة رفع الشعارات والمواعظ الدينية من عينة إن الله مع الصابرين. ومن ثم فإن الديالكتيك الصدامي بين الأقلية فاحشة الغنى والأغلبية المعدمة سوف يندلع حتما ما لم تصحح الاوضاع بشكل سلمي وسريع. 

مستشار اقتصادي مصري

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع فوز مصر باستضافة كأس العالم 2030؟

  • فجر

    03:33 ص
  • فجر

    03:32

  • شروق

    05:10

  • ظهر

    12:06

  • عصر

    15:45

  • مغرب

    19:03

  • عشاء

    20:33

من الى