• السبت 17 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر02:44 ص
بحث متقدم

ليبيريا .. درس جديد في الديمقراطية

مقالات

هي دولة صغيرة في غرب إفريقيا تتكئ على شاطئ المحيط الأطلسي اسمها مشتق من كلمة "ليبيرتي"، أي الحرية، أخيراً تأكد أن لها من اسمها نصيب بالتداول السلمي الحر للسلطة.
شهدت ليبريا انتخابات رئاسية تنافسية نزيهة جرت وفق الآليات المتعارف عليها دولياً للانتخابات الحرة بشهادة المراقبين المحليين، والدوليين من الاتحادين الإفريقي والأوروبي، وفاز فيها جورج ويّا لاعب كرة القدم الأشهر في إفريقيا، وأحد نجوم العالم الكبار.
 هل يجوز هنا أن نسأله عن شهاداته، و"دكتوروهاته"، حتى يكون جديراً بالترشح، ثم الفوز بالمنصب الرئاسي الرفيع؟، بالطبع، لا، فأمام صندوق الانتخاب، وإرادة الشعب يكون التسليم بقيمة الاختيار، وبمن حاز أغلبية الأصوات، والرئاسة ليست كيمياء حتى يتم تفصيل أشخاص بعينهم لها، سواء كانوا مدنيين حاصلين على تلال من الشهادات، أو جنرالات حائزين على كثير من الأوسمة والأنواط.
الديمقراطية لا تعرف إلا السياسي صاحب الرأي، والفكر، والبرنامج، والخبرة، والعمل وسط الناس، والقدرة على إقناع الجمهور بأنه يستطيع تحقيق آمالهم وتطلعاتهم في توفير الحياة الأفضل لهم، وحماية حقوقهم وحرياتهم.
لا يوجد في الديمقراطية ما يُسمى بمرشح الضرورة، أو الشخص الهبة الإلهية للشعب، أو الهدية التي لا تُقدر بثمن، أو الذي يُمن على الشعب، ويتفضل بتولي الحكم، هذه كلها خرافات، وأفكار يختلط فيها الدجل بإرث ينتمي إلى العصور المظلمة في أوروبا، وأصحابها دفنوها تحت تراب التاريخ للأبد.
المرشح السياسي الطبيعي يعلن اليوم أن هدفه هو خدمة الشعب، وحماية الوطن، يقدم نفسه باعتباره خادماً بمعنى الكلمة، اختاره شعبه لأداء وظيفة الخدمة العامة لفترة زمنية محددة دستورياً، وإذا نجح في مهمته أبقاه شعبه، وإذا أخفق صرفه في انتخابات أيضاً، وعبر الصندوق فقط، لذلك يحدث الاستقرار، ويتعزز، وينام الناس آمنين مطمئنين، ويتحسن النمو، ويتطور الاقتصاد، وتنشط السياسة، وتنفتح شرايين المجتمع، ويتقدم العمل الأهلي، والمبادرات الفردية والخاصة، ويرتفع سقف التفكير الحر والإبداع الخلاق، ويتسع التسامح، ويسود الرضا العام، وهذه بعض وصفات التقدم والدخول في عوالم الحداثة والحضارة.
ما دون الحريات، والحقوق الإنسانية، والحق العام في اختيار الحاكم الخادم لشعبه بالديمقراطية عبر الانتخابات التنافسية، ونزع القداسة القروسطية عن البشر والمؤسسات، ومختلف إرث التخلف السياسي والفكري والحكم السلطوي، فإن المجتمع لن يتقدم خطوة واحدة للأمام، بل سيظل مكانه، أو يسير للخلف، والشواهد كثيرة عربياً وشرق أوسطياً وإفريقياً.
يبزغ نجم الديمقراطية في ليبيريا مستفيدة من تجارب دموية مريرة مرت بها في شكل حروب أهلية طاحنة أزهقت أرواح ما يقرب من 250 ألف مواطن كانوا ضحايا الصراعات على السلطة، وهي الآفة التي لاتزال تضرب إفريقيا، وتجعلها الأقل عالمياً في التطور الديمقراطي، وهي لا تريد أن تستفيد من دروس الدول التي وصلت إلى القناعة بألا فائدة واحدة من القمع، والاستبداد، والحروب الأهلية، والفساد، والصراعات الطبقية والفئوية، وغياب العقل، وأبرزها هناك على الضفة المقابلة للأفارقة، وهي أمريكا اللاتينية التي خرجت بلدانها من مراحل الظلام السياسي الكئيب إلى عوالم النور الديمقراطي المضيء، نعم تواجه بلدانها مشاكل وأزمات اقتصادية واجتماعية داخلية، وهذا طبيعي في كل بلدان العالم، لكن الاستقرار السياسي، والتداول الطبيعي للسلطة عبر الانتخابات يجعل الحياة أفضل كثيراً من الماضي حيث كانت تشهد انقلابات وديكتاتوريات واعتقالات وتعذيباً وتصفيات خارج القانون وفساداً مستشرياً ينخر مفاصل وأركان دولها ومجتمعاتها، اليوم يوجد انفتاح سياسي، وتوافق مجتمعي، وقناعات بين الأحزاب والنخب بعدم العودة إلى الماضي البائس والاحتكام للدساتير والقوانين وجمهور الناخبين فقط.
بعد الانقلاب العسكري عام 1980 دخلت ليبيريا في أتون الفوضى، والصراعات الدموية، وهذه دوماً النتيجة الطبيعية ومخرجات التجارب التاريخية في كل بلد يشهد تغييراً قسرياً في الحكم، قبل هذا التاريخ لم تكن ليبيريا في حالة أفضل، لكن على الأقل كانت تعيش في نوع من الاستقرار، الانقلابات، والديكتاتوريات تجعل أوضاع البلدان أسوأ، وغير ذلك أكاذيب وخداع فارغ.
مع قناعة المتقاتلين بأن العدمية والدماء لن ينتجان شيئاً، وبمساعدة القوى الكبرى، وضعت الحرب أوزارها، وهرب الرئيس السابق تشارلز تايلور أحد أمراء الحرب في ليبيريا، و المتورط في الحرب بالوكالة في سيراليون المجاورة، والتي أُطلق عليها حرب الألماس، أو الألماس الأحمر، فقد كانت تُمول من التنقيب عن الألماس، بجانب المتاجرة فيه، كل شيء وارد في غياب الديمقراطية ورقابتها، وهو يقبع اليوم في السجن باعتباره مجرماً دولياً، وكان مذهلاً من الشعب الليبيري أن يمنح ثقته للسيدة ألين جونسون سيرليف لتكون الرئيس لمدة ستة سنوات، وتصبح أول امرأة تتولى الرئاسة في إفريقيا، ويعيد الشعب انتخابها لفترة مماثلة دون حملات نفاق بأن الشعب يرجوها الترشح مجدداً حتى تكمل طريق الاستقرار والانجازات، كما لم تفكر بعد انتهاء الفترة الثانية في تعديل الدستور لتؤبد نفسها في الحكم، إنما أدت مهمتها ورحلت وشعبها سيظل يحترمها، وبذلك تكون جديرة بجائزة نوبل للسلام التي فازت بها، ولتأكيد الرغبة في وضع أسس تداول ديمقراطي للحكم فإن المرشح المهزوم أمام جورج ويّا وهو نائبها جوزيف بواكاي لم يستغل منصبه في أعلى هرم السلطة لدفع أجهزة الدولة للعمل لصالحه ليفوز بالانتخابات بأي ثمن، كما لم يخطط لخروج حملات مفاجئة تطالب بأن يكون هو الرئيس لمواصلة انجازات الرئيسة السابقة باعتباره كان شريكها في الحكم، وأنه القادر على متابعة خطط العمل والتنمية، وأن منافسه لا يمتلك الخبرة السياسية، ولا الشهادات، ودرجات الدكتوراه، إنما كان مجرد لاعب لم يعرف غير الجري وراء الكرة.
نهاية العام الماضي في غرب إفريقيا تولى زعيم المعارضة الحكم في جامبيا بعد فوزه على الرئيس المستبد يحيى جامع أو جامي الذي غادر السلطة مجبراً وإلا كان طُرد بالقوة العسكرية من دول الجوار بعد أن أراد التلاعب بالإرادة الشعبية للبقاء، وفي نهاية هذا العام يجري تداول سلمي للسلطة في بلد آخر في نفس المنطقة التي تشهد حراكاً ديمقراطياً مبشراً تقوده السنغال وكوت ديفوار، وعندما نقارنها بالمنطقة العربية نجد انغلاقاً سياسياً وديمقراطياً لا يريد أن ينفتح ليتبدد ظلام الحكم الفردي الاستبدادي السلطوي.
اختم لأشيد بالسوك الحضاري لنائب الرئيسة الخاسر الذي قدم التهاني الى خصمه جورج ويا، وقال تلك الكلمات المهمة التي ينبغي تسجيلها تعبيراً عن النضج السياسي: "إن محبتي لهذا البلد أكبر من رغبتي في تولي الرئاسة، أحترم إرادة الشعب".
في البدء والختام لا حل إلا بالديمقراطية نظام الحكم الأفضل والأسهل والأكثر أماناً، وهذه ليبيريا نموذج آخر.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • فجر

    05:02 ص
  • فجر

    05:02

  • شروق

    06:29

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    17:01

  • عشاء

    18:31

من الى