• الأربعاء 19 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر09:24 م
بحث متقدم

*الدرس الكبير يا معتقلي العراق*

مقالات

فاجأني شيخٌ وضيء الوجه قبل أسبوع في مجلس كريم يوم الجمعة، وعرّف بنفسه، وقال بأنه يلتقيني لأول مرة، بيد أنه يعرفني من متابعته لبرامجي ومقالاتي، وزفّ لي خبرا؛ أطارني فرحا، ولم أملك سوى معانقته من فرط السعادة التي تغشتني، ولكأن حلما عزيزا عشت له تحقق..
الرجل قال لي: “أنا عمّ الشاب عبدالله التويجري، وأبشرك أنه رجع من سجون العراق”، ولكأن كوّة نور فتحت من غياهب الذاكرة، وانبجست فرحة انطبعت في كل قسمات وجهي، وتمثلت في حركات جسدي بذلك المجلس الوقور، وتتالت في لحظتها صوت الابن عبدالله وزملائه قبل سبعة أعوام كاملات، عندما هاتفوني من سجن “سوسا” بمدينة “السليمانية” بكردستان، وبعضهم من “الناصرية” ببغداد، وأتذكر تماما الابن بندر اليحيى، وهو يقول لي بصوت باك: “تخلى الكل عنا، حتى المشايخ والدعاة الذين أفتونا بالذهاب للعراق، لم يعطونا وجها، ونحن نتصل بهم، داخلين على الله ثم عليك أن تطرح موضوعنا في برنامجك الذي نتابعه كل جمعة من هذا السجن”.
أتذكر كيف أنه أسقط في يدي وقتذاك، وأنا أعلم حساسية طرح مثل هذا الموضوع الذي ربما يرتد سياسيا بشكل عكسي، وبتّ في همّ مقيم لا يعلم به إلا الله، فلا أصعب من أن يقصدك أحد، ويطلب نخوتك ومروءتك ثم تخذله، وتتالت الاتصالات عليّ من هؤلاء الشباب، وكانوا حينها أكثر من مائة وأربعين معتقلا، متوزعين في سجون عدة، مثل “أم قصر” و”الأعظمية” و”الشعبة الخامسة” و”الحلة المركزي”، إضافة إلى سجون سرّية أخرى مقامة ضمن الثكنات العسكرية الأميركية في أنحاء العراق، ومنهم من كان في سجن “أبو غريب” سيىء الذكر، مغيبّين ولا أحد يعلم حالهم سوى الله تعالى.
هرعت أبحث في الانترنت، وأتصل على أصدقاء لهم صلة ومتابعة بهؤلاء الشباب، وتواصل معي وقتها المحامي ثامر العنزي -جزاه الله كل خير- وكان يمدني بأخبارهم، ووجدت تقريرا لجمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية، ذكروا أنّ هناك قرابة الأربعين معتقلاً سعودياً في سجن “سوسا” لوحدها في مدينة السليمانية، حيث يتم حشر قرابة خمسين معتقلاً من جنسيات مختلفة في غرفة ضيقة، لا تتجاوز أبعادها بضعة أمتار مربعة، فلا يستطيعون النوم أو الجلوس، ناهيك عن الحركة وقضاء الحاجة، وتنتشر بينهم الأمراض الخطيرة والمعدية، وتعرّض الكثير منهم للتعذيب أثناء فترة التحقيق، فطبقا لروايات بعض السجناء أنه تمّ تعرّضهم لنهش الكلاب الشرسة التي أطلقها عليهم السجّانون، ولا تزال علامات تلك المعاملة القاسية حاضرة على أجسادهم”.
استخرت الله تعالى، ورتبت معهم على حلقة في برنامج “حراك”، وأتذكر أن كثيرا من المشايخ الذين طلبت منهم الظهور اعتذروا لحساسية الموضوع الذي لم يطرق إعلاميا قط، وأكرمنا الله بأحد الباحثين ووافق على الظهور معنا، وذهلنا عندما تكلم هؤلاء الشباب من سجونهم، وأبانوا عن معاناتهم، بما جعلنا نبكي في الحلقة من فرط ما ذكروا، وما ذكروه قليلٌ حيال ما تعرضوا له، بل قال أحدهم في الحلقة بأن البعض كان يسأل عن جواز قتل نفسه، بسبب ما هم فيه من التعذيب الشديد، وأن ضباطا إيرانيين وقتها، كانوا من يقومون باستجوابهم وتعذيبهم، وكتبت منظمة (هيومن رايتس ووتش) تقريرا حيال تلك السجون (21 يناير 2011)، قالت فيه: “كانت روايات الرجال تتمتع بالمصداقية والاتساق. فقد وصفوا تفصيلاً كيف قام المعذبون بركلهم وضربهم بالسياط والأيدي، وخنقهم وتعريضهم للصعقات الكهربائية، وحرقهم بالسجائر وخلع أظافرهم وأسنانهم..”، وجاء في ذلك التقرير من تلك المنظمة الشهيرة؛ ما يُشِّيب شعر الرأس فعلا، ويعيد فظائع محاكم التفتيش بالأندلس.
أتذكر أنني كتبت حينها مقالة في صحيفة الوطن بعنوان: “وفي سجون العراق.. مأساة لسعوديين”، ناشدت دولتنا، التي هبت لاستنقاذ أبنائها من “غوانتناموا”؛ أن تنقذ هؤلاء الأبناء الذين تنكّبوا الطريق، وتوجّهت للنخب، وقلت في المقالة: “أوجّه هنا نداءً لكل الحقوقيين السعوديين الذين أمطرونا بالبيانات بأنّ هؤلاء أولى بدعمكم وإنسانيتكم، وأتوسّم في كل الناشطين أن تأخذهم حميّة لأبنائنا هؤلاء، وأن يبادروا بتوجيه منظمات (حقوق الإنسان) إلى العراق لاستنقاذ أبنائنا، وليت الدعاة والعلماء يجأرون برفع أصواتهم وطرح قضيتهم”، مؤكدا حينها على الدرس الأكبر من محنة هؤلاء الشباب، الذين أمضى بعضهم قرابة ال14 سنة، من أزهى سنيّ حياته، ضاعت بين القضبان وتعذيب الجلاوزة هناك، وختمت: “بالتأكيد مأساة أحبتنا درسٌ كبير في طاعة ولي الأمر الذي منع الذهاب للعراق، ورأى أن تلك المنطقة موبوءة بالفتن، وأن الجماعات هناك يتلاعبون بأرواح وعاطفة أبنائنا الذين هناك، بيد أنّ العاطفة التي تجتاح الشباب في تلك السن تُعمي، ولا حول ولا قوة إلا بالله”.
واستفزعت في مقالة ثانية بعنوان “كيف يعامل أبناؤنا في سجون العراق” همم النخب: “والله لأمرٌ يؤلم القلب، وإني لأستصرخ المروءة والشرف والنخوة في كل النخب الفكرية والشرعية والإعلاميين لدينا؛ أن يقفوا مع شبابنا هناك، من خلال الضغط على الحكومة العراقية بإقرار الاتفاقية الأمنية لتبادل السجناء معهم، كي نسترجع أبناءنا الموقوفين”.
أتذكر أنني بعد تلك الحلقة الأولى، عدت للمنزل وأنا مترقبٌ متوجسٌ من أية مساءلة أمنية، أو استدعاء من وزارة الاعلام. لكن الذي حصل؛ أن دولتنا بما عهدناها في مواقفها النبيلة تجاه أبنائها المخطئين؛ لم تتركهم، وكان موقفها إيجابيا. أدعو هنا لمليكنا الكبير عبدالله بن عبدالعزيز -يرحمه الله- بكل الدعوات الخالصات، فهو الذي وجّه سفيرنا في عمّان بالذهاب لبغداد، وتفقد أحوال هؤلاء الشباب، إذ لا سفارة لدينا وقتها في العراق،  وقد اتصل هؤلاء الشباب من سجونهم مهللين مستبشرين، يجأرون بالدعاء لولاة أمرنا ودولتنا، ما شجعني لتخصيص حلقة ثانية في الأسبوع الذي يليه، وتحدث هؤلاء الشباب بكل صراحة عن خطئهم وندمهم، وكيف خذلهم مشايخهم الذين أفتوا لهم بالذهاب للعراق، وقال أحدهم: “والله قمنا الليل، ودعونا لك بدعاء جماعي واحد يا عبدالعزيز قاسم، لا تدري ماذا عملت بنا. كان حالنا؛ أننا ممددون في قبورنا ننتظر الموت، لا يعلم بنا أحد، وفقدنا كل أمل في الحياة، وننتظر من الجلاوزة هؤلاء أن يهيلوا علينا التراب فقط، وأنت بطرحك موضوعنا في برنامجك؛ أحييتنا، وأعدت فينا الأمل بالعودة لوطننا ولقاء أهلنا”، كنت أبكى وأنا أستمع لهؤلاء الأبناء يتحدثون على الهواء مباشرة، وتواصل بعض ذويهم معي، وطُرحت قضيتهم بشكل عريض في الإعلام السعودي بعدها.
لا أنسى أبدا أم شادن، وهي زوجة والهة من القصيم، قُبض على زوجها في حدود العراق، وحُكم عليه، وكانت إذ ذاك حاملا في شهرها السادس، وكانت تتواصل معي تسأل عن زوجها، تظن أن بيدي قرارا، ولم أك أملك إلا تثبيتها، لدرجة أن والدتي الغالية كانت تكلمها وتخفف عنها تلك الزوجة المؤمنة الصابرة، وهاتفتني قبل أسبوعين تبشرني أن زوجها رجع، وابنتها شادن في غاية الفرحة، وهي بعمر ال15 عاما الآن، هممت بكل الألم: يا لها من سنوات طويلات!!
حقّ لنا أن نفخر بدولتنا، وبولاة أمرنا، الذين لم يتركوا هؤلاء الأبناء المخطئين، بل بذلت كل ما في وسعها وقتذاك، وكانت حكومة نوري المالكي تبتز بهم للأسف، ولكن دولتنا لم تقصر، واستعادت هؤلاء الأبناء، الذين ستخضعهم حتما لجلسات مناصحة وتهيئة نفسية بعد هذه السنوات في تلك السجون المظلمة، وقد دخلها بعضهم في عمر ال17، ويخرج منها الآن بعمر ال32، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هنا الدرس الكبير الذي يجب أن تتعلموه أيها الشباب: لا أرحم ولا أحكم من ولاة أمرنا، ولا شيء يعدل هذا الوطن الساكن في قلوبنا.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • فجر

    04:23 ص
  • فجر

    04:23

  • شروق

    05:46

  • ظهر

    11:54

  • عصر

    15:23

  • مغرب

    18:01

  • عشاء

    19:31

من الى