• الجمعة 22 يونيو 2018
  • بتوقيت مصر05:14 ص
بحث متقدم

عندما يطابق القول الفعل

مقالات

أحد علامات سير الأوطان على الطريق الصحيح عندما يطابق القول فيها الفعل. ذلك اتساق مع النفس. والأوطان التي تعيش ازدواجية، فلا يطابق قولها عملها مؤكد أنها
في حالة خداع أو تكاذب مع النفس، وبالتالي تضل الطريق. النموذج الأول المخلص مع نفسه ونهجه تجده في المجتمعات الديمقراطية الحرة، والنوع الآخر الالتفافي المناور تراه في مجتمعات التخلف السياسي والاستبداد.
أذهب للنمسا كأحد الدول الغربية الديمقراطية، والحدث الأبرز فيها هذه الأيام جرت وقائعه السبت 16 ديسمبر 2017، واكتمل بعد يومين، وهو تشكيل حكومة ائتلافية جديدة.
يوم السبت كان الاعلان عن الاتفاق بين حزب "الشعب" صاحب الكتلة الأكبر في البرلمان، وحزب "الحرية" الذي يحوز الكتلة الثالثة فيه، ويوم لاثنين كان الإعلان رسمياً عن الحكومة. هنا الملح الأول في فهم جوهر الديمقراطية الحقيقية عندما تترسخ في البلدان، "الشعب" حزب يميني، و"الحرية" حزب يميني قومي متطرف، وهو أحد الأحزاب المتشددة في أوروبا، لا بلد في القارة العجوز يخلو من وجود حزب من هذا النوع حالياً، وكلها تحقق الآن مكاسب انتخابية، وبعضها يشارك في الحكم، ومنها "الحرية" في النمسا، ولذلك اعتبر قادة التطرف السياسي هناك أن تطورات فيينا نصر تاريخي لهم ولأفكارهم ومسارهم كما عبرت نيابة عنهم مارين لوبان زعيمة حزب "الجبهة الوطنية" في فرنسا وأفكارها مثيرة للجدل بل الرفض مثل زملائها في تيارات التطرف والعنصرية، سبق واحتفلوا بفوز ترامب برئاسة أمريكا حيث يضعونه في المقدمة كرمز كبير في بلد كبير.
تجتهد الأحزاب المعتدلة في أوروبا يمنية أو يسارية على ألا تتحالف في تشكيل حكوماتها مع أحزاب التطرف حتى لا يكونوا شركاء في السلطة ليضغطوا في سبيل تنفيذ أجندتهم ولو جزئياً، حدث ذلك في هولندا هذا العام، كما يحدث حالياً في ألمانيا رغم تعثر المستشارة ميركل في الاتفاق مع حزب معتدل، وإذا أخفقت تماماً سيكون الحل الوحيد انتخابات جديدة، وليس التحالف مع حزب "البديل من أجل ألمانيا" الشعبوي النازي.
لكن جرى العكس في النمسا بالتحالف الحكومي النمساوي المثير للقلق أوروبياً، ولنا في العالم الإسلامي، وإذا كانت أوروبا ستمرر تلك الحكومة، ولا تقاطعها فتجد نفسها معزولة كما حدث عام 2000 مع نفس الحزب المتطرف "الحرية" الذي أحدث زلزالاً سياسياً بفوزه في الانتخابات آنذاك إلا أنها ضمنت ألا يثير المتطرفون في الحكومة قضية الاتحاد الأوروبي، فلا دعوات لتفكيكه، ولا الضغط لإجراء استفتاء في النمسا على البقاء فيه أم الخروج منه، كما حصل في بريطانيا العام الماضي، ونجح اليمين القومي الانعزالي في دفع الناخبين للانحياز للخروج.
نحن المسلمون مشكلتنا كبيرة، إذا أن أحد محاور سياسة حزب "الحرية" هو العداء للهجرة واللجوء، وكثير من هؤلاء يفرون من بلاد عربية وإسلامية بسبب سوء الأوضاع والحروب، وكذلك معاداة الإسلام، والجالية المسلمة، ورفض بناء مزيد من المساجد، ومطاردة النقاب والحجاب، وتوجيه إهانات للقرآن، واعتبار أن هناك غزواً إسلامياً لأوروبا يجب مواجهته، وأن قيمهم وثقافتهم ونمط عيشهم مهددون من الهمجية الجديدة كما يزعمون، وتلك أجندة موحدة يعتنقها كل متطرفي اليمين، وهم يستخدمون فزاعة الإسلاموفوبيا والتخويف من الأجانب بجانب استثمار العمليات الإرهابية في بعض بلدانهم لترويع فئات شعبية فيكسبون أصواتهم في الانتخابات، وقضية تدفق اللاجئين خلال عام 2015 على ألمانيا استثمروها بشكل عنصري، وجعلوا الألمان يصوتون لهم ويدخلونهم البرلمان لأول مرة منذ سقوط النازية وبـ 94 مقعداً ليكونوا القوة الثالثة فيه. 
أوروبا لم تعد متسامحة ولا منفتحة كما هي رؤيتنا عنها، وربما كما كانت من قبل، ونتحمل جانباً من المسؤولية في العقد الأخير بعد ظهور تنظيمات عنيفة تنسب نفسها للإسلام وتقدم نموذجاً مشوهاً للدين يقوم على العنف. نعم الأوروبيون لهم قيم وأنماط خاصة بعيشهم ومسألة تغييرها بدعوات التكفير التي تخرج من فرق دينية غير سوية في بلادنا، أو من مسلمين يعيشون فيها ولا يندمجون هو استهلاك للوقت بلا طائل، وهو دافع لمزيد من الكراهية لكل ماهو إسلامي، والتحريض عليه. 
التغيير الحقيقي يجب أن ننشغل به لأنفسنا، وليس لغيرنا، وبسلوكنا سنجبر الأمم الأخرى على احترامنا والتفاعل مع دعواتنا وقيمنا وأفكارنا مثلما انتشر الإسلام في العديد من البلدان عبر التعامل والأخلاق الإسلامية الرفيعة، التغيير يكون بالتوجه نحو الديمقراطية مثلما فعل الغرب منذ ردح من الزمن فتصالح المجتمع وتقدموا ، والتغيير عبر الاستفادة من منجزهم الحضاري، ليس للاستهلاك فقط، إنما للبناء عليه والمساهمة في الحضارة ليكون لنا وجود معتبر وسط العالم الذي هزمت بلدان كثيرة فيه كل أنواع التخلف ودخلت الاستنارة والحداثة.
المتطرفون هناك في ظل نظام سياسي ديمقراطي تنافسي حر منفتح يؤسسون أحزاباً وجماعات، ويطرحون ما يشاؤون من أفكار حتى لو كانت شاردة، المهم ألا يكون ذلك مقروناً بعنف مادي، وألا يتم تجاوز القانون الذي يتعامل بصرامة مع كل مواطن سواء كان حاكماً أم محكوماً.
القضية فيها نقاش واسع يجب قراءتها لنرى أين هم، وأين نحن؟. 

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع عبور المنتخب المصري لدور الـ16 بكأس العالم؟

  • ظهر

    12:02 م
  • فجر

    03:14

  • شروق

    04:56

  • ظهر

    12:02

  • عصر

    15:40

  • مغرب

    19:07

  • عشاء

    20:37

من الى