• السبت 16 ديسمبر 2017
  • بتوقيت مصر11:20 ص
بحث متقدم

أفكار تجاوزها الزمن (العمومية)

مقالات

كان مما تعلمناه من أستاذنا الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري عليه رحمة الله وكان يردده كثيرا: "إن المقولات التي تفسر كل شيء لا تفسر أي شيء على الاطلاق"، كان رحمه الله يقول هذا الكلام بخصوص رؤيته لما يسمى "نظرية المؤامرة" في تفسير التاريخ والأحداث والوقائع، ذلك أن نظرية المؤامرة هي شكل من أشكال العمومية والتعميم المخل الذي لا يؤدي إلى نتائج متعينة بخصوص قضايا محددة.
انطلقت الحركة الإسلامية خصوصا المصرية وتبعتها كل الحركات الإسلامية في البلدان العربية وتقريبا العالم من افتراضات بالغة العمومية ومقولات عامة تظن أنها تمتلك مقدرة تفسيرية على تحليل كل شيء، فكانت النتيجة الحتمية أنها لا تفسر أي شيء على الإطلاق.
وكانت افتراضاتها وتعميماتها ذات قوة قتل ثلاثية للأفكار والحركات، فكانت:
تعميما على مستوى وصف الواقع (أي على مستوى تشخيص الداء، وما هي المشكلات الحقيقية في المجتمعات).
وكانت تعميما على مستوى معالجة هذا الواقع (بمعنى ما هي الوصفة المناسبة لمعالجة تلك الآفات الاجتماعية المنتشرة والتي تنخر في بنية المجتمع نخر السوس في النخيل حتى تتركه قاعا صفصفا).
وكانت تعميما على مستوى النتائج النهائية التي تخرج بها الحركة الجماهيرية بعد السير ردحا من الزمن بالوصفة التي رأتها منهجا لعلاج آفات المجتمعات ومعالجة مشكلاتها.
وتسربت آفة التعميم والعمومية من الفكر إلى الواقع، فساد الكلام الفضفاض الذي يناسب كل الحالات ولا يناسب حالة بعينها، وسيطر هؤلاء الأشخاص الذين يفهمون في كل شيء ويتكلمون في كل شيء، وكان الظن أن هذا الكلام العام والعمومي الذي يصلح لكل حالة قد يشكل مهربا من سؤال التخصصية وأهل التخصص وحتمية اللجوء لأهل الذكر في كل مجال وهو ما يجعل الحركة العامة رهنا بموافقة المتخصصين وأهل الذكر وقبولهم لما يطرح من معالجات، وقبلها ما يطرح من وصف للواقع حتى يمكن الخروج بنتائج نهائية تفعل فعلها في المجتمع وتنقله من حالة المرض إلى حالة الصحة.
كان الظن أن هذه الوصفات العامة التي يحسنها كل أحد ويتكلم فيها كل الناس مخرج من الوقوع تحت رحمة المتخصصين وما يطرحونه من أفكار قد تكون بعيدة عن نمط التفكير العام الذي يكون عليه أهل الجماعات الدعوية العامة والحركات الجماهيرية، فكانت النتيجة المنطقية أننا نسمع جعجعة ولا نرى طحينا وذلك لأن رحى الطاحونة يدور على لا شيء، ليس هناك حبا في طاحونة تلك الوصفات العامة التي أشبه ما تكون بوصفة ما كان يسمى في قرى مصر النائية "حكيم" الصحة الذي كان عنده دواءً واحدا (شربة وسلفا) لكل الأمراض البسيطة منها والمستعصية، فكانت النتيجة أنه لا يعالج أي مرض على الإطلاق.
فساد في أغلب تلك الحركات الجماهيرية "حكماء" الصحة الذين يعالجون كل الأمراض، ويملكون حلولا سحرية لكل المشكلات، فكانت النتائج الواقعة على الأرض مذهلة من تراكم للأزمات واستفحال للمشكلات وظن قادتهم أن الهروب إلى الأمام قد يفيدهم من مواجهة المسؤولية عن تردي الأوضاع وازديادها سوءا فكانوا إما يحيليون على المستقبل الغامض وهم كمن يحيل على مجهول أو ينتظر أن تمطر السماء ذهبا وفضة ومعجزات فتنزل صاعقة من السماء فتخطف خصومهم الذين نقلوهم من دار الحكم إلى دار السجن أو ضيقوا عليهم الخناق حتى كادت الفكرة وليس فقط الحركة تتلاشى على أرض الواقع.
ولا زالت تلك العقلية المشوهة إن على صعيد الفكر أو على صعيد إدراك الواقع تتحكم بمجريات الأمور فتزيدها سوءا وتزيد الأوضاع ترديا، فالمنهج (والأشخاص) الذي كان سببا في الدخول في أتون الأزمات لا يمكن أن يكون سببا في الخروج منها، ومن تعريفات مفهوم الغباء أن تسلك نفس الطريق مرتين وتتوقع نتائج مختلفة.
كان التعميم والخطاب العام الذي يصلح لكل شيء هو أشد الآفات الفكرية والحركية في إدراك الواقع وتشخيص دائه ومحاولة وصف الدواء.
العموم والتعميم لا يصلحان منهجا بل هما من الناحية المنهجية ظلم للذات وظلم للواقع وظلم للمستقبل، لأنه لا يدرك أبعاد الواقع ولا يغوص في تركيبيته بل هو يسطح هذا التعقيد ويبسط هذا التركيب ليوافق مقولات تجاوزها الزمن، وبدلا من أن يعالج الناس خطل المقولات وبطلان الافتراضات التي بنيت عليها الحركة يتوهمون أنهم يستطيعون معالجة أزمات الواقع باستخدامها منهجا للتحليل وتشخيص الداء ووصف الدواء، وتكون النتيجة المنطقية هي موت المريض لا مجرد تأخير شفاءه أو تردي حالته.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

لمن ستعطى صوتك فى الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

  • ظهر

    11:55 ص
  • فجر

    05:23

  • شروق

    06:52

  • ظهر

    11:55

  • عصر

    14:41

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى