• الإثنين 20 نوفمبر 2017
  • بتوقيت مصر05:22 م
بحث متقدم

دعوة لعودة الاستعمار لإنقاذ العالم الثالث ؟!

مقالات

أخبار متعلقة

ضجة كبيرة أثارها أستاذ العلوم السياسية في جامعة بورتلاند في أوريغان بالولايات المتحدة الأمريكية ، البروفيسور بروس غيلي، بسبب نشره مقالا دافع فيه عن الاستعمار الغربي للعالم الثالث ، وطالب فيه بوضوح كامل بعودة الاستعمار لإنقاذ دول العالم الثالث من النظم السياسية المستبدة والفاشلة والتي أغرقت البلاد في الخراب والدمار أو الحروب الأهلية التي وصلت إلى حد المذابح الواسعة .
غيلي يرى أن تاريخ الاستعمار تعرض لتشويه السمعة ، لإخفاء جوانبه الإيجابية ، ويضيف : (حظي الاستعمار الغربي على مدى المائة سنة الماضية بسوء السمعة.. وقد حان الوقت لتمحيص هذا النمطي الشائع ، لقد كان الاستعمار الغربي، بشكل عام، مفيدا موضوعيا وشرعيا في معظم الأماكن التي وجد فيها) ويرى الكاتب أن أداء البلدان التي تبنت الإرث الاستعماري بشكل عام أفضل من أداء تلك التي رفضته.
يقول غيلي : نحن لا نبالغ عندما نرصد آثار معاداة الاستعمار عالميا على الشؤون المحلية والدولية لدول العالم الثالث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.. لقد تسببت تلك الأفكار في دمار البلدان ، في الوقت الذي قام فيه نخبة القادة القوميين الذين حكموا في مرحلة ما بعد الاستعمار بتدمير بلدان بكاملها، بتحريكهم للشعوب التي يغلب عليها الأمية وغياب التعليم ، فأمموا الاقتصاد وسحقوا التعددية السياسية والأنظمة الدستورية والعمليات السياسية المنطقية التي وضع بذرتها المستعمرون .. وفي عصر الاعتذارات على الجرائم، فإن هناك صمتا واضحا تجاه الجرائم التي ارتكبها هؤلاء القادة في العالم الثالث.
وتابع غيلي قائلا: "لقد استخدم الديكتاتوريون في العالم الثالث شبح عودة الاستعمار، لتشويه المعارضة الديمقراطية في بلدانها وإفقادها مصداقيتها ومنع وجود أي معارضة جادة لتلك النظم .
ويرى أنه إذا كانت هناك معارضة للاستعمار وقتها وهو صحيح فإن قطاعات واسعة من الشعوب كانت تقبل به أوعلى الأقل لا تعاديه ، بل وتستفيد منه اقتصاديا وثقافيا وتنظيميا ومعماريا .
دراسة غيلي أثارت ضجة أكاديمية كبيرة ، وهاجمها بعضهم مذكرا بأن الاستعمار ارتكب مذابح في حق معارضيه ، وتم الرد على ذلك بأن الأنظمة المستبدة في العالم الثالث ارتكبت مذابح في حق شعوبها ربما أكبر مما ارتكبه الاستعمار ، كما اتهم بأن دعوته تحمل طابعا عنصريا .
هذه الدعوة التي أطلقها أستاذ العلوم السياسية الأمريكي ، لم تكن الأولى في الحقيقة ، بل ولم تكن غربية فقط أيضا ، بل صدرت عن مفكرين كبار في العالم الثالث ، وفي أفريقيا تحديدا ، فقد كان المفكر الكيني العالمي الدكتور علي مزروعي ـ أستاذ الإنسانيات في الجماعات الأمريكية ـ أحد من نادى بتلك الدعوة في التسعينيات الماضية ، ورأى أنها الحل لإنقاذ أفريقيا من النظم الفاشلة ومن القمع وغياب الديمقراطية ونهب الشعوب والانقلابات العسكرية ، وكان مزروعي ـ الذي زار القاهرة وله فيها صداقات علمية عديدة ـ يرى أن أفريقيا والعالم الثالث تقع تحت هيمنة استعمارية بالفعل ، ولكن بصيغ مستترة ، فقد كان يرى أن مدير البنك الدولي هو الحاكم الفعلي ، لأن اقتصاديات الدول الأفريقية بكاملها مرتهنة بقراراته ، وكذلك كان يرى أن الولايات المتحدة هي "الشرطي" الحقيقي الذي ينظم معظم السلوكيات السياسية والأمنية لأغلب دول أفريقيا وربما العالم .
فكرة عودة الاستعمار تبدو خيالية أو بعيدة عن الواقع ، ولكني أتصور أنها ليست وليدة عنصرية أو استعلاء غربي بقدر ما هي وليدة إحباطات إنسانية من توالي فشل نظم العالم الثالث الذين ورثوا الحكم في مرحلة ما بعد الاستعمار ، وأغلب هذه النظم كانت نظما ذات طابع عسكري قمعي ، قام بها شبان مغامرون ، تأتي بانقلابات أو تزيح من قبلها بانقلابات ، وتهيمن على شعوبها بالسلاح والدبابة وليس بالانتخاب الحر ، ولذلك كان اهتمامهم بالسلاح وتقوية الجيوش أكثر من اهتمامهم بالتنمية والعلم والبحث العلمي وجودة الحياة ، وخبراتهم عميقة في صناعة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المتخصصة في السيطرة والهيمنة على أي نشاطات سياسية في الداخل ، مقابل الفشل الذريع دائما في الخارج ، وأهدروا العدالة وحولوا القضاء إلى طقوس شكلية أو ديكورات وتصدر الأحكام بالأوامر أو التوجيهات الأمنية .
علمنا تاريخ الإنسانية أنه دورات متباينة ، وتحولات لم تكن تطرأ على بال السابقين ، ومرت بالبشرية قرون كان النمط "الامبراطوري" هو المعتاد ، ثم مرت عليها قرون كان نمط الدولة الدينية هي الشائع ، ثم مرت عليها قرون كان النمط الاستعماري هو المعتاد والمشروع دوليا ، ثم مرت عليها أجيال كانت الدولة القطرية أو القومية هي النمط الشائع والمقبول ، ولا يدري أحد في العقود القادمة أي نمط حكم سياسي وإنساني سيفرض نفسه على حياة البشر ، لكن ما لا شك فيه أن بوادر القلق الإنساني الغامض والرافض للأوضاع الحالية بدأت تنتشر ، ليس فقط في العالم الثالث ، بل وفي أوربا ذاتها والولايات المتحدة أيضا ، فهل العالم ـ ونحن معه ـ على أعتاب حقبة إنسانية جديدة بصيغ سياسية لم يعرفها العالم من قبل ؟.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

بعد فشل مفاوضات سد النهضة.. ما هى الخطوة التالية لمصر في رأيك؟

  • عشاء

    06:29 م
  • فجر

    05:05

  • شروق

    06:31

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى