• الإثنين 18 ديسمبر 2017
  • بتوقيت مصر08:42 م
بحث متقدم

إبراهيم الجبين في "عين الشرق".. عين الكاتب وتفاصيل الشرق

وجهة نظر

أحمد الهواس
أحمد الهواس

د. أحمد الهواس

أخبار متعلقة

برلين ـ في 2006 كان لدي لقاء مع الدكتور عبد المنعم تليمة أستاذ النقد الحديث، وكان الحوار يدور حول الرواية العربية , وهل استطاعت أن تحقق مكانةً عالمية أم أنّها مازالت في طور التجارب ولم نصل بعد إلى رواية عربية؟ فكان ردّه (أستطيع القول مطمئنًا إنّ عصرَ الرواية الغربية بشقيها الأوربي والأمريكي قد انتهى,  وبدأ عصر الرواية العربية والأمريكية اللاتينية وآسيا وافريقيا , والسنوات القليلة القادمة ستبرهن على ذلك).
ويبدو أن نبوءة تليمة قد بدأت تتحقق مع عدة روايات عربية، لا سيما بعد ثورات الربيع العربي، والتغييرات التي بدأت تطرأ على طريقة التفكير وكذلك التعبير. والأهم هو إعادة تفكيك المشهد التاريخي خلال المئة عام، ومحاولة كتابة التاريخ بطريقة أخرى، أو لنقل محاولة تصحيح ما تربت عليه أجيال.
رواية "عين الشرق" لإبراهيم الجبين الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان تدخل ضمن السرد الذاتي للروائي، ولكن ليس السرد المباشر لحياة الكاتب، وما اعتراها من تفاصيل. بل إن ثمة رواياتٍ وقصصًا أخرى تتشكل داخل الرواية ذاتها. وقد استخدم الكاتب أسلوب المقطّعات القصصية داخل الرواية، حيث يًقدم حدثاً هنا، ثم يضيف جزءًا منها في مكان آخر بعد حدثٍ مختلف في قصة أخرى، ومن ثم يترك القارئ بانتظار اكتمال المشهد في مكان آخر. وهكذا يجد القارئ نفسه أمام مجموعة قصص تتكامل تباعاً ضمن نسيح روائي محكم، كان الروائي شاهد عيان عليها أو متفاعل معها.
عرض الرواية
تقوم رواية "عين الشرق" على عرض مجموعة من الأحداث التي جرت مع الكاتب، وتتعلق بالمكان، المكان الذي عاش فيه إبراهيم الجبين أوالذي ارتحل إليه  (دمشق). وإليها تنسب الرواية، فعنوانها هو تسمية أطلقها على دمشق الأمبراطور الروماني يوليان , الذي عُرف باسم المرتد , وهو الذي دعا إلى العودة للشريعة اليهودية لأن المسيحية ليس فيها شريعة .
وتبرز ضمن الرواية عدة مدن. حيث تأتي مدينة الكاتب "ديرالزور" بعد دمشق.  كما تمر الرواية على مدن سورية، وكذلك على بعض المدن الأوربية بشكل سريع دون تفاصيل تاريخية،  حيث  أغرق في تاريخ دمشق محاولاً إعادة قراءته في مراحل تاريخية مختلفة، لا سسيما زمن التتار من خلال شخصية "ابن تيمية" حيث أجرى حواراً "مفترضاً" مع شيخ الإسلام مُظهراً قيمته ومكانته وفلسفته. حيث رأى ان ابن تيمية قد سُرق من قبل الطائفيين والسلفيين والعلمانيين معا. فبات يتهمه فريق بالتكفير وآخر بأنه مصدر ومرجع للتشدد والتطرف. 
أغفل الكاتب عن عمد تاريخ بدء الرواية، ولكنه رمّز لها في عدة أماكن أنها تبدأ بعد منتصف الثمانينيات، وتكاد تدور بين مدينتين،  ولكن لدمشق الحيّز الأكبر. ففي دمشق كانت الإقامة والتعب والبحث وبدء تشكل الشخصية الأدبية  والصحفية.
ومن خلال الأحداث وبعض الشخوص، نجد أن "عين الشرق" ترصد ثلاثين عاماً، لكنها تعمد إلى التأصيل التاريخي سواء الحديث منه أو القديم حسب الحدث الذي ترصده الرواية.
وإذا ما أخذنا بتجميع تلك المقطّعات التي تقصّد الكاتبُ أنْ يجعلَها على شكل قطع أدبية صغيرة أشبه بلوحات فسيفسائية انفردت بها سورية تاريخياً حيث تتشكل تلك القطع الصغيرة "المنمنمات" وتتجمع بألوان مختلفة، لا يمكن أن تزيلَ قطعةً مهما صَغُر حجمُها، ففي تكاملها تبرز اللوحة المذهلة للعقل بما تحمله من روعة وتفاصيل مدهشة، وبين تلك التفاصيل الصغيرة  تكمن  روايةٌ الآخرى فثمة أمورٌ لم يبح بها الكاتب، بل تركها هنا وهناك بين الصفحات وبين السطور وخلف ظلال الكلمات، لو جمعت لكانت الرواية التي لم تكن في "عين الشرق" بل في "حقيقة الشرق" بكل ما يحمله من متناقضات أو هكذا يبدو للغرباء عن هذا المكان.
في ثمانينيات القرن المنصرم، كان ثمة تحول في المشهد الأدبي والثقافي في مدينة ديرالزور، قاده عدد من الشباب، ربما كان جلهم من المحسوبين على اليسار. حيث برزت قصيدة النثر، وتغير كثير من أساليب الخطاب الأدبي والنقدي، حيث لم تكن تلك المدينة التي تنام على سيف البادية، وتصحو على شاطئ الفرات استثناء، بل ربما كان لها قصب السبق في كثير من التحولات الأدبية، ولكن بعدها الجغرافي عن العاصمة كان ومازال سبباً رئيساً في إغفال دور أبنائها في الحركة الثقافية أو السياسية.
في تلك المرحلة تعددت وجوهُ الصراع. حيث الصراعُ مع النظام الاستبدادي بعد أن تمّ له سحق الحراك الثوري آنذاك، وهذا فرض كما يرى الكاتب، أن يكون كتّاب قصيدة النثر ـ أو النمط الجديد ممن لهم مشكلات مع السلطة وهذا النوع بما يحمله من "ترميز" ـ ملاذاً لكل المختلفين مع النظام.
كانت فكرة الرحيل عن المدينة أشبه بالقدر ولم يكن الكاتب الوحيد الذي هجر مدينته نحو دمشق، فقد كانت دمشق مدينة شاعرية تجذب إليها القادمين من القرى البعيدة والمدن النائية، حيث حلم الكتابة في صحفها أو الوصول إلى الشهرة كان قاسماً مشتركا بين اؤلئك الباحثين عن أنفسهم.
"الأيام تمّر. بينما تتغير مجموعات الكُتّاب المهاجرين إلى دمشق. غالبيتهم كانت من الشعراء. كانوا يستعملون الشعرَ مفتاحاً لدخول دمشق، ثم يتخلون عنه بعد ان تصبح لهم يوميات وحيوات في المدينة".
وكأنّ لسانَ كلّ مرتحلٍ يردد "لاتسكنِ الأطرافَ إنْ رمتَ العلا/  إنّ المذلة في القرى ميراثُ". وفي دمشق كان بداية الاكتشاف أو لنقل بداية الصدمة، لم يكن الفنان "ناجي العبيد" بدايتها، وإنما كان محرضًا على اكتشافها، فلم يكن "أدونيس" سوى أحد عناصر الشعبة الثانية، وهو الذي مدح الرئيس شكري القوتلي بقصيدة فتمت مكافئته من قبل القوتلي أن يدرس في "اللاييك" على حساب القوتلي الخاص.
في ثنائية المكان والزمان تبرز أحداث الرواية، حيث المكان الذي يرصده الكاتب تارة عياناً، وأخرى بحثًا وتمحيصًا، حيث تتوالى الأحداث "الزمان" في المكان ذاته "دمشق".
وهنا تبدو أحاديث "إخاد" اليهودي لا تخلو من مفاجآت أو صدمات. فكل روايةٍ كنّا نرددها أو نسمعها عن أحداث المئة عام الماضية تبدو غير دقيقة. حيث يربط الكاتب بين أحاديثه وبين بعض الأوراق التي اطلع عليها، فصورة مقال قديم في صحيفة "القبلة" التي كانت تصدر في مكة التي كانت تحت سيطرة الشريف حسين، كان كاتب المقال يدعو إلى التعاون مع اليهود والحركة الاستيطانية في فلسطين، تكشف للراوي فيما بعد أن ثمة اتفاقاً عُرف باتفاق "فيصل وايزمان" يتعلق بمستقبل الحكم في فلسطين. مع اعتراف بوعد بلفور، فضلاً عن أن أول مؤسس صحيفة قومية عربية تحت رعاية "فيصل" في المملكة السورية كان  الدمشقي "إلياهو ساسون" الذي أصدر صحيفة "الحياة"  قبل أن يصبح عقلاً استخباراتياً بعد أن ينتقل إلى فلسطين بعد احتلال غورو لدمشق!.
تتعدد الوجوهُ الأخرى لروايات كنّا نرددها؛ فمقتل العقيد عدنان المالكي الذي اتهم به القوميون السوريون، كان بترتيب من السفير المصري محمود رياض، الذي أصّر على حضور العقيد المالكي لمبارة كرة القدم بين فريق سوري وآخر مصري , وهو -أي المالكي - كان في ذلك يوم سيسافر إلى لبنان للقاء خطيبته !
وتبقى روايةُ الوجه الآخر لأشهر جاسوس في تاريخ سورية الحديث "إيلي كوهين" الأكثر غرابةً، حيث يربط الكاتب بين أوراق المحامي "هائل اليوسفي " وبين رواية "ناجي عبيد" عن الضابط النازي "ألويس برونر" الذي استعان به حافظ أسد وأخفاه في سورية باسم "د. جورج فيشر" حيث أدخل الكرسي النازي وطرق التعذيب للمعتقلين السوريين  حيث يعيد ترتيب الرواية من جديد. فبرونر كان أحد المسؤولين عن محارق النازيين، وأنّ كوهين كان في بحث عن هذا الضابط النازي،  وسبق أن لاحق "اليهود" مرتكبي الهولوكست، ومنهم أدولف آيخمان، الذي تم اعتقاله   في أميركا اللاتينية وجلبه لفلسطين وتنفيذ حكم الإعدام به.
الرواية الأخرى:
تقدم رواية عين الشرق حقيقة مجتمع الأقليات من خلال شخوص تعامل معهم الكاتب. فالكاتب الخارج من بيئة عربية سنية "ديرالزور" لم يكن يضع في ذهنه "الانتماء أو الطائفة " ولكن ملامح الطائفية كانت تتبدى عند الآخرين، وهذا الأمر سبق الثورة السورية بسنوات، وهنا تلتقط "عين الكاتب" مجموعة من الصور. وتحتفظ ذاكرته بكثير من الأحاديث التي تبدو في الحالتين "مركبة" ثم يعمد فيما بعد إلى تفكيكها لتبدو "طائفية" مجتمع الأقليات في أقبح صورها!
فمجموعة "حُرّاس الأرض" الأدبية التي تضم شعراء وقصاصين من الطائفة العلوية، ليست سوى قناع لمجموعة طائفية سكنت دمشق، وادعت أنها تعارض النظام. ولكنها في الواقع تُعادي فكرة دمشق التي ا تعني لها سوى "السُنّة". حيث تُصب جام غضبها على ما تسميه "سلطة الجامع".
إن الحالة الطائفية قد لا ترد في كلامٍ واضح أو مقالٍ بين، بل قد تأخذ أشكالاً ورموزاً مختلفة ومن ذلك الاستشهاد بالمكزون السنجاري، ومن لا يعرف من يكون المكزون السنجاري بوصفه أحد أهم رجالات الطائفة النصيرية (العلوية) في القرن السادس الهجري وبداية القرن السابع. حيث يتقاسم التقديس له علويو سورية وأكراد تركيا أو المنطقة التي تقع بين العراق وتركيا، وقد ذهب كثيرون إلى أنّ ثمة رابطًا ما بين تلك المنطقة وأصول حافظ أسد، وهو الذي شكل تاريخ أسرته سرّاً غامضاً.
لم تتوقف مفاجآت شخوص إبراهيم الجبين عند هذه المجموعة أو قصائد "أدونيس" الباطنية، ولكن المفاجأة عندما اسمعه صديقه قصيدة لمحمد الماغوط الشاعر السوري المعروف، وهو يتكلم عن الحسين رضي الله عنه يقول في قصيدته "بردى أيها الحسين المتناثر هنا وهناك. سأستردك من النوافير والصنابير والأقداح. وقدور الحساء في المطابخ. ومطرات الجنود في المعارك، وغرف الإغماء والأنعاش في السجون والمستشفيات لأردّ لكَ اعتبارك على طريقتي" ...الماغوط ..؟ أي طائفية يخفيها ويفصح عنها نصه؟ أم أي سذاجة نحن عليها؟
الصورة الحقيقية لحافظ أسد 
في "المقطّعات" التي أوردها الراوي، لم يذكر حافظ أسد بالاسم إلاّ قليلاً. لكنه رصد حياة الخيانة التي امتاز بها، فقد تمّ تجهيز الأسد من خلال المخابرات البريطانية،  وقد أشرف على إبرام الاتفاق معه الوزير "جورج طومسون"  في لندن في العام 1965. فهو لم يكتف بالترحيب، بوصفه من كبار القيادات العسكرية العلوية في الجيش، بالنازي "برونر". بل استعان أيضاً بالفرنسي "ميشيل إيكوشار" ليقوم بتغيير معالم دمشق في العام 1968 فهو من هدم بناء البلدية التاريخي "المكان الذي أُعلن منه استقلال سورية" وكذلك أهم معالم دمشق كمبنى البريد والبرق وفندق الملكة فيكتوريا، وجامع يلبغا وهو أهم أثر معماري أيوبي، وحول دمشق إلى مدينة أمنية عمرانياً، تسهل السيطرة عليها، فعل هذا مرة من أجل الجيش الفرنسي، ومرة ثانية من أجل حافظ الأسد. وكان يقول لمساعديه "دمشق مدينة مقرفة".
يبدو حافظ أسد في تلك "المقطعات" التي أوردها الكاتب تارةً أمام جثة ابنه باسل الذي "قُتل في حادث سيارة 1994" وتارةً وهو في المستشفى في لحظات احتضاره ملخصًا أفعاله على لسانه" أنا أتاتورك سورية، فرضتُ العلمانية بالحديد والنار، ومدّنتُ الشعب، الريف الذي يستحق الحياة بات هو السيد، والمدن التي يسكنها الماتعون صارت لعبةً للقادمين من الجبال".
توظيف الأثر التاريخي في الرواية 
من يقرأ رواية "عين الشرق" يستذكر روايات "دان بروان" وبطل رواياته عالم الآثار الشهير "لانغدون" لكن البطل هنا في فكّ الرموز كان كاتب الرواية، سواء في آثار شاهدة قبر "ابن تيمية" أو الخطوط والآثار التي تروي سجن ابن تيمية في قلعة دمشق، أو محاولة فك رموز شواهد القبور في ديرالزور، حيث تتبدى ثقافة الكاتب، وقراءاته التاريخية الغزيرة، واستخدام أسلوب تفكيك النص التاريخي، وإعادة سرد التاريخ برؤية أخرى. ولهذا اعتمد في الرواية على مجموعة حقائق تاريخية بدأت بسبب التسمية "عين الشرق" وقصة الامبراطور يوليان المرتد، ومرّت على ابن تيمية وأهمية هذا الرجل أو كما يقول د. محمد عبد الله الشرقاوي  "جاء ابن تيمية في عصر ازدحمت فيه عقول الناس بكثير من الاتجاهات المتعارضة إزاء الفلسفة بين ناسكٍ في محراب الفلسفة، متعبد بمسائلها، وبين رافضٍ منكر بدليل أو بغير برهان ولا دليل، وكان أهم ماشغل ذهن ابن تيمية موقف الفلاسفة المشائين من أمور الاعتقاد وقضايا الألوهية عموماً".
كذلك استخدم  الجبين التاريخ في فهم علاقة الأقليات بـ "الأكثرية" من خلال الامتيازات التي حصلت عليها الدول الأوربية من السلطنة العثمانية بسببهم، وكذلك موقف الأمير عبد القادر الجزائري من فتنة دمشق 1860  وكذلك إعلان السطان العثماني عبد المجيد المساواة بين الرعايا بقطع النظر عن أديانهم. ولم يفغل الراوي دور إبراهيم باشا إبان احتلاله لبلاد الشام من تمكينه للأقليات، بل ميله معهم ضد غالبية المسلمين.
إن رواية"عين الشرق" رواية تحتاج لأكثر من قراءة، وتحتاج كذلك إلى أكثر من أسلوب نقدي، فهي ليست عملاً أدبياً يقع تحت صنف الرواية وحسب، بل هي أكثر من ذلك من حيث القيمة التاريخية، وكذلك القيمة المعرفية لمافيه من رصد للمجتمع السوري وما طرأ عليه من تغيرات عبر فترات تاريخية، وتقدم المجتمع الفاسد الذي بناه حافظ الأسد، ومكّن منه الأقليات التي سيتحول كثير من مثقفيها لدعم النظام بذريعة الخوف من "الأكثرية".


** كاتب وإعلامي سوري 



تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من هو أفضل رياضى فى مصر لعام 2017؟

  • فجر

    05:24 ص
  • فجر

    05:24

  • شروق

    06:53

  • ظهر

    11:56

  • عصر

    14:42

  • مغرب

    17:00

  • عشاء

    18:30

من الى