• الأربعاء 14 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر02:40 ص
بحث متقدم

الفقيه والحداثة وعلل الأحكام

وجهة نظر

عصر محمد نصر
عصر محمد نصر

د. عصر محمد النصر

القاعدة التي ينطلق منها الفقيه في تعامله مع الأحكام الشرعية هي تعظيم الله سبحانه, ومعرفة مراده والعمل بأمره, وأصل ذلك أن غاية الخلق هي عبادة الله سبحانه وتوحيده, فهذه هي القاعدة المركزية التي ينظر من خلالها الفقيه, وعليه فليس من مراد الفقيه البحث عن الجواز لأي مسألة وتسويغها, وإنما البحث عن الحكم الشرعي ومعرفة مراد الله سبحانه, ومن متممات هذه القاعدة أن معرفة مراد الله سبحانه يكون من خلال وحيه, فلا يقف الأمر على ذكاء ذكي أو فطنة نبيه, بل يعود إلى تلقي الوحي وفهمه. فإن تجاوزنا ما تقدم من ضرورة الإيمان بالوحي والتسليم له, يبقى النظر هنا في مسألتين : شمولية الوحي, وطريقة تلقيه وانتظامه, فأما شمولية الوحي لكل مناحي الحياة, فاصل ذلك إحاطة علم الله سبحانه بكل شيء :" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"( المجادلة, الآية 7), وهو علم يتخلل كل شيء في هذا الخلق, فجاءت الأحكام متناسبة مع هذه الإحاطة, قال تعالى :" وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"( الملك, الآية 13, 14), " فهذا إخبار من الله بسعة علمه, وشمول لطفه, فقال :" وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ " أي : كلها سواء لديه, لا يخفى عليه منها خافية, ف " إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" أي : بما فيها من النيات والإرادات, فكيف بالأقوال والأفعال, التي تسمع وترى ؟! ثم قال مستدلا بدليل عقلي على علمه :" أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ " فمن خلق الخلق وأتقنه وأحسنه, كيف لا يعلمه ؟! " وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ " الذي لطف علمه وخبره, حتى أدرك السرائر والضمائر, والخبايا والخفايا والغيوب, وهو الذي يعلم" السِّرَّ وَأَخْفَى" "( السعدي ص876-878), فمما ينطوي عليه اعتقاد المسلم أن الله الذي خلق ورزق ودبر وأحكم, والذي يعلم السر وأخفى, هو أعلم بما يصلح به عباده, و قال تعالى :" إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ "( الأعراف, الآية 54), فأخبر سبحانه أنه الذي خلق الخلق فأحكمه, وأرسل الأنبياء والرسل بالشرائع, فالخلق خلق الله سبحانه, والأمر أمره, وما كان منه سبحانه يتفق ولا يختلف, ويأتلف ولا يفترق, فأحكامه لعباده محكمة متقنة تراعي كل شأنهم, وأما المسألة الثانية, وهي تلقي الوحي وانتظامه, فهي تتعلق بتعامل أهل الإسلام مع الوحي, فلهم في ذلك خصوصية ليست لغيرهم من أهل الملل, فقد استحدثوا منظومة علمية تعالج المنقول وتعتمد الإسناد, ووضعوا لذلك قواعد متقنة لم يعرف لها التأريخ مثيلا, تتعلق بالراوي والمروي, ومحل ذلك كتب التفسير وعلوم القرآن, وكتب الحديث كالسنن والعلل وعلوم الحديث وشروح الحديث, وفي جانب تفسير النص وضع علماء الإسلام منظومة أصولية تعالج النص من جهة مرتبته ودلالته وعلاقته بغيره من النصوص, وعلى أساس هذه المنظومة الأصولية المحكمة كتبت المدونة الفقهية لدى علماء الإسلام, وقد مرت هذه المدونة بمراحل متعددة من لدن صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم, ثم أصحابه من بعده في مدارسهم العلمية المتعددة ثم لدى التابعين, وانتهى الأمر في فقه الأئمة الفقهاء من أصحاب المذاهب, فكانت المسائل المدونة على مراتب أعلاها ما اتفق عليه أهل العلم, وهي طائفة كبيرة من الأحكام لا سيما تلك المتعلقة بأصول الإسلام وضروريات الدين, ويدخل في هذا ما جاءت النصوص قاطعة للخلاف فيه لكثرة تفصيلها وبيانها أو لقطعية دلالتها ووضوح بيانها, ثم يليها ما قال به أكثرهم وقلّ فيه المخالف, وعلى تعدد هذه المراتب لمسائل المدونة الفقهية فقد حررت مناطات الأحكام وعرفت عللها عند الفقهاء في المدارس الفقهية, واستقرت في تراتيب عندهم شكلت تراث الأمة في القرون الماضية, وعلى هذا البناء الفقهي المتين خرجت كثير من المسائل المستجدة والنازلة, وأصل ذلك أن طرائق التفقه التي سلكها الأئمة في مدارسهم الفقهية والأصولية هي المسالك الممكنة في التعامل مع النص, فكل ما استجد من المسائل يتنزل على تلك المسالك, لذلك عد الخروج عنها من الشاذ المردود, كمسلك الظاهرية وأهل البدع, وإذا تقرر هذا فلا يغني عن المستدل ما يجده من دلالات العام أو المجمل مما انتظم في مسلك الاستدلال, خصوصا في مسائل الأحكام المستقرة مما جرى عليه العمل كالزواج والميراث ونحوها, ومن جملة المستقر مناطات الأحكام وعللها, وعليها بنيت المدونة الفقهية لدى فقهاء المسلمين, وهنا نأتي للكلام عن مسألة النوازل والمسائل المستجدة, وبيان حدودها, فالمعتبر في النوازل ثلاثة أمور : الوقوع, والجدة, والشدة, فالنازلة :" ما استدعى حكما شرعيا من الوقائع المستجدة "( فقه النوازل, للجيزاني ص24), فيخرج بذلك ما استقر في المدونة الفقهية وعرف حكمه, ولكن يبقى النظر في بعض المسائل التي قد يطرأ عليها ما يستدعي إعادة النظر لاختلاف الظروف والأحوال, وهذا النوع من المسائل دقيق يحتاج إلى انضباط حتى لا يتوهم الجدة في مسائل أو التوهم في اعتبار شيء من المناطات والعلل, كما قيل هذه الأيام من جواز زواج المسلمة بغير المسلم ومساواة المرأة للرجل بالميراث, وغاية ما يستدل به القائلون بهذا عمومات لم يجر عليها عمل على ما تقدم بيانه في مسألة الاستقرار وانتظام مسالك الاستدلال, كاستدلالهم بقوله تعالى :"  وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ"( البقرة, الآية 228).
أصل القول بهذه المسائل :
مع كون هذا المسائل قد نقل فيها إجماع فقهاء الأمصار مما يغلق باب الجدل حولها, إلا أن المتأمل في سياقات هذه الدعوى يجد أنها تعبر عن تأثر بالمنظومة العلمانية وأدبيات الحداثة, فالتعليل بالحرية المطلقة أو نفي الفارق بين الجنسين إنما يجري وفق هذه الأدبيات, ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام هو أهمية إدراك الفقيه للسياقات المحيطة بهذه المسائل, فدخول الفقيه ببعده التراثي في المنظومة المعاصرة دون إدراك لآثارها على المسائل ذات البعد الشرعي وما وراء ذلك من سياقات اجتماعية أو سياسية مضر بعملية الاستدلال, وإلا سيكون الفقيه التراثي وسيلة لتسويغ أدبيات الحداثة دون أن يشعر, وأصل ذلك إدراك الحد الفاصل بين الإسلام وغيره, وأي محاولة للجمع بين الإسلام وغيره هي محاولة باطلة, ومن أدرك معيارية الإسلام وكونه دينا إلهيا أدرك ذلك, وليبقى الفقيه على ذُكر من تجدد الأدوات البحثية والنظام العام المحكوم اليوم بقيم العلمانية واثر ذلك على تكييف المسائل وتصورها, وبالعودة إلى أصل هذه الدعوة, فإنها تنطلق ابتداء من منطلق الربط بين تطبيق الشريعة الإسلامية وتأخر المرأة ! وأن وسيلة الرفع من شأن المرأة هو برفع التمييز ضدها ومساواتها بالرجل في كل مناحي الحياة, ومما يسمى تمييزا عند أصحاب هذه الدعوة؛ منع المرأة المسلمة من الزواج بغير المسلم, وتفضيل الرجل في بعض أحكام الميراث, ومنع المرأة من بعض الوظائف كإمامة الصلاة, وقد عقدت لذلك مؤتمرات كان أولها في الأمم المتحدة سنة (1945م), فقد جاء النص فيه على منع التمييز للجنس أو الدين أو اللغة ولا تفريق بين الذكر والأنثى, ثم تلا ذلك مجموعة من المؤتمرات والندوات, وأسست لجان وجمعيات لهذا الغرض, وهذا منسجم مع أدبيات العلمانية التي تنظر إلى المرأة بنظرة إنسانية مطلقة ومجردة عن نزعات الفطرة وخصائصها النفسية والجسمية, وتجريدها عن علاقتها بغيرها, فلم تلتفت إلى تعدد الصور التي تكون فيها الأنثى, فهي عندهم أنثى مقابل رجل, ترتسم العلاقة بينهما بصورة صراع طبقي, وكل هذا جناية على المرأة, وهي علل باطلة تفتقد لحقيقة الإنسانية وأصل الخلقة وما فيها من خصائص تميز كل واحد من الجنسين, وقد فقدت هذه المصطلحات أعني التمييز والمساواة كثيرا من معانيها الصحيحة وحمّلت حمالة زائدة ذهبت بالحق الذي جاء به الوحي من السماء.
فلسفة التشريع وعلل الأحكام :
تأسيسا على ما تقدم من خصائص للتشريع الإسلامي, وعلاقة ذلك بعلم الله سبحانه وحكمته, فقد جاء هذا التشريع مراعيا لكل شأن من شؤون الإنسان, الذكر والأنثى على حد سواء, فهو يراعي الإنسان بنزعته البشرية, ورغباته الإنسانية والفطرية, ويراعي الإنسان في علاقاته المتشعبة, وفي كل أحواله, كما أنه تشريع يراعي علاقة الإنسان بالدنيا والآخرة, والمقصد من خلقه وحكمة ذلك, كما يراعي علاقة الرجل بأبناء جنسه بما يتجاوز النزعة الإنسانية إلى حيث كونه ابنا وأبا وأخا ووالدا وجارا, إلى غير ذلك من مصطلحات ذات مضامين شرعية محكمة متميزة بجملة من الأحكام, وعلاقة الأنثى كذلك من حيث كونها بنتا وأختا وأما وزوجة, فتعالى في علاقة الرجل بالأنثى عن كونها علاقة طبقية تقوم على الصراع, بل علاقة تراعي تعدد الأحوال, فلم ينظر للمرأة على أنها مجرد فرد بل ضمن خارطة منتظمة يقوم كل فرد فيها بما يتلاءم وحاله على نحو ما تقدم, ولذلك كان تعليل جواز نكاح المرأة المسلمة من غير المسلم بأنه حرية شخصية, أمر باطل, ينافي حقيقة العلاقة المتقدمة, فالزواج علاقة شرعية لها بعد فطري ونزعة بشرية وهو محكوم بجملة من الأحكام التي تنظمه, تبدأ أولا من علو الإسلام ومنزلته وأثر ذلك في علاقة أتباعه بغيرهم, وما منحهم من ولاية, فالمرأة المسلمة لا تكون تحت ولاية غير المسلم, ولا طاعته, وهذا لا يتعلق بالزوج فحسب, بل في أنواع الولايات عموما, فلا يلي نكاحها ولا يشهد عليه إلا المسلم العدل, فمنع الفاسق من الولاية عليها أو الشهادة, وما ذلك إلا رعاية لحقها, كما منعها ممن دونها في الكفاءة, وجعل لها حق الاختيار, وأوكل أمرها إلى أكمل الناس شفقة عليها وهو الأب, ثم من يليه كالأخ والجد, وفي هذا أيضا مراعاة لما يدخل الزواج ويتسبب به من العلاقات بين الناس, فليس هو إذن محض حق للمرأة فقط بل يتعلق بأصحاب الولاية أنفسهم, ونحو ذلك يقال في مسألة الميراث, فالإسلام ينظر إلى المرأة المكرمة وأن لها أحوالا متعددة تكون فيها زوجة وأما وأختا وبنتا, ولكل حال ما يخصها ويتعلق بها, فتارة تأخذ نصيبا يزيد على بعض من يشاركها في الميراث من الرجال, وتارة تنقص عن ذلك, فليس هي حالة واحدة, كما يراعي حقها على الرجل ووجوب نفقتها عليه في حالات, وقد أوكل إليه جملة من الواجبات تجاهها, فهو وإن كان فضل الرجل تفضيلا عاما إلا أنه جعل ذلك سببا لجملة من الأحكام التي تراعي خصوصية المرأة وتحفظ حقها.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • فجر

    05:00 ص
  • فجر

    05:00

  • شروق

    06:26

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:42

  • مغرب

    17:02

  • عشاء

    18:32

من الى