• الجمعة 18 أغسطس 2017
  • بتوقيت مصر01:11 ص
بحث متقدم

النفس المكسورة !

مقالات

أخبار متعلقة

شعور غريب ينتابني بشأن تيران وصنافير، لا يبدو على مظهري شيء غريب، لكني من الداخل مثل طفل يتيم غادروا وتركوه وحيدا على القبر، بحر بلا شطآن من الحزن المكتوم، قهر يتغلغل في تلافيف نفس مكسورة، حسرة مكبوتة يصعب البوح بها، مرارة أشد من العلقم أخفيها في جوف القلب، أهدئ نفسي بالقول إن العلم المصري لايزال في ساريته يرفرف عليهما رغم التصديق، وربما اقترب التوقيع فالتسليم، أحيانا أتصنع أنني غير منتبه لما يحدث حولي، وأحيانا كنت أقول إن شيئا ما قد يحدث في اللحظة الأخيرة يوقف تلك العربة المندفعة، والأمل لايزال معلقا على آخر ورقة قبل أن تسقط في خريف الشجرة بأن هذا الشيء قد يظهر في نهاية ذلك الليل الطويل فيبقيهما على حالهما، انتظر جودو مع الحالمين أمثالي، هل يأتي جودو؟، أم لا يأتي أبدا لأظل واقفا مكاني معهم، وهو لا يصل.
نفسي تمور وتفور بهزيمة وانسحاق، لا أتخيل أنهما صارتا في حوزة بلد آخر، حتى لو كان جارا وشقيقا، أتخيل أن المليون كيلومتر مربع مساحة مصر في كفة، وهذه القطعة الصغيرة جدا من الأرض في الكفة الأخرى، لا أتخيل أن تطأ أقدام أخرى أرضهما.
في فترة راهنت على أن التوقيع على الاتفاقية تم تحت ضغط الحاجة لدعم الشقيق لسلطة تعجز عن إيقاف البلد على قدميه بأفكار مبدعة وبأدوات ذاتية وبحسن استثمار وإدارة لخير عميم في ترابه، وليس عبر المساعدات والديون من الصناديق والبنوك في العالم.
قلت لنفسي إنه مجرد توقيع، وإن الدهاء المصري سيستفيد من الوقت والأحداث والرفض الشعبي والسياسي ويتحجج ويفلت من إكمال المسير على طريق الأشواك، وتلك أساليب متبعة أحيانا في إعادة رسم وصياغة الموضوعات والقضايا الشائكة بين الدول.
ولما قررت المحكمة الإدارية في قضاء مجلس الدولة الموقر أن الجزيرتين مصريتان، سرت حالة كبيرة من الفرح، مبعثها أن من ينافح عنهما لا يفعل ذلك خضوعا للعواطف، إنما الوثائق المادية تؤكد أنهما جزء من التراب الوطني، ومن عجب أن يبادر البعض ممن كانوا متحمسين لتوقيع السلطة، وتسليم الأرض قائلين: اطمئنوا، إنها عملية توزيع أدوار، نأخذ الدعم، ولن نسلم الجزيرتين، ولدينا حكم قضائي يمنع التصرف في الأرض، ويُرفع الحرج عنا، لامانع من كلامهم حتى لو كانت هذا التبرير استثمار للحكم بعد شعورهم بالحرج من الاستماتة في الدفاع عن أن الأرض ليست مصرية، وتحولهم إلى شهود وإدعاء لبلد آخر.
ولما تأزمت العلاقات لبعض الوقت بين القاهرة والرياض، أعاد هؤلاء مقولتهم إن العقول الداهية تلاعبهم، لا أرض ولا فلوس، ثم علا صوتهم بنجاح لعبة الدهاء بعد الحكم النهائي من المحكمة الإدارية العليا بمصرية الجزيرتين.
نور الأمل بزغ في ثنايا الحكم البات والنهائي الذي استند على جلسات ومرافعات وأوراق ووثائق وخرائط وأدلة وفحص ودرس وقراءة وتمعن ووزن القضاة الأجلاء للقانوني مع الوثائقي مع التاريخي مع الاجتماعي مع الجيولوجي مع العسكري مع السياسي، وكانت الخلاصة أن الأرض مصرية بنت مصرية.
لكن شعاع النور بدأ ينطفئ لما أحالت الحكومة اتفاقية الفتنة لمصر كلها مؤيدين ومعارضين، وما أشدها من فتنة، إلى البرلمان.
وفي كل تلك المراحل كان التوتر والغضب والرفض العام يتزايد، لكن الأمل ظل خيمتي بأن الرجل الرشيد سيتدخل في لحظة حاسمة ويفعل شيئا يوقف تمدد نار الفتنة، ويحافظ على الأرض.
لكنها كانت أضغاث أحلام، كنت كمن يشّخص دورا على نفسه في مسرحية للوهم اللذيذ، كنت أعيش سرابا خادعا، زيفا كاذبا.
وها هو البرلمان ناقش الاتفاقية، وصدّق غير آبه عليها غم الرفض الشعبي لها، والرجل المنتظر الذي سيظهر فجأة، ويوقف اندفاع القطار، ويخرج بحل مرض، لم يظهر.
المشاعر التي صّدرت بها هذا المقال نابعة من القلب فعلا، والحزن المقيم منذ العام الماضي حقيقة، واليوم الذي سيتم فيه التسليم سيكون يوم مأتم.
سمعت باسم تيران، من الأحاديث عن سبب اندلاع حرب 67 بأن عبدالناصر أغلق مضايق تيران، ومنع مرور سفن إسرائيل منها إلى خليج العقبة، لم يكن لدى معلومات أكثر من ذلك، ولم أسمع باسم جزيرة صنافير إلا بعد التوقيع المفاجئ على ترسيم الحدود.
والجزيرتان في حوزة مصر، ولو حدث وبقيتا مع مصر، فإنه لن يكون لي منهما سهم واحد، ولا أريد، مثلما لم يطالني سهم واحد من المليون كيلومتر مربع، لكن مع ذلك في داخلي كل هذا الحنين الجارف للجزرتين، وكل هذا الحزن العميق للتنازل عنهما.
إذا كانت هذه هي الوطنية، فما أعجب الوطنية، وما أجمل الشعور بالوطنية.

[email protected]


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع اتفاق المعارضة على مرشح لمنافسة«السيسي» في انتخابات الرئاسة؟

  • فجر

    03:58 ص
  • فجر

    03:58

  • شروق

    05:27

  • ظهر

    12:04

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    18:40

  • عشاء

    20:10

من الى