• السبت 21 أكتوبر 2017
  • بتوقيت مصر05:50 م
بحث متقدم

صيام ست من شوال وتمام الدهر

أخبار الساعة

أحمد السيد على إبراهيم
أحمد السيد على إبراهيم

المستشار / أحمد السيد على إبراهيم

أخبار متعلقة

الحمد لله حمدا لا ينفد أفضل ما ينبغى أن يحمد وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تعبد ، أما بعد ..
فقد فرض الله على الأمة الإسلامية صيام رمضان ، وجعله ركنا من أركان الإسلام فقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ( البقرة : 183 ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : { بُنِيَ الإسلامُ على خَمْسٍ . شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ . وإقامِ الصلاةِ . وإيتَاءِ الزكاةِ . وحجِّ البيتِ . وصومِ رمضانَ } ( رواه البخارى ) وسن لنا نوافل العبادات ، ليجبر بها نقص الفرائض ، ومنها الصيام ، فسن لنا صيام ستة أيام من شوال ، وجعل صيامها مع صيام رمضان تمام الدهر ، ولنا مع صيامها الوقفات الآتية :-
الوقفة الأولى : الرويات الواردة فى صيام ست من شوال :-
1- رواية أبى أيوب الأنصارى رضى الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { مَنْ صامَ رمضانَ . ثُمَّ أَتْبَعَهُ ستًّا مِنْ شوَّالٍ . كانَ كصيامِ الدَّهْرِ } ( رواه مسلم ) وعنه أيضا : { من صامَ رمضانَ ، ثمَّ أتبعَهُ بستٍّ من شوَّالٍ فذلِكَ صيامُ الدَّهرِ } ( رواه الترمذى وصححه الألبانى ) وعنه أيضا : { مَن صامَ رمضانَ ثمَّ أتبعَه بستٍّ من شوَّالٍ فَكأنَّما صامَ الدَّهرَ } ( رواها أبو داود وصححها الألبانى ) وعنه أيضا : { من صامَ رمضانَ ثمَّ أتبعَه بستٍّ من شوَّالٍ كانَ كصومِ الدَّهرِ } ( رواها إبن ماجه وصححها الألبانى ) وعنه أيضا : { مَن صام رمضانَ ، وأَتْبَعَهُ سِتًّا من شوالٍ ، كان كصومِ الدهرِ } ( رواه السيوطى في الجامع الصغير وصححه الألبانى )
2- رواية ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من صام رمضانَ وسِتًّا من شوالٍ ؛ فقد صام السَّنَةَ } ( رواه الهيثمى في  موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان وصححه الألبانى ) وفى رواية له أيضا { جعل اللهُ الحسنةَ بعشر أمثالِها ، فشهرٌ بعشرةِ أشهرٍ ، وصيامُ ستَّةِ أيامٍ بعد الفطرِ تمامُ السَّنةِ } ( رواها المنذرى في الترغيب والترهيب وصححها الألبانى ) وفى رواية ثالثة : { صيامُ شهرِ رمضانَ بعشْرةِ أشْهُرٍ ، وصيامُ سِتَّةِ أيامٍ بشَهرينِ ، فذلِك صيامُ السنةِ } ( رواها المنذرى في الترغيب والترهيب وصححها الألبانى )
3- رواية أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من صام ستَّةَ أيَّامٍ بعدَ الفِطرِ مُتتابعةً ، فكأنَّما صامَ السَّنةَ كلَّها } ( رواه المنذرى في الترغيب والترهيب وقال عنه الألبانى منكر )
الوقفة الثانية : الشبهات المثارة حول صيامها :-
أثار البعض شبهات حول أحاديث صيام هذه الأيام ، من ناحية سندها ، ومن ناحية متنها ، وقد تكفل أهل العلم بالرد عليها ( يراجع : ردود أهل العلم على جميل خيّاط حول قوله ببدعية صيام السّت من شوال بموقع الألوكة بالشبكة العنكبوتية  ) :
أولا : من ناحية السند : ذهب البعض إلى تضعيف الحديث الوارد في هذه المسألة مع أن الحديث في صحيح مسلم !!
أما حجتهم في ضعف الحديث في ذاته فهو أمران :
الأول : أن في إسناد الحديث أحد الرواة الضعفاء وهو سعد بن سعيد ، وقد أوهم بكلامه هذا أن الحديث ليس له إسناد إلا من طريق هذا الراوي الضعيف .
الرد على هذه الشبهة :  الواقع أن هذا الراوي قد توبع من جماعة من الرواة كلهم ثقات ممن يحتج بحديثهم -إلا الأخير ففيه ضعف - فقد تابعه :
1-  أخوه يحيى بن سعيد . أخرجه النسائي في الكبرى (2/163) .
2- وأخوه عبد ربه بن سعيد . أخرجه النسائي في الكبرى (2/163) - وروايته موقوفة - .
3- وصفوان بن سليم . أخرجه أبو داود (2،324رقم2433) والنسائي في الكبرى (2/163) وابن خزيمة (3/297) وغيرهم .
4- وعثمان بن عمرو الخزاعي . أخرجه النسائي في الكبرى (2/164).
فهؤلاء أربعة من الرواة كلهم وافقوا سعد بن سعيد على روايته للحديث عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، فكيف يُضعّف الحديث لأجل راو واحد وهو مُتابعٌ كما رأيت .
وقد اعتنى ابن القيم رحمه الله في حاشيته على سنن أبي داود  بالكلام على طرق الحديث وبيان متابعاته وشواهده ، والجواب عن اعتراضات المخالفين له ، وأفرد العلائي الكلام على هذا الحديث بجزء مفرد وهو مطبوع .
فإن قيل : كيف أخرج مسلم إذاً حديث هذا الراوي وهو متكلم فيه ؟
فجوابه ما قاله ابن القيم وهو : { أن مسلماً إنما احتج بحديثه لأنه ظهر له أنه لم يخطىء فيه بقرائن ومتابعات ، ولشواهد دلته على ذلك ، وإن كان قد عرف خطؤه في غيره ، فكون الرجل يخطىء في شيء لا يمنع الاحتجاج به فيما ظهر أنه لم يخطىء فيه ، وهكذا حكم كثير من الأحاديث التي خرجاها وفي إسنادها من تكلم فيه من جهة حفظه فإنهما لم يخرجاها إلا وقد وجدا لها متابعا } أهـ .
الثانى :  أن مدار الحديث على عمر بن ثابت الأنصاري ، ولم يروه عن أبي أيوب غيره ، فهو شاذ ، فلا يحتج به ، كما قال .
والجواب عليه من وجهين :
الأول : هو أن عمر بن ثابت الأنصاري قد وثقه أئمة الحديث ، فمثله الأصل قبول تفرده ، ولهذا في الصحيحين أحاديث كثيرة قد تفرد بها بعض رواتها ، ومن أشهر هذه الأحاديث أول حديث في صحيح البخاري وهو حديث ( إنما الأعمال بالنيات ) ، ولهذا قال ابن القيم : ( ليس هذا من الشاذ الذي لا يحتج به ، وكثير من أحاديث الصحيحين بهذه المثابة ، كحديث الأعمال بالنيات ، تفرد علقمة بن وقاص به ، وتفرد محمد بن إبراهيم التيمي به عنه ، وتفرد يحيى بن سعيد به عن التيمي ).
الثاني : أن هذا الحديث لم يتفرد به أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، بل تابعه عليه جمع من الصحابة ، منهم :
1-  ثوبان . أخرجه أحمد (5/280) وابن ماجه (1/547) وصححه ابن خزيمة (3/298) وابن حبان (8/398) .
2- وجابر . أخرجه أحمد (3/308 ، 324، 344) والبيهقي (4/292) وغيرهم .
3- وهناك غيرهم من الصحابة ، ولم أذكرهم اختصاراً .
ولهذا ترجم ابن حبان على ذلك في صحيحه فقال بعد إخراجه حديث عمر بن ثابت : ( ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به عمر بن ثابت عن أبي أيوب ، وذكر حديث ثوبان ).
فبان من خلال ما سبق ثبوت الحديث بلا ريب ، ولم يتوقف أحد من أئمة الحديث قديماً وحديثاً في تصحيح الحديث ، فممن صحح الحديث مسلم والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وآخرون ، ومن المتأخرين ابن القيم وابن الملقن وابن حجر وغيرهم كثير  .
ثانيا : من ناحية المتن : فقد أثيرت شبهات فقهية على تلك الأحاديث ، ومن ذلك ما ذكره الدكتور محمد مصلح الزعبى في بحثه " صيام ست من شوال دراسة حديثية فقهية " حيث بين بعض تلك الشبهات والرد عليها ، فقال  : {
1- تشبيه صيام رمضان وست من شوال بصيام الدهر وهو مكروه :-
فذهب بعض العلماء إلى أن الحديث لا يدل على فضيلة صيام هذه الأيام ، لأنه شبه صيامها بصيام الدهر وهو مكروه للأثار الصحيحة الدالة على ذلك ، وقالوا إن هذه الآثار تدل على ذم صيام الدهر . كما أن صيام رمضان وست من شوال يساوى صيام السنة وليس صيام الدهر إذ صيام رمضان بعشرة أشهر وست من شوال بشهرين كما جاء في حديث ثوبان
قلت : أما ذم النبى صلى الله عليه وسلم صيام الدهر فذلك لما فيه من التبتل والتشبه بالنصارى كما أنه يضعف الجسم مما يؤدى إلى قلة النشاط للقيام بالعبادات الأخرى ، وقد فسر النبى صلى الله عليه وسلم سبب النهى عن صيام الدهر بقوله لعبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما { إنك لتصومُ الدهر وتقومُ الليلَ فقلتُ : نعم ، قال : إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العينُ ، ونَفِهتْ له النفسُ ، لا صامَ من صامَ الدهرَ ، صومُ ثلاثةِ أيامٍ صومُ الدهرِ كلِّه . }
وقال الرافعى : إنما كره صوم الدهر لما فيه من الضعف والتشبه بالتبتل ولولا ذلك لكان فضلا عظيما لإستغراقه الزمان بالعبادة والطاعة ، والمراد بالخبر التشبه به في حصول العبادة به على وجه لا مشقة فيه .
كما أن مالكا نفسه نقل عن أهل العلم جواز صيام الدهر إذا استثنيت الأيام المنهى عنها ، فقد قال يحى الليثى عن مالك أنه سمع أهل العلم يقولون : لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها وهى أيام منى ويوم الأضحى ويوم الفطر .
2- ظاهر اللفظ يدل على أن هذا الصيام يساوى صيام السنة وليس الدهر :-
فلا تعارض بين اللفظين فإن الدهر في اللغة له معان كثيرة منها العمر ، ومنها : مدة العالم من مبدأ وجوده إلى إنقضائه ، واطلقه العرب على الزمان قل أو كثر ، وعلى الفصل من فصول السنة وأقل من ذلك ، وقد ورد في أقوال العرب أقمنا على ماء كذا دهرا ونحو ذلك .
فالدهر يمكن أن يطلق على السنة كما أن المسلم إذا صام رمضان وست من شوال كان له من الأجر صيام سنة كاملة ، كما جاء في حديث ثوبان والمداومة على ذلك في كل سنة يكون كصيام الدهر في الأجر والثواب ، فهو تشبيه مجازى .
قال الحافظ بن حجر : قوله مثل صيام الدهر يقتضى أن المثلية لا تستلزم التساوى من كل جهة لأن المراد به هنا أصل التضعيف دون التضعيف الحاصل من الفعل ولكن يصدق على فاعل ذلك أنه صام الدهر مجازا .
وقال المناوى : أخرجه مخرج التشبيه للمبالغة والحث وهذا تقرير يشير إلى مراده بالدهر : السنة .
وقال الشوكانى : التشبيه لا يقتضى جواز المشبه به فضلا عن إستحبابه وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوما ومن المعلوم أن المكلف لا يجوز له صيام كل السنة فلا يدل التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه .
3- لفظ واتبعه يقتضى تتابع الصيام وقد ثبت النهى عن صيام يوم العيد :-
فإن اللفظ يحتمل هذا وهذا ، ولكن ورود النهى عن صيام يوم العيد وورود تقييد إبتداء التابع بعد يوم الفطر في حديث ثوبان ينفى إتصال رمضان بالعيد فيحمل المطلق المقيد .
قال الشوكانى : فيحمل المطلق على المقيد ويكون المراد بالست ثانى الفطر إلى أخر سابعه ... لأن الإتباع يحتمل أن يكون بلا فاصل بين التابع والمتبوع إلا بما لا يصلح للصوم وهو يوم الفطر ويحتمل أن يجوز إطلاقه مع الفاصل وإن كثر مهما كان التابع في شوال . وبذلك إنتفت جميع الإنتقادات الموجهة لسند الحديث ومتنه بفضل الله تعالى . } أهـ 
ومن ذلك أيضا ما ذكره الشيخ هشام بن عبد العزيز الحلاف في " ردود أهل العلم على جميل خيّاط حول قوله ببدعية صيام السّت من شوال " بموقع الألوكة بالشبكة العنكبوتية  ) : { وأما علة الحديث الثانية  فهي : ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم - كما نقله ابن القيم - قد نهى عن الصوم بعد انتصاف شعبان حماية لرمضان أن يُخلط به صوم غيره . فكيف بما يضاف إليه بعده..؟!! )
والجواب هو : أن الذي نهى عن الصوم بعد انتصاف شعبان ، هو الذي شرع لنا الصوم بعد رمضان ، فلا تعارض الأحاديث ببعضها ، بل المريد للحق يتطلب الجمع بينها ، وقد أجاب عن هذه المسألة ابن قدامة رحمه الله في المغني  فقال : ( ولا يجري هذا مجرى التقديم لرمضان ، لأن يوم الفطر فاصل ) .
 وأما علة الحديث الثالثة عنده فهي : ( أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو ذاته لم يصم هذه الأيام من شوال. وهل يأمر الرسول عليه الصلاة والسلام أمته بما فيه معنى القربى إلى الله ثم هو ذاته لا يفعلها.؟!! ما صامها الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولم يصمها أحد من بعده في عهد الصحابة ولا عهد التابعين .
 والجواب عليه من وجوه :
الأول : أين الدليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعون لم يصوموا هذه الأيام ؟
هل جاء بالإسناد الصحيح عنهم أنهم تركوا صيام هذه الأيام ؟! حتى يزعم ما ذكر ، لأن عدم النقل ليس نقلاً للعدم .
وأما الاحتجاج بقول مالك ( ولم أر أحدا من أهل العلم والفقه يصومها .. الخ ) فهذا على حد علمه ، وإلا قد نقل الترمذي وغيره عن جماعة من السلف أنهم استحبوا صيامها ككعب الأحبار وابن عباس وطاووس والشعبي وميمون بن مهران وبعدهم ابن المبارك والشافعي وأحمد وغيرهم ، فليس قول مالك بأولى من قول غيره ، ثم إن المثبت مقدم على النافي كما لا يخفى . } أهـ .
الوقفة الثالثة : حكم صيام ست من شوال :-
اختلف الفقهاء في مشروعية صيام الست من شوال على عدة أقوال  :
القول الأول : استحباب صيام الست من شوال : وهو قول الجمهور ، باتفاق متأخري المذاهب الفقهية الأربعة ، فهو منصوص مذهب الشافعية والحنابلة ، وبه قال أكثر متأخري الحنفية والمالكية ، واختاره داود وابن عبد البر وابن تيمية وابن القيم والصنعاني ، والشوكاني ،  وغالب الشراح والمفتين ، وهو قول كثير من أهل العلم بحسب تعبير ابن قدامة ، وأكثر العلماء بحسب تعبير ابن رجب .
دليله : حديثى أبى أيوب ، وثوبان ، سالفى البيان ، بألفاظهما المختلفة .
القول الثاني : كراهة صيامها : وهذا مذهب مالك ، وبه قال أبو يوسف ،  واختاره عبد الرزاق
دليله :
 الأول : أن حديث أبى أيوب لم يبلغهم ، أو أنه بلغهم ولم يصح عندهم .
 الثاني : أنه ليس عليه العمل ، فلم يرى الإمام مالك أحداً من أهل العلم والفقه يصومها ، ولم يبلغه ذلك عن أحد من السلف .
 الثالث : سدا للذريعة ، أن يتخذه أهل الجفاء زيادة في صوم رمضان ، فيلحق به ما ليس منه ، أو لئلا يظن وجوبها .
قال إبن القيم – رحمه الله – في " حاشيته على سنن أبى داود " : {  قال الحافظ أبو محمد المنذري : والذي خشي منه مالك قد وقع بالعجم ، فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والنواقيس وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام ، فحينئذ يظهرون شعائر العيد . ويؤيد هذا ما رواه أبو داود في قصة الرجل الذي دخل المسجد وصلى الفرض ، ثم قام يتنفل ،  فقام إليه عمر ، وقال له " اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك ، فبهذا هلك من كان قبلنا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أصاب الله بك يا ابن الخطاب " . ‏
‏قالوا : فمقصود عمر : أن اتصال الفرض بالنفل إذا حصل معه التمادي وطال الزمن ظن الجهال أن ذلك من الفرض ، كما قد شاع عند كثير من العامة : أن صبح يوم الجمعة خمس سجدات ولا بد ، فإذا تركوا قراءة { الم تنزيل } قرءوا غيرها من سور السجدات ، بل نهى عن الصوم بعد انتصاف شعبان حماية لرمضان أن يخلط به صوم غيره فكيف بما يضاف إليه بعده ؟ فيقال : الكلام هنا في مقامين : ‏
أحدهما : في صوم ستة من شوال ، من حيث الجملة والثاني : في وصلها به . ‏
‏أما الأول فقولكم : إن الحديث غير معمول به : فباطل ، وكون أهل المدينة في زمن مالك لم يعملوا به لا يوجب ترك الأمة كلهم له ، وقد عمل به أحمد والشافعي وابن المبارك وغيرهم . قال ابن عبد البر : لم يبلغ مالكا حديث أبي أيوب ، على أنه حديث مدني ، والإحاطة بعلم الخاصة لا سبيل إليه ، والذي كرهه مالك قد بينه وأوضحه : خشية أن يضاف إلى فرض رمضان ، وأن يسبق ذلك إلى العامة ، وكان متحفظا كثير الاحتياط للدين ، وأما صوم الستة الأيام على طلب الفضل ، وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان ، فإن مالكا لا يكره ذلك إن شاء الله ، لأن الصوم جنة ، وفضله معلوم : يدع طعامه وشرابه لله ، وهو عمل بر وخير ، وقد قال تعالى { وافعلوا الخير لعلكم تفلحون } ومالك لا يجهل شيئا من هذا ، ولم يكره من ذلك إلا ما خافه على أهل الجهالة والجفاء إذا استمر ذلك ، وخشي أن يعد من فرائض الصيام ، مضافا إلى رمضان ، وما أظن مالكا جهل الحديث ، لأنه حديث مدني انفرد به عمر بن ثابت ، وأظن عمر بن ثابت لم يكن عنده ممن يعتمد عليه ، وقد ترك مالك الاحتجاج ببعض ما رواه عمر بن ثابت . وقيل : إنه روى عنه ، ولو لا علمه به ما أنكر بعض شيوخه ، إذ لم يثق بحفظه لبعض ما يرويه ، وقد يمكن أن يكون جهل الحديث ، ولو علمه لقال به ، هذا كلامه . ‏
‏وقال القاضي عياض : أخذ بهذا الحديث جماعة من العلماء . وروي عن مالك وغيره كراهية ذلك ، ولعل مالكا إنما كره صومها على ما قال في الموطأ : أن يعتقد من يصومه أنه فرض ، وأما على الوجه الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم فجائز . ‏
وأما المقام الثاني : فلا ريب أنه متى كان في وصلها برمضان مثل هذا المحذور كره أشد الكراهة ، وحمي الفرض أن يخلط به ما ليس منه ، ويصومها في وسط الشهر أو آخره ، وما ذكروه من المحذور فدفعه والتحرز منه واجب ، وهو من قواعد الإسلام . ‏
‏فإن قيل : الزيادة في الصوم إنما يخاف منها لو لم يفصل بين ذلك بفطر يوم العيد ، فأما وقد تخلل فطر يوم العيد فلا محذور . وهذا جواب أبي حامد الإسفراييني وغيره . ‏
‏قيل : فطر العيد لا يؤثر عند الجهلة في دفع هذه المفسدة . لأنه لما كان واجبا فقد يرونه كفطر يوم الحيض ، لا يقطع التتابع واتصال الصوم ، فبكل حال ينبغي تجنب صومها عقب رمضان إذا لم تؤمن معه هذا المفسدة . والله أعلم . ‏} أهـ .
القول الثالث : جواز صيامها بعد رمضان ولا تتعين أن تكون في شوال : وهذا مذهب بعض متأخري المالكية كابن العربي ، والقرافي ، والشبيبي ، وجعله ابن مفلح احتمالا .
دليله :
الأول : دلالة حديث ثوبان رضي الله عنه : ( من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة ) ، فيشمل الصيام بعد الفطر ولو كان بعد شهر شوال .
الثاني : أن صيام الست مع صيام رمضان كان كصيام السنة لأن الحسنة بعشر أمثالها ، فرمضان ثلاثون يوما عن ثلاثمائة يوم ، والست عن ستين ، فيكون مجموعها عن ثلاثمائة وستين يوما قريبا من عدد أيام السنة ، وكون الحسنة بعشر أمثالها يستوي فيه الصيام في شوال وفي غيره ، ويدل عليه رواية أخرى لحديث ثوبان : ( جعل الله الحسنة بعشر أمثالها فشهر بعشرة أشهر وصيام ستة أيام تمام السنة ) ، وفي رواية : ( صيام شهر رمضان بعشرة أمثالها وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة ) ، و هذا أمر يستوي فيه شوال بغيره من الأشهر ، وهذا جعله ابن مفلح احتمالا .
الثالث : أن شوال ذكر في الحديث تعجيلا للمبادرة في العمل وانتهازا للفرصة خشية الفوات لا تقييدا في شوال ، أو تخفيفا على المكلف بسبب قربه من الصوم وإلا فالمقصود حاصل في غيره .
قال الشيخ أبو فؤاد فراس في بحثه " كيف نشأ القول بصحة إيقاع صيام الست من شوال في غير شوال؟ " والمنشور بموقع " ملتقى أهل الحديث " بالشبكة العنكبوتية : { وخلاصة ما تستند إليه هذه الطريقة ترجع إلى مأخذين :
المأخذ الأول : الدلالة البعدية لحديث ثوبان :
حديث ثوبان رضي الله عنه : ( من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة ) ، فبعد الفطر كما يشمل شوال فإنه يشمل ما بعده من الشهور.
ويجاب عنه :
 1- بأن الإطلاق في حديث ثوبان يقيد بما في حديث أبي أيوب من ذكر قيد شوال . فالأولى حمل حديث أبي أيوب رضي الله عنه على استحباب المبادرة بصيام الستة أيام في شهر شوال لأن هذا الجمع فيه إعمالٌ للدليلين معًا ، وإعمال الدليل أولى من إهماله فظاهر حديث ثوبان رضي الله عنه يدل على البعدية الموسعة - إن صح هذا التعبير - وفي تقييديه بحديث أبي أيوب رضي الله عنه تعطيل لذلك التوسيع في البعدية ، فأصبح حمل الحديث على استحباب جعل الستة أيام في شوال أولى لأنه فيه إعمال للحديثين .
 2- في اعتبار شوال اعتبار بعدية قريبة تناسب عادة الشارع في نوافل الفرض التي تفعل في زمن متقارب من الفرض ، إضافة إلى أن بعض أهل العلم فهم من البعدية في حديث ثوبان : المبادرة بصومه بعد انقضاء يوم العيد .
وقد يُعترض أيضًا على هذه الإجابة بأن عادة الشارع في نوافل الفرض تكون في وقت موسع فأنت تجد السنن البعدية لصلاة الفريضة يمكن تأخيرها إلى قبيل الصلاة التالية ، وكذلك في الصيام يمكن تأخير نافلة الصيام إلى قبيل الصيام المفروض التالي ( أقصد رمضان التالي )
المأخذ الثاني : علة المضاعفة :
لفظ حديث أبي أيوب : ( فكأنما صام الدهر ) ، والرواية الأخرى في حديث ثوبان  : ( جعل الله الحسنة بعشر أمثالها فشهر بعشرة أشهر وصيام ستة أيام تمام السنة ) ، فيكون من صام 36 يوما كأنه صام 360 يوما ، وهو صوم الدهر ، فالحسنة بعشرة أمثالها ، وهذا أمر يستوي فيه شوال بغيره من الأشهر، وهذا تعليل منصوص ، والعلة المنصوصة تعمم الحكم بعمومها ، بل استحب ابن العربي إيقاعها في غير شوال جمعا بين تحصيل الأجر، وبين البعد عن شهر رمضان وتوهم الجهال كونها من الفرض ، وقد استحب بعضهم جعل الست في عشر ذي الحجة لفضل تلك الأيام .
الرد على هذا القول :
قلت : قد يتراءى للبعض في بادئ الأمر أن هذا فيه وجاهة ، فهو تعميم للعلة المنصوصة ، ويكون ذكر شوال على سبيل المبادرة أو التخفيف لاعتياد الصائم على الصوم .
لكن هذا النظر الأصولي الظاهر فيه نظر لأمور عديدة ، منها ما يلي :
أولا : أن قيد الصيام في شوال كما حديث أبي أيوب : ( ثم صام ستا من شوال ) ، الأصل إجراؤه على ظاهره ، لما فيه من اعتبار الأوصاف المذكورة في النصوص ، ولا يلغى تأثيره في الحكم حتى تكون دلالة الإلغاء أقوى من دلالة الاعتبار، ويدل على اعتباره " ثانيا ".
ثانيا : أن المبادرة في شوال قد تكون مقصودة ، فإن الشيء إذا لم تنتهز فيه الفرصة ، ويفعل في آنه فإنه يفوت كما هو معتاد ، فيبدو أن نظر الشارع إلى شوال له معنى مقصود يتجاوز المضاعفة ، إلى تحقيق المبادرة والمسارعة ، ويساعد هذا  " ثالثا " .
ثالثا : ذكر الزركشي في البحر المحيط أن مصير بعض المالكية إلى الاكتفاء في اتباع رمضان بصوم ستة أيام من غير شوال ، نظرا لمعنى تكميل السنة ، يبطل خصوص شوال الذي دل عليه النص ، لأنه يشترط في العلة المستنبطة ألا ترجع على الأصل بالإبطال ، إذ الظن المستفاد من النص أقوى من المستفاد من الاستنباط ، لأنه فرع لهذا الحكم ، والفرع لا يرجع على إبطال أصله ، وإلا لزم أن يرجع إلى نفسه بالإبطال .
لكن يشكل على كلامه : أنها علة منصوصة ، لأنها جاءت في بعض الروايات ، وقد يقال إنها منصوصة باعتبار المضاعفة ، لكنها مستنبطة باعتبار إلغاء قيد شوال ، وقد يقال أيضا إنها جزء من العلة ، وليست هي كل العلة لما في شوال من أوصاف أخرى ، أقرَّ بها المخالف كالمسارعة أو التخفيف .
رابعا: أن عادة الشرع جبر الفرائض بالنوافل " المؤقتة " ، فلما كان صوم رمضان لا بد أن يقع فيه نوع تقصير وتفريط وهضم من حقه وواجبه ، ندب إلى صوم ستة أيام من شوال جابرة له ومسددة لخلل ما عساه أن يقع فيه ، فجرت هذه الأيام مجرى سنن الصلوات التي يتنفل بها بعدها جابرة ومكملة ، وعلى هذا تظهر فائدة اختصاصها بشوال ، وسيظهر ذلك أكثر في " خامسا ".
خامسا : أن النوافل جوابر الفرائض كما في حديث السنن ، فإن نقصت فرائضه كملت به من نوافله ، فهل يقال بإلغاء توقيت السنن الرواتب ، وأن الغرض الجبر ؟ فالمطلوب الاستكثار من التطوع ، وإنما أقتت للمبادرة وخوف الفوات والتسويف .
إذا تأملت تجد أن الفرق بينهما ليس واسعا ، بل جاء عن الإمام مالك نفسه اعتبار هذا المعنى وأنه لا توقيت في عدد التطوع مع الفرائض لا زيادة ولا نقصانا ، وأن من يوقت هم أهل العراق ! وذكر بعض أصحابه أن الأعداد الواردة في الأحاديث : ليست للتحديد ، وإنما ذكر التحديد تبركا بالعدد الوارد .
أرأيت ! فالمسائل رحم بعضها من بعض ! أما " سادسا " فهي أقرب في الرحم !
سادسا : يلزم من القول بصحة إيقاع الست في غير شوال ، صحة إيقاع صيام الثلاثة أيام من كل شهر في شهر واحد ! لأن صيام الثلاثة أيام هو أيضا صيام الدهر ! قال صلى الله عليه وسلم لعمرو رضي الله عنه : ( وصم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر ) ، فعدد الشهور 12 شهرا ، وفي كل شهر ثلاثة أيام ، 3 × 12 =              36 ، والحسنة بعشرة أمثالها ، وذلك صيام الدهر ! وحينئذ لا يكون صيام الثلاثة أيام من كل شهر متعينا ، وإنما المطلوب صيام 33 يوما في السنة ، وله أن يفرقها في الشتاء ، فإنه ربيع المؤمن ! فهل يوجد قائل بهذا القول ، ولا فرق ؟ وقد حكى ابن قدامة أنه لا يعلم خلافا في استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر . إن للشارع مقاصد في تعيين وقت الصيام وتحديد زمانه وقربه من الفرائض ، ما كان قبلها وما كان بعدها .
سابعا : أنه يلزم من إلغاء قيد شوال أنه لا فضل خاص لصيامها ، بل هي مثل صيام التطوع تماما ، فهذا هو أيضا أجر صيام التطوع ، ومن ذلك فإنه لو صام 33 يوما أخرى كان كصيام دهرين ، فألغيت خصوصية صيامها ، وآلت إلى صوم التطوع .
ويلزم أيضا : أنه يحصل أجر صيام الست بما لو صام عشر ذي الحجة أو عاشوراء أو صيام شهر محرم أو شعبان ، فيلغى تعيين استحبابها .
وبه يتبين : صحة انحصار الخلاف القديم بين قولين : الاستحباب ، وعدم الاستحباب ، أم القول المحدث بعدهما في صحة صيام ست شوال في غير شوال ، فهو في حقيقته عدم الاستحباب ، ولذا ولد في رحم هذا القول .
أنه لو كان المقصود مجرد ستة أيام مع رمضان لقال : ( من صام مع رمضان ستة أيام ) ، ولما قال : ( ثم أتبعه ) ، بحيث يكون للمكلف سعة أن يقدمها أو يؤخرها ، لكن لما كان لرمضان سنة قبلية ، وهي الإكثار من صيام شعبان ، ناسب أن يكون لرمضان سنة بعدية وهي الستة .
أنه لو كان المقصود مجرد صيام ستة أيام مع رمضان لأجزأ أن يصوم الستة في شعبان ، وبهذه الطريقة يكون مخالفا لنص الحديث : " ثم أتبعه ستا من شوال " ، فقد صار رمضان حينئذ هو التابع ! } أهـ .
القول الراجح :
هو القول الأول القائل بإستحباب صيام تلك الأيام من شوال ، لقوة أدلتهم ، وهذا ما أيدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية عندما سئلت : { هل صيام ست من شوال مكروه كما يقول بعض العلماء ؟
السؤال:  ماذا ترى في صيام ستة أيام بعد رمضان من شهر شوال ، فقد ظهر في موطأ مالك : أن الإمام مالك بن أنس قال في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان : أنه لم ير أحداً من أهل العلم والفقه يصومها ، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف ، وأن أهل العلم يكرهون ذلك ، ويخافون بدعته ، وأن يلحق برمضان ما ليس منه ، هذا الكلام في الموطأ الرقم 228 الجزء الأول .
الجواب : الحمد لله  : ثبت عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فذاك صيام الدهر ) رواه أحمد(5/417) ومسلم (2/822) وأبو داود (2433) والترمذي (1164) .
فهذا حديث صحيح يدل على أن صيام ستة أيام من شوال سنة ، وقد عمل به الشافعي وأحمد وجماعة من أئمة من العلماء ، ولا يصح أن يقابل هذا الحديث بما يعلل به بعض العلماء لكراهة صومها من خشية أن يعتقد الجاهل أنها من رمضان ، أو خوف أن يظن وجوبها ، أو بأنه لم يبلغه عن أحد ممن سبقه من أهل العلم أنه كان يصومها ، فإنه من الظنون ، وهي لا تقاوم السنة الصحيحة ، ومن علم حجة على من لم يعلم . وبالله التوفيق . } أهـ .
كما ان ابن رشد – رحمه الله - وهو مالكي المذهب قال في " بداية المجتهد " : { ان الامام مالك افتى بذلك لعدم ورود الحديث والان نحن نقول به لصحة الحديث } أهـ .

** نائب رئيس هيئة قضايا الدولة – الكاتب بمجلة التوحيد .


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد استبعاد "كوبر" عن تدريب المنتخب قبل المونديال؟

  • عشاء

    06:51 م
  • فجر

    04:44

  • شروق

    06:07

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:56

  • مغرب

    17:21

  • عشاء

    18:51

من الى