• السبت 17 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر08:55 م
بحث متقدم
الباحث القبطي سامح فوزي:

الأزهر بريء من دم الأقباط

ملفات ساخنة

الباحث القبطي سامح فوزي
الباحث القبطي سامح فوزي

حوار- محمد الخرو تصوير- أمينة عبدالعال

* مصر لن تجني إلا الكوارث من وراء هدمه

*شيخ الأزهر يعيد بنفسه قراءة المناهج.. وتطويرها مصلحة عليا للمؤسسة الدينية

* تفجيرا طنطا والإسكندرية جرحا الشعور العام للمصريين وليس الأقباط فقط

*تداعيات العمليات الانتحارية لن تتوقف عند الكنائس.. ومتخوف من تكرار السيناريو العراقي

*وهذه أسباب استهداف العنف للكنائس.. ودور الكنيسة كإطفائي للحرائق جلب عليها غضب الشباب

*الإسلاميون يتحملون المسئولية عن تحول الكنيسة لممثل سياسي للأقباط

* إسهامات التيارات السلفية مثيرة للجدل ولم تساعد على تقدم المجتمع

*أفكار برهامي حول المسيحيين عفا عليها الزمن.. وأرفض مصادرة كتبه

*الاعتراف بأخطاء الماضي والاقتراب من المجتمع بفكر جديد طريق الإخوان  للعودة 

*مشكلة الإخوان مع المجتمع المصري وليس النخب السياسية فقط

*غياب المشاركة المجتمعية في المشروعات القومية أبرز سلبيات حكم السيسي

 الدكتور سامح فوزي، كاتب صحفي وباحث، مهتم بالشأن القبطي والمواطنة والتنمية، حصل على الماجستير من جامعة "ساسكس" ببريطانيا في التنمية السياسية، والدكتوراه من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في مجال السياسات العامة، وله عدد من الكتب حول المساءلة، ورأس المال الاجتماعي، والتحول الديمقراطي.

فوزي فتح قلبه لـ"المصريون" وتطرق الحوار معه لقضايا شديدة الإثارة؛ فهو لم يجد أي حرج في تبرئة الأزهر الشريف من المسئولية عن انتشار العنف في جنبات المجتمع، رغم إقراره بحاجة المناهج الأزهرية لشيء من التنقيح بشكل يحقق مصلحة للأزهر نفسه، مؤكدًا أن الأزهر نفسه مستهدف من قبل داعش بنفس قدر التحديات التي تواجه المسيحيين.

وحذّر فوزي، في الوقت نفسه، من تبعات وتداعيات كارثية لمحاولات هدم الأزهر الشريف، قائلاً: "لو استطعنا أن نهدم الأزهر فهل نستطيع بناء أزهر آخر"، منتقدًا بشدة أفكار التيار السلفي والرجل القوي في الدعوة السلفية ياسر برهامي بالقول بأن إسهامات هذا التيار اكتفت بالشكلية فقط ولم تسهم بشكل قوي في تقدم مصر.

طالب الباحث المهتم بالشأن القبطي التيار الإسلامي بإجراء مراجعات قوية لأفكاره إذا كان جادًا في العودة للمجتمع، مشيرًا إلى أن شعور الإخوان بالمظلومية وأنهم على الصواب دائمًا يجعل عودتهم للمشهد شديدة الصعوبة كون أزمتهم ـ وهذا هو الأخطر ـ ليست مع النخب فقط بل مع قطاعات واسعة مع المجتمع.

الحوار مع الدكتور سامح فوزي تطرق لملفات شديدة التعقيد والأهمية، فإلي نص الحوار:

**ضرب تفجيرا الإسكندرية وطنطا جنبات المجتمع.. فهل ترى هذه التفجيرات عارضة أو قابلة للتكرار.. ولماذا تحول الأقباط إلى الطرف الأضعف في المواجهة بين الدولة والمتطرفين؟

**كنت أجلس في اجتماع مهم مع عدد من الزملاء في العمل، فوجدت علامات الوجوم على وجههم وهم يتلقون على هاتفهم المحمول "أخبار عاجلة"، وهؤلاء جميعًا من المسلمين، وهذا في رأيي أصدق دلالة على أن هذين الحدثين، وقبلهما حادث الكنيسة البطرسية، تسببت في جرح الشعور العام للمصريين، وليس فقط الأقباط. وهذا ما يجعلنا دائمًا رغم الأحداث المؤلمة نتفاءل: المصريون، مسلمون ومسيحيون، يرفضون العنف.

*ولكن لماذا يستهدف الإرهاب الأقباط خصوصًا في الأشهر الأخيرة؟

الإرهاب يضرب الأقباط لعدة أسباب: منها ما هو عقدي، نابع بالطبع من تفسيرات دينية مغلوطة ومشوهة، ينظر إلى دمائهم وأموالهم بألا حرمة لها، ومنها ما هو سياسي الغرض منه خلخلة الأساس الذي تقوم عليه الدولة ذاتها وهو التعايش بين المسلمين والمسيحيين، وإرباك العلاقات بين المسيحيين والحُكم، والإضرار بالسياحة والاستثمار.. إلخ، وهي إستراتيجية قديمة للحركات الإسلامية التي تنتهج العنف، رأيناها في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين في الصعيد، وأماكن أخرى، وهناك اقتناع لديها بأن استهداف الأقباط يحقق جملة من النتائج المؤلمة بالنسبة للنظام الذي ترفع هذه الحركات السلاح في مواجهته.

* عكسَ تفجيرا كنيستي الإسكندرية وطنطا تطورًا جديدًا عبر القيام بعمليات انتحارية تستهدف الكنيسة؟

 **   نحن إزاء تحدٍ جديد لم نألفه من قبل. العمليات الإرهابية التي وقعت ضد الأقباط خلال أربعة عقود جرت؛ إما باعتداء مباشر أو باستخدام متفجرات، الجديد هو أن يذهب انتحاري إلى الكنيسة، ويفجر نفسه.

في رأيي أن الدولة استطاعت أن تحدد هوية القاتل في غضون ساعات في حادثة الكنيسة البطرسية، وفي غضون أيام في حادثي طنطا والإسكندرية، وهو شيء جيد، ولكن التحدي الذي يواجه الأجهزة المعنية هو إجهاض هذه المحاولات في مهدها، قبل أن يرتدي شخص حزامًا ناسفًا، ويذهب إلى أي تجمع سواء في كنيسة أو مسجد أو جامعة أو مواصلات عامة، العراق اكتوت بهذا النار، ونحن نريد أن نتجنبه، لأنني لا أعتقد أن المسألة ستقف عند حد الأقباط، ويمكن أن تمتد إلى أماكن أخرى، لا قدر الله، ألم يتم تفجير مسجد في الشيخ زويد؟!.

**وجهت قيادات قبطية انتقادات حادة إلى الأزهر وكبار العلماء وصحيفة أخبار اليوم محمّلة إياهم المسئولية عن انتشار أفكار التطرف والإرهاب هل تؤيد هذه الانتقادات.. وما الأسباب الحقيقية وراء انتشار التطرف والإرهاب؟

**في أعقاب الأحداث الإرهابية في الكنائس، وهي جسيمة بالفعل، وأحدثت صدى محليًا ودوليًا واسعين، ظهرت آراء كثيرة، سادها الغضب، واختلطت فيها آراء ومشاعر، في رأيي أن الإرهاب ظاهرة سياسية لها أسانيدها الدينية، ولا أتصور أن خطاب الأزهر أو مؤسسات الإسلام الرسمي بشكل عام داعم للإرهاب، وإلا لما كان شيخ الأزهر نفسه محل انتقاد، وتوعد من جانب تنظيم "داعش" وغيره، وهو ما وضح في الشريط الذي بثه "داعش" في أعقاب الحادث الإرهابي في الكنيسة البطرسية، ولكن هذا لا يمنع أن تخرج أصوات أحيانًا من بعض المنابر الرسمية أو غير الرسمية بها تشدد، وغلو، وهو ما يجب التعامل معه. وإذا كان في المناهج التي تدرس في الأزهر ما يدعو للعنف ينبغي مراجعته، ليس فقط من أجل الأقباط، ولكن حرصًا على التعليم الديني الإسلامي ذاته.

*غير أن مناهج الأزهر تتعرض لحملة انتقادات تحمّله مسئولية انتشار العنف والإرهاب في جنبات المجتمع؟

** سبق أن سألت الدكتور أحمد الطيب، الأمام الأكبر، بشأن المناهج الدراسية، فقال لي إن كل ما يقال بشأنها كذب، وجرت مراجعتها جميعًا. وعلمت بأن الإمام الأكبر قام بقراءتها بنفسه لساعات طويلة، خاصة الطبعات التي صدرت في عام 2015-2016م، وفي كل الأحوال المسألة تحتاج إلى نقاش هادئ، بعيدًا عن الهجوم المتواصل على الأزهر؛ لأننا في النهاية نرى أن الأزهر والكنيسة وغيرهما من المؤسسات هي ركائز أساسية في المجتمع المصري نقترب منها برفق من أجل إصلاح شأنها، ولكن لا ننتهج سبيل النقد الذي يؤدي إلى هدمها، ولن يفيد مصر هدم الأزهر؛ لأنها لن تستطيع أن تبني أزهرًا آخر.

**اتهم أحد الأقباط الدعوة السلفية بزعامة ياسر برهامى بأنها تروج لأفكار التطرف والإرهاب، ودعا إلى مصادرة كتبه التي وصفها بأنها تكفر المواطنين المسيحيين المصريين ما رأيك في هذا الموقف وهل هذا أسلوب مفيد في تهدئة الأوضاع أم في إشعال النعرات الطائفية؟

**دعني أكون صريحًا معك. أنا لم ألتق بالدكتور ياسر برهامي، ولا أعرفه شخصيًا، ولكن ما أطالعه من تصريحات أو أشاهده من أحاديث تليفزيونية له أجده يتحدث  فيها عن "وجدان مصري" غير الذي أعرفه في العلاقات بين المسلمين والأقباط التي تقتسم الهموم وتتشارك في الحياة، هو يُكفّر المسيحيين، ويحرّم تهنئتهم في أعيادهم، يقولها صراحة، ويبني رأيه على تفسيرات دينية يراها علماء آخرون تعبيرًا عن آراء قديمة عفا عليها الزمن، ولكن ما يشغلني ليس ما يقوله بشأن المسيحيين فقط، ولكن ما يروجه من فقه أراه "غير مصري"، وافد من بيئات وثقافات أخرى لا تعرف تعددية، ورحابة الفقه المصري الذي تبلور على أيدي الفقهاء المصريين.

*كأنك بحديثك عن المصريين تشير إلى أفكار برهامي لا تتوقف تبعاتها على المسيحيين فقط؟

**لماذا نحصر ما يقوله الدكتور ياسر برهامي على المسيحيين، فهو له آراء صادمة للمسلمين أيضًا، هل عندما يحرم الاحتفال بشم النسيم، هل يسمع المسلمون كلامه؟ هل عندما يحرم الاحتفال بالمولد النبوي، باعتباره بدعة، هل يسمع المسلمون كلامه؟ هل آراؤه عن المرأة مقبولة من جمهور المسلمين؟ هل عندما يخوض في العلاقات الاجتماعية على نحو متشدد يجد آذانًا صاغية من المسلمين؟ المسألة أكبر من آرائه بشأن الأقباط التي ينتظرها الإعلام بشغف حتى يجعل منها موضوعًا ساخنًا، والملفت أنه سعيد بذلك؛ لأنه يعيد إنتاج نفس هذه الآراء والأفكار في كل مناسبة، وفي كل موقف، حتى أنها أصبحت جزءًا من احتفالات المسيحيين بالأعياد.

*وماذا عن الدعوة لمصادرة كتبه؟

**أما الحديث عن مصادرة كتب أو ما شابه فإنني بشكل عام ضد المصادرة، والفكر يتغير بالفكر، والرأي بالرأي، وأتمنى على الدكتور ياسر برهامي أن يعتقد فيما يشاء، ولكن أن يعرف أن المجال العام له طقوس في الحديث يتحفظ فيها الناس عن ذكر آراء ليست في محلها، ويحترمون فيها التعددية الدينية المتوارثة، ونتاج ما يقوله ويفعله السلفيون حدثت توترات دينية في أماكن عديدة، منها أخيرًا منع الأقباط من الصلاة في كوم اللوفي بالمنيا، بل والاعتداء عليهم. هل السلفي الذي لا يعترض على بناء مقهى يؤلمه إلى هذا الحد صلاة المسيحيين في كنيسة؟. وإذا أردنا بموضوعية شديدة أن نقيم ما قام به التيار السلفي في الحياة العامة طيلة السنوات الماضية سنجد أنه لم يقدم أفكارًا أو بدائل سياسية مهمة، فقط جملة من الآراء الإشكالية التي أثارت غبارًا أكثر ما ساعدت على تقدم المجتمع.

**يسود اعتقاد لدى الكثيرين من النخب تحول الكنيسة المصرية من حاضنة رعوية للمسيحيين إلى  لاعب أساسي في المشهد السياسي هل ترى هذا التطور يصب في مصلحة خيار المواطنة؟

**الكنيسة لم تسلم يومًا من اتهامات الحركة الإسلامية بشكل عام، وأنا متابع دقيق لذلك. في عهد البابا شنودة كان دائمًا يقال إن الكنيسة دولة داخل الدولة، وينبغي أن يترك للأقباط حركة الحركة في المجال السياسي، ولم يكن الكلام دقيقًا؛ لأنه لم يكن أحد يمنع الأقباط من المشاركة التي أغلقت منافذها أمامهم في الثمانينيات والتسعينيات، بحيث لم نعد نجد سوى نفر من المسيحيين أعضاء في البرلمان، وغالبيتهم إن لم يكن كلهم بالتعيين، ولم ينجح قبطي في انتخابات نقابة أو نادٍ إلا في أضيق الحدود. تصور الأقباط في أعقاب ثورة 25 يناير أن المجال فتح أمامهم، مثلما فتح أمام المصريين كلهم، لكن القوى السياسية لم تسع إلى دفعهم في الحياة السياسية، ولم يظهر التيار الإسلامي، ممثلاً في الإخوان المسلمين والسلفيين، أي بادرة إيجابية نحوهم، بل سعى، وهذا ما أعرفه جيدًا، إلى التواصل مع الكنيسة، والاتفاق معها إلى أن تكون هي الممثلة للأقباط، خلافًا لما كان يقوله وينادي به على مدار سنوات.

*هذا عن دور الكنيسة فماذا عن الموقف من طموحات المواطنين الأقباط؟

**في رأيي أن الأقباط، شأنهم شأن أي مواطنين، لا يطلبون سوى المواطنة بمعنى المساواة والمشاركة، والأفضل لهم أن يكونوا ضمن فئات المجتمع المصري جميعًا، وأن يكون دور الكنيسة دينيا ورعويا، ولكن حتى يتحقق ذلك ينبغي أن تتسع دوائر المشاركة، وتؤمن الأحزاب والقوى السياسية بذلك، وتنظر للأقباط بوصفهم مواطنين، رعايا للدولة، وليسوا رعايا للكنيسة.

**أثار تعامل الكنيسة بهدوء مع ملف تهجير الأقباط من العريش جدلاً كبيرًا خصوصًا أن موقف الدولة صار في إطار إيجاد بدائل للإقامة في الإسماعيلية ولم يطرح مسألة إعادتهم إلى أماكن إقامتهم كيف تتعاطى مع هذا الطرح الجديد وتقييمك لتعامل الطرفين مع هذا الملف الساخن؟

**هل نلوم الكنيسة على تعاملها الهادئ، والمتفهم، والمحتمل للتحديات؟ في كل الأحداث التي ألمّت بالأقباط في السنوات الأخيرة بدءًا من الاعتداء على المنشآت الكنسية في أعقاب فض اعتصام رابعة والنهضة، والتوترات الدينية، وتفجيرات الكنائس انتهجت الكنيسة نهج الهدوء، والصبر، والاحتمال في التعامل مع الأحداث، وهو ما أدى إلى ضبط شعور الأقباط الغاضبين، واحتملت انتقادات الكثير منهم، وبخاصة الشباب، ولا أعرف تحديدًا إلى متى تستطيع أن تؤدي هذا الدور؟

**أقر فريق داخل جماعة الإخوان المسلمين ما يمكن أن نطلق عليه "مراجعات فكرية"، كيف قرأت هذه المراجعات وهل تكشف عن نية جادة من قبل الجماعة للاعتراف بأخطاء الماضي؟

•ما فهمته من خلال متابعة ما ينشر في الإعلام أن هناك فريقًا من الإخوان المسلمين تحدث عن "مراجعات فكرية"، وفريقًا آخر رفض ذلك. ولا أعرف يقينًا ما ثقل أو وزن أو تأثير الفريق الداعي إلى المراجعة في جسد جماعة الإخوان المسلمين، وبالتالي فإنه في ظل غياب المعلومات لا يمكن الحكم على الأمور. والسؤال هل يعي الإخوان المسلمون أنهم أخطأوا حتى يذهبوا في طريق المراجعة؟ ما أطالعه من تصريحات وتعليقات هنا وهناك وأستشعر أن الإخوان المسلمين على موقفهم السابق، وفي قرارة أنفسهم أنهم على صواب. وهذه هي المشكلة.

**أطلق الكثير مبادرات للمصالحة الوطنية ولم شمل الوطن ما رأيك بهذه المبادرات وهل تؤيد لم الشمل؟ وما العراقيل التي من شأنها عدم إتمام هذه المصالحة؟ وما رأيك في الأصوات القبطية الرافضة وهل استمرار أجواء الاحتقان يصب في مصلحة الأقباط أم التهدئة الأفضل لمصلحتهم؟

•هل الأقباط اعترضوا على مبادرة المراجعات التي انخرطت فيها الجماعة الإسلامية في التسعينيات من القرن العشرين، وأسفرت عن خروج اثني عشر ألف شخص من السجون، رغم كل أعمال العنف التي ارتكبتها الجماعة الإسلامية حيالهم؟. قضية "لم الشمل" و"المصالحة" وخلافه من مصطلحات تدور في نفس المعنى أكثر تعقيدًا من رأي الأقباط فيها، وهي تحتاج إلى وقت طويل، ونبذ الإرهاب والعنف، وإعلان التيار الإسلامي أنه يريد أن يعمل في ظل دولة قانونية حديثة وفق قواعد العمل العلني، مع فصل كامل بين العمل الديني والسياسي، والاعتراف بأخطاء الماضي، والاقتراب من المجتمع بفكر جديد. وهل هناك نية للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت في حق الأقباط أنفسهم قبل أن نسأل عن رأيهم؟ في تقديري أن القيادات التي نعرفها من الحركات الإسلامية لم تعد قادرة على ذلك، والمطلوب هو ظهور جيل شاب جديد يريد بالفعل أن يشارك في المجتمع على أسس جديدة.

**هناك دعوات لدمج الإخوان في المشهد السياسي متزامنة مع احتواء ما عليهم من قضايا ووصفهم بالتائبين برأيك ما السيناريو الأفضل للتعامل مع هذا الملف المعقد؟ وهل تؤيد دمج الإخوان في المشهد السياسي مجددًا؟

•الحديث عن الاستيعاب والدمج أو ما شابه هو كلام الدوائر الغربية منذ 30 يونيو 2013 حتى الآن، ولكن هل تعتقد أن ذلك يمكن أن يتحقق بقرار؟ المشكلة الآن أمام الإخوان المسلمين ليست مشكلة سياسية فقط، ولكنها مع قطاعات عريضة من المجتمع، لا يمكن أن تتقبل نفس الخطاب من التيار الإسلامي عامة، والدليل على ذلك ليس فقط الموقف الرافض من الإخوان، ولكن تراجع حضور التيار السلفي على الصعيد السياسي، يجب أن يخرج التيار الإسلامي من الشعور بالمظلومية، ويدخل في عملية مراجعة حقيقية للأفكار، والممارسات، والنظرة إلى المستقبل ربما قد يصل في نهايتها إلى نتيجة أن السياسة ليست مكانه الآن، أو ليس هناك ما يمكن أن يقدمه في السياسات العامة.

**من الحديث عن التيار الإسلامي ننتقل إلى تقييمك لثلاث سنوات من حكم السيسي ما أهم الإيجابيات والسلبيات التي شهدتها وتقييمك لها؟

•دعنا نعترف، بعيدًا عن أي حديث أيديولوجي، أن أوضاع المجتمع المصري عشية تولي الرئيس عبدالفتاح السيسي السلطة كانت سيئة على أصعدة مختلفة، وهي نتاج أكثر من أربعة عقود من إعاقة التقدم والتنمية المشوهة، وبالتالي فإن أي رئيس يتولى  السلطة في هذه الظروف لن يجد أمامه اختيارات أو بدائل سياسات متعددة يمكن أن يختار بينها. "وضع اقتصادي سيئ"، "جهاز بيروقراطي مترهل ومتضخم ومعوق وفاسد"، "عدم وجود بيئة مواتية للاستثمار"، "تطرف وعنف.. إلخ"، وبالتالي فإن ما قامت به السلطة سواء من مشروعات بنية أساسية أو ارتفاع نسبي في منسوب الأمن، أو استعادة انتظام الحياة ذاتها جميعها مظاهر إيجابية، ولكن ما يعوق التنمية – في رأيي- رغم الجهود المبذولة هو ضعف المشاركة على المستوى الشعبي أسوة بما أخذت به دول أخرى مرت بتجربة مماثلة لما يمر به المجتمع المصري مثل البرازيل وبعض الدول الأفريقية من خلال تشجيع مشاركة المواطنين في تحديد أولويات الميزانية العامة، المشاركة في تنفيذ المشروعات، ومساءلة الجهاز الإداري، وغيرها مما يجعل المواطن يشعر في قرارة نفسه أنه يمتلك المشروعات العامة، وهي نتاج عمله، وليست نابعة من فوق من عمل حكومي فقط، فهو مشارك وليس متلقيًا.

**تبنت حكومة السيسي عند وصوله للسلطة نهجًا تفاؤليًا تحدث عن مصر باعتبارها أم الدنيا وهتبقى قد الدنيا لكن هذه النظرة سريعًا ما تلاشت وبدأ الرئيس نفسه يتحدث عن شبه الدولة وإحنا فقراء قوى كيف قرأت هذا التحول وخطورته على مجمل المشهد في مصر؟.

**في بعض الأحيان ينبغي أن يمزج الخطاب السياسي الرسمي بين أمرين متناقضين: بث روح التفاؤل والفخر في نفوس المواطنين وفي الوقت ذاته إشعارهم بحجم التحديات التي يواجهونها تحفيزًا لهم على العمل، وفي رأيي أنه من الأفضل مصارحة الناس بحقيقة الأوضاع؛ لأن تأجيل المشكلات أو عدم مواجهتها لن يسهم في حلها. وإذا كان البعض ينتقد تعبير "شبه الدولة" الذي جاء على لسان الرئيس، فهل يمكن أن ننكر أننا نختبر بأنفسنا كل يوم في الشارع ودهاليز الجهاز الحكومي أن التعبير صحيح؟ ولكن السؤال دائمًا: كيف يمكن أن ننتقل من شبه الدولة إلى الدولة؟ في تقديري أن أداة الانتقال الوحيدة هي التنمية، ولا يمكن أن تتحقق التنمية بدون تحقيق المواطنة والمشاركة والتقدم في التعليم؛ لأن تطوير نوعية الحياة للناس هي في النهاية التي تنقلنا من شبه الدولة إلى الدولة.

** أقر النظام ما وصفه بإصلاحات اقتصادية قاسية مست بل نكاد نقول دمرت الطبقة الوسطى والفقيرة وأبعدتها بالكلية عن أي تأثير في المشهد ما تقييمك لهذه الإصلاحات؟

**    في رأى غالبية الخبراء الاقتصاديين الذين تحدثت إليهم أو قرأت لهم لم يكن ممكنًا أن يستمر الوضع الاقتصادي الذي كان سائدًا، يستحيل أن يستمر اقتصاد ترتفع فيه فاتورة الدعم إلى هذا المستوى، ويعتمد على الاستيراد في كل شيء، مع ضعف في القدرات الإنتاجية والتصديرية، يضاف إلى ذلك تفاوت في سعر صرف الجنية مقابل الدولار يصل إلى الضعف في السوق السوداء مقارنة بالسعر الرسمي. الإصلاح الاقتصادي مؤلم، لكنه ضروري، وهو الذي يحول عمليًا دون انهيار الاقتصاد. بالطبع تأثرت الطبقات الوسطى والفقيرة من جراء ما حدث، ولكن على المدى الطويل سوف تكون هناك نتائج أفضل، ولكن هذا رهن بأمرين: الأول التوسع في التصدير والحد من حمي الاستيراد السائدة، والثاني جذب الاستثمارات الأجنبية، وهو ما يتطلب قانون استثمار جيدًا، تقليم أظافر الجهاز البيروقراطي، توفير بنية أساسية ملائمة، وهو ما تحاول الحكومة تحقيقه.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • فجر

    05:03 ص
  • فجر

    05:02

  • شروق

    06:29

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    17:01

  • عشاء

    18:31

من الى