• الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر01:23 م
بحث متقدم

دنيا الجبابرة .. ونهاياتها القاحلة (2)

مساحة حرة

هالة الدسوقي
هالة الدسوقي

هالة الدسوقي

 لا أعلم على وجه التحديد كيف تكون نفسيات الجبابرة العتاة في الظلم ؟..وكيف يستطيعون الحياة والتنعم بها وهم أداة لقهر عباد الله وذلهم، ولكن ما هو بعيد كل البعد عن تصورى ممكن الحدوث فلعلهم يزدادون تنعما ومتعة بممارستهم الظلم !! وكأنهم يقتاتون عليه ويرتوون من دماء الضعفاء!! .
ولعله المُلك أو السلطة أو السيادة أو الحكم .. لنطلق عليه ما نشاء .. هو ما حولهم إلى كائنات لا تحمل في جيناتها ما يمت للآدمية بشيء، وبنظرة تأمل نجد أن هذا المُلك يُطغى "ضعاف النفوس والعقول" وينفخ في أرواحهم فتتضخم لتمتلئ كبرياءً وغروراً وتجبراً، فيتحكمون في أرزاق ورقاب العباد بمنتهى البساطة.
كثيرون ممن يعتلون كراسي الحكم.. ترى الواحد منهم يتخلص من كافة القيم الإنسانية ويلقي بها بعد توليه الحكم في أقرب سلة مهملات، من أجل ممارسة نرجسيته وساديته وتسلطه وجبروته وطغيانه..هكذا هو الحال إذن، وكأن لسان حالهم يقول "أنا ومن بعدي الطوفان" .. و"يزداد الطين بلة" عندما ينشأ هذا الجبار في بيت مُلك في الأساس فيكبر وهو يشعر أن كل ما يحيط به من الحجر إلى البشر مُلكاً مطلقاً له.. فمنذ نعومة أظافره وأحلام سعادته أوامر ..ولما لا والكل رهن إشارته .. 
والعجيب أن هذا المخلوق المشوه إنسانياً قد تخترق شطحاته السماء ..وتتعدى حدود المعقول ..ويتخيل نفسه "إلــه" ويفرض على شعبه تخيلاته المريضة ويجبرهم على عبادته !! كما حدث مع جبار رقم 2 في هذه السلسلة، والذي ورد ذكر أفعاله في القرآن الكريم دون ذكر اسمه ورجح الكثيرون أن يكون اسمه النمرود.
وهذا النمرود إعتلى قمة الجبروت بإدعائه الألوهية، وخيلت له نفسه العليلة أنه يحي ويميت ! ويبين هذا الموقف تفاهة عقل هذا الجبار وخفته وضيقه وبالتالي سطحية تفكيره، فقد استعرض قدرته على الإحياء والإماته ببلاهة منقطعة النظير، وجاء ذلك خلال مناظرة بينه وبين نبي الله إبراهيم، عليه السلام، جاءت في قوله تعالي :" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" البقرة (258).
رد النمرود -  على نبي الله إبراهيم حينما قال له إن ربي يحيي ويميت – بحماقة قائلا: أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم كيف تحيي وتميت ؟ قال: آخذ رجلين قد استوجبا القتل في حكمي، فأقتل أحدهما فأكون قد أمته، ثم أعفو عن الآخر فأكون قد أحييته. فقال له إبراهيم عند ذلك: إن الله يأتي بالشمس من المشرق فائت بها من المغرب فبهت عند ذلك ولزمته الحجة وأدرك ضعفه، ودفعه فشله للأمر بإحراق نبي الله إبراهيم، عليه السلام، بالنار والتي تحولت عليه بأمر إلله إلى بردا وسلاما.
ولو استعرضنا قصص الجبابرة لوجدنا أنهم قد نُزعوا مما يطلق عليه القلب، وإن وجد كعضو في الجسد إلا أنه يخلو من كل ما يمس الرحمة بصلة، فيُقِبلون على قتل الأطفال بل المواليد بدم بارد لحماية ملكهم، وهو ما حدث في قصة النمرود هذا،  حيث رأى حلما طلع فيه كوكب في السماء فذهب بضوء الشمس والقمر فلم يبق لهما ضوء، ففزع فزعا شديدا وأرسل للكهنة والمنجمون ليفسروا له ما رأى، فقالو: انه سيولد ولد هذه السنة يكون هلاكك على يديه، فأمر بذبح كل غلام يُولد في تلك السنة، ووُلد نبي الله إبراهيم ذلك العام فأخفته والدته حتى كبر، فكان هو الغلام المقصود وحدث ما كان يخشاه هذا الظالم. 
أما نهاية هذا الطاغية فهي عبرة - ولكن لمن يعتبر – فقد هزمته "بعوضة"!، وهي جند من جنود الله، الذي قال فيهم جل وعلا :"وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ " المدثر (31)...كيف لهذا المخلوق الصغير الضعيف أن يهزم هذا الطاغية ؟! ولكن البعوضة وبإذن خالقها هزمته .. فهي إذن أقوى منه ومن جبروته وطغيانه وجنوده.
والقصة كاملة..أن الله تعالى بعث إلى النمرود ملكاً ليؤمن ويبقي على ملكه..ولكنه قال: وهل رب غيري؟ فجاءه الثانية والثالثة فأبى عليه. فقال له الملك ..إجمع جموعك في ثلاثة أيام..فجمع ذلك الجبار جيوشه وجموعه.. فأمر الله تعالى الملك أن يفتح عليه باباً من البعوض ففعل، فطلعت الشمس ذلك اليوم فلم يروها من كثرة البعوض فبعثها الله تعالى على النمرود وقومه فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، فلم يبق منهم إلا العظام، وبقى النمرود كما هو لم يصبه شيء من ذلك فبعث الله إليه بعوضة فدخلت في أنفه حتى وصلت إلى دماغه، فمكث 400 سنة تضرب رأسه بالمطارق فأرحم الناس به من جمع يديه ثم يضرب بهما رأسه وكان جبارا أربعمائة سنة فعذبه الله كمدة ملكه، ثم أن البعوضة أكلت دماغه وأهلكه الله سبحانه وتعالى.
انتهى الجبار الطاغية – المُدعى الألوهية – بحد سيف هش، لكنه اسكنه الذل والإنكسار والهوان، فسلك طريق أنفه الذي كان يرفعه بكبرياء واستعلاء ليصل إلى دماغه الصغير الضعيف ليرهقه عدد سنين مثل عدد سنين جبروته وظلمه، فكانت لا تسكت البعوضة عن دماغه حتى يضرب الجميع رأسه بما يخطر في بالهم حتى بالنعال .. فيسكن ألمه !!
يالها من نهاية عادلة .. معجزة .. من رب المعجزات .. خالق السموات والأرض .. القادر على كل شيء، الذي يمهل الظالم لميعاد، وفي ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ".



تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • عصر

    03:18 م
  • فجر

    04:27

  • شروق

    05:50

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:18

  • مغرب

    17:53

  • عشاء

    19:23

من الى