• السبت 17 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر09:50 م
بحث متقدم

إشراقات من معارك الأزهر الدينية مع الأنظمة المتوالية

وجهة نظر

الخضري
الخضري

د. عبد الرحمن الخضري

ظلت العلاقة بين الأزهر، أكبر المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي، وسلطات الحكم المتوالية في مصر، علاقة جدلية على مر الزمان، تتراوح بين المواجهة والتصادم حينا، والتقارب والتحالف أحيانا أخرى. فلم يكن الأزهر يوما مجرد جامع أو جامعة، ولم يقتصر دوره على تدريس العلوم الدينية والدنيوية، بل كان له دور رائد مع موائمات سياسية مع هذه السلطة أو تلك، بدون أن يفرط في الثوابت الدينية أو الشرعية. فقد يرفض قرارا سياسيا من نظام بعينه ويوائم أموره إما بالتجاهل أو بالتواجد على استحياء من خلال بيانات يصدرها، ولكن إذا تعلق الأمر بحكم ديني فإنه يخالف الجميع ويحافظ على المقومات الأساسية للشريعة الإسلامية.
فقد رفض الشيخ محمد مصطفى المراغي الاستجابة لطلب الملك فاروق، الخاص بإصدار فتوى تحرم زواج الأميرة فريدة طليقته من أي شخص آخر بعد طلاقها، قائلًا : «إن المراغي لا يستطيع أن يحرم ما أحل الله. أما الطلاق فلا أرضاه، وأما التحريم فلا أملكه».
وانتفض الإمام الأكبر عبد الحليم محمود عندما روج بعض المسئولين عن تعديل قانون الأحوال الشخصية، بحيث يقيد الطلاق، ويمنع تعدد الزوجات على خلاف ما قررته الشريعة الإسلامية. فأصدر الإمام الأكبر بيانًا قويًا حذر فيه من الخروج على تعاليم الإسلام، وأرسله إلى جميع المسئولين وأعضاء مجلس الشعب وإلى الصحف، ولم ينتظر صدور القانون بل وقف في وجهه حتى ألغى القرار.
ورفض الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، التطبيع مع إسرائيل، اعتراضا علي عدوانها، معلنًا تأييده للانتفاضة الفلسطينية. كما رفض زيارة المسلمين للقدس بعد أن أفتي بجواز ذلك بعض العلماء بعد اتفاقية أوسلو بين الحكومة الفلسطينية والحكومة الصهيونية، ولكنه رفض ذلك وأعلنها قائلا : «إن من يذهب إلى القدس من المسلمين آثم آثم». كما رفض استقبال الرئيس الإسرائيلي عيزرا وايزمان أثناء زيارته للقاهرة.
فوائد البنوك أيضا كانت محل وقفة شهيرة للشيخ جاد الحق ، حيث صدع حينها في وجه الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك مباشرة عندما أراده أن يصدر فتوي من شيخ الأزهر بإباحة فوائد البنوك، وأن تصدر فتوى رسمية من الأزهر بذلك بعد أن كان الأزهر يُحرمها تماما ويُفتي بأنها ربا صريح مائة في المائة.
مواقف الشيخ جاد الحق كانت حاضرة أيضا ضد قرار وزير التعليم بمنع الحجاب بالمدارس الابتدائية، وضرورة موافقة ولي الأمر في المراحل الإعدادية والثانوية، وأصدرت لجنة الأزهر قرارًا أعلنت فيه مخالفة القرار الوزاري للشريعة الإسلامية، وهو ما اضطر الحكومة للتراجع عن تنفيذ القرار.
كما كان للشيخ جاد الحق موقف مشهود عندما خاض معركة شرسة في مؤتمر السكان الذي انعقد بالقاهرة، في عام 1994، ضد بعض البنود الواردة فى مسودة إعلان مؤتمر القاهرة الدولى للسكان، حيث قال: «إن مصر بلد الأزهر لن تصدر بها قرارات تناهض الأديان وتعتدى على الكرامة الإنسانية».
وتصدى الشيخ جاد الحق لمسابقة اختيار ملكة جمال النيل من فتيات فى عمر المراهقة، حيث يركبن مركبًا فرعونيًا يسير في النيل بمصاحبة دبلوماسيين من معظم الهيئات الدبلوماسية، ومن ستفوز باللقب ستلقى في النيل ثم تقوم بالتقاطها فرق الإنقاذ، وقد كتب مقالاً يستهجن فيه أن يحدث هذا فى بلد العروبة والإسلام بعنوان “أوقفوا هذا العبث فورًا باسم وفاء النيل”، مؤكدًا أن هذا الاحتفال عودة مقنعة تحت ستار الرق والنخاسة وهذا ما يرفضه الإسلام وتعاليمه.
ويوم الخميس 11 أبريل 2013, رفضت هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف في بيان رسمي, محاولة نظام حكم الأخوان, تمرير مشروع قانون ما يسمى بالصكوك الإسلامية, وأكدت مناهضته لأحكام الشريعة ألإسلامية, وافتقاره إلى تحقيق المصلحة العامة للمواطنين.
وقبل سقوط نظام الإخوان، وجه الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، تحذيرات شديدة من قيام بعض أتباع الجماعات والتيارات الإسلامية المتشددة بتكفير المعارضين الداعين للمشاركة في تظاهرات 30 يونيه، لسحب الثقة من الرئيس المعزول محمد مرسي، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. وأكد الطيب أن «المعارضةَ السِّلميَّة لوليّ الأمر الشرعيّ جائزةٌ ومُباحة شرعًا، ولا علاقَةَ لها بالإيمان والكُفرِ، وأن العُنْف والخروج المُسلَّحَ مَعصِيةٌ كبيرةٌ ارتكبها الخوارِجُ ضِدَّ الخُلفاء الراشدين، ولكنَّهم لم يَكفُروا ولم يخرجوا من الإسلام وهذا هو الحُكمُ الشرعيُّ الذي يُجمع عليه أهل السُنَّة والجماعة».
وفي 11 ديسمبر 2014، أصدر الأزهر بياناً رفض فيه تكفير تنظيم داعش. وأوضح البيان أن أفعال هؤلاء ليست أفعال أهل الإسلام، بل هي أفعال لا تصدر من مسلمين. وفي 31 من ديسمبر 2014، خلال لقائه برؤساء تحرير صحف مصريّة، أكّد شيخ الأزهر احمد الطيب أنه من الممكن قطع أيدي عناصر داعش وأرجلهم أو صلبهم وهذه حدود الله في الخوارج، ولكن لا يجوز تكفيرهم. 
وقررت هيئة كبار العلماء برئاسة شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، بالإجماع، رفض خطبة الجمعة المكتوبة التي بدأت وزارة الأوقاف تطبيقها في المساجد، في إطار خطتها لتطوير الخطاب الديني، واعتبرها الأزهر تجميد للخطاب.
وعندما طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي فتوى بمنع وقوع الطلاق الشفوي للمتزوجين إلا بوثيقة أمام مأذون شرعي، أصدرت هيئة كبار علماء الأزهر، برئاسة الطيب، بيانا أقرت فيه وقوع الطلاق الشفوي المستوفي أركانه وشروطه، وأكدت أن هذا ما استقر عليه المسلمون منذ عهد النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، فيما حذرت المسلمين من الاستهانة بأمر الطلاق، ومن التسرع في هدم الأسرة وتشريد الأولاد.
ومن خلال المعارك الدينية التي خاضها، يتضح جليا أن الأزهر منارة العلم وحصن الإسلام وحامي العقيدة وفخر مصر والأمة الإسلامية بأسرها. وسيظل المرجعية الكبري التي يأوي إليها المسلمون بحثا عن الفكر الوسطى، ويتخرَّج منه كبار العلماء والمفكرين حاملين راية الإسلام خفاقة ترفرف في أرجاء الدنيا يستهدي بها من يسأل الأمن والسلام والطمأنينة.

** أستاذ دكتور مساعد بجامعة الازهر

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • فجر

    05:03 ص
  • فجر

    05:02

  • شروق

    06:29

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    17:01

  • عشاء

    18:31

من الى