• الجمعة 21 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر07:23 م
بحث متقدم

دنيا الجبابرة .. ونهاياتها القاحلة (1)

مساحة حرة

هالد الدسوقي
هالد الدسوقي

هالة الدسوقي

من يعيش أيامنا تلك يظن أننا أوشكنا على نهاية العالم، فالشعوب الضعيفة تزداد وهن على وهن، بينما يزداد حكامهم ظلما على ظلم واستبدادا فوق استبدادهم، وإن نظرت حولك لوجدت أن عدد السفاحين مصاصي الدماء في ازدياد لا يشبعون أبداً رغم أنهار الدم التي أجروها.
ولعل جبروتهم الذي لا ينتهي ينبع من تأكيدهم لأنفسهم أن الدنيا قد دانت لهم وطابت، رغم أنهم لا يغادرون قصور الخوف إلا بصحبة جيوش مدججة بكافة أنواع الأسلحة .. هذه حقيقتهم جبابرة منعمون ومتكبرون، لكنهم بينهم وبين أنفسهم في سجون الرعب مقهورون، ولكي يواجهون خوفهم هذا يرتكبون مزيد من جرائمهم للقضاء على كل من يَشكون أنه يهدد عرش ملكهم ولو بمجرد قول كلمة لا !
والرد على من يظنون أننا في نهاية الدنيا أن العالم قد عاصر أشد واقسى من الأزمات التي نعيشها بكثيييير ورأى جبابرة ومتسلطين مثل الذباب، ولعل من عاصروا هؤلاء الجبابرة وجرائمهم ظنوا كما ظن بعضنا أن نهاية العالم أوشكت، إلا أن الدنيا استمرت وانتهى كل جبار ليستقر في قبره، ولعله هو من يتنمى ألا ينتهي العالم يوما حتى لا ينال عقابه الأعظم، الذين أنكره أو تناساه.
وتروي لنا صفحات التاريخ قصص طغيان كثيرة لعل بداياتها كان على يد قابيل ابن سيدنا آدم، فهو يستحق لقب "الجبار الأول في الأرض" لقتله أخيه هابيل بدم بارد، وهو – قابيل - الشخصية البخيلة ..عديمة الرحمة والأخلاق، لذا لم يجد مانعاً ولا رادعاً من أن يسفك دم هابيل من أجل أنانيته وغيرته العمياء ومصلحته وأغراضه غير المشروعة.
وكان أول جبار من بني البشر  - كما هم الآن – لم يفكر كثيرا في حساب الله، سبحانه وتعالى، ولا في مرده إليه في يوم من الأيام، بل أنه تميز بسوء أدب في التعامل مع ربه، وهو ما ظهر جلياً وقت تقديمه القربان لرب العالمين، وقد أختار أسوأ ما يملك جشعاً منه وبخلا وضعف إيمان وفساد عقيدة وقلة عقل.
وأتأمل في الحوار الذي دار بينه وبين أخيه قبل أن يقتله ما يبين أن سوء هذا القابيل لم يكن وليد موقف واحد، بل لعله منذ نعومة أظافره وهو لا يفعل سوى ما يضر، وهو ما جعل هابيل يتمنى له أسوأ أمنية إذا ارتكب كبيرة القتل التي سولت له نفسه ارتكابها، وهي أن يكون من أصحاب النار، ولكن حماقة هذا القابيل أعمت عينيه عن رؤية العاقبة، كما عمي قلبه فاستحق لقب أول قاتل في تاريخ البشرية .
ولنتأمل سوياً الأحداث كما وردت بسورة المائدة، قال تعالى "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ  قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَ?لِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) "
قُتل هابيل على يد أخيه قابيل واتخذ قرارا بألا يمد يده إليه بسوء، رغم أنه كان الأقوى حسب بعض الروايات، وعاش القاتل بعد ذلك لفترة، لا نعلم على وجه التأكيد كيف كانت ولكن الله سبحانه وتعالى أخبرنا أنه ندم على ما فعل :" فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَ?ذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ"، وكما تقول بعض الروايات أنه قُتل على يد أحد أبنائه، كما ذكرت بعض الأقاويل أنه ظل يعيش في رعب وخوف بعد قتله أخيه وهرب بعيدا عن مكان القتل، بل جاءت ذريته على شاكلته من فساد العقيدة وسوء الأخلاق، والله أعلم.
جزاء أول جبابرة الأرض كان القتل أيضاً، بجانب فقدانه للأمان، وعقاب لا تستطيع الجبال حمله، كما ورد في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها"، لأنه كان أول من سن القتل، ولذلك يتحمل الذنب مع كل قاتل بعده إلى يوم القيامة.
 والعبرة أن لكل طاغية ميعاد ونهاية، فلا يستبعد أحدنا تخلص العالم من جبابرته الحاليين بطريقة لا نتخيلها نحن ولا يصل إليها خيالهم. ووعدهم الله ووعده الحق فقال في سورة إبراهيم "وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى? مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)".



تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • عشاء

    07:28 م
  • فجر

    04:24

  • شروق

    05:47

  • ظهر

    11:53

  • عصر

    15:21

  • مغرب

    17:58

  • عشاء

    19:28

من الى