• الأربعاء 14 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر09:44 ص
بحث متقدم

حديث نفس

مساحة حرة

هالد الدسوقي
هالد الدسوقي

هالة الدسوقي

نفسُ طيبة نقية زكية .. تُؤثر الغير على نفسها صبورة .. معطاءه واجهت الحياة بشجاعة وجسارة لفترة، ثم طالتها أصابع الأزمات والصدمات فخلفت أظافرها جروح في ملامحها، وحاولت تَغير نقائها وتبدل طبعها من السماحة المتناهية إلى الضجر والغضب في كثير من الأحيان..
لعلها هذه النفس النقية سأمت الحياة، واضطربت لانقلاب الموازين في عالمنا اليوم الذي أصبح فيه الذئب حمل وديع، واتهام الناس للحمل الوديع بأنه وحش خطير .. بشر غرباء اتقنوا الظلم والطغيان وجعلوه منهج حياة، فراجعت هذه النفس الزكية نفسها في طيبتها محاولة الهروب من طبيعتها، فتحولت من سكينتها وصبرها إلى نقمتها وغضبها على ما حولها ومن حولها.
اعجابي لها حتى وقت قريب كان منقطع النظير فهي نفس نقية كماء المطر، ولفترة من الزمان فشلت الظروف في تعكيرها وتكديرها، حتى نجحت في تشكيلها وتسلطت عليها ففعلت فيها ما فعلت النار بالمعادن، فالنار تزيد الذهب لمعانا أو أن تصقل الحديد ليتشكل على كل لون، هذه النفس الهادئة في تحولها أصبحت كالحديد الذي تعاملت معه النار فتحول إلى سيف استخدمته في طعن طبيعتها المثالية، بل واستخدمته في طعن نفوس أخرى حولها.. ما الذي حدث ولما استسلمت تلك النفس ؟!
كل ما أعلمه يقينا أنها سوف تعود مهما حاولت الهرب..يوما ما سينتصر نقاءها ويغطيها ثانية صبرها وسماحتها..حتما ستقف بعد عثرتها فقد انشغلت في لملمة جراحها ومواساتها وتطيبها..حتما اُستهلك هذا وقت..وبعده سوف تقوى على الوقوف والمضي في الطريق القويم والبعد عن كل مشين..
ولتلك النفس وغيرها من أنفس تعبت من هذه الحياة المليئة بالخبث والخداع حكايات عدة لأنفس أظهرت فيها الظروف لمعان الذهب كهذه: يذكر أن أحد السلف كان أقرع الرأس ، أبرص البدن ، أعمى العينين ، مشلول القدمين واليدين ، وكان يقول : "الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيراً ممن خلق وفضلني تفضيلاً " فَمَرّ بِهِ رجل فقال له : مِمَّ عافاك ؟ أعمى وأبرص وأقرع ومشلول . فَمِمَّ عافاك ؟ فقال: ويحك يا رجل ! جَعَلَ لي لساناً ذاكراً ، وقلباً شاكراً ، وبَدَناً على البلاء صابراً !
وماذا تكون ابتلاءات تلك النفس مقارنة بما عاناه المسلمين الأوائل ... فهذا سيدنا أبوبكر الصديق رضى الله عنه، من قبل أن يتولى الخلافة والابتلاءات تلاحقه لكنه تحلى بنفس صلبة قوية لا تسقط ولا تنحرف عن طريقها للحظة ولكنها دائما مستقيمة، وهو الوحيد الذي ثبت عند موت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مقولته الشهيرة "من كان يعبد محمد فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله تعالى فالله حي لا يموت"
وخلال ولايته تحلى بالحزم والقوة -وهو المعروف عنه الرقة الشديدة- في التعامل مع أزمات تهدد كيان الأمة الإسلامية مثل الردة، ولكن نفسه النقية الزكية النادرة الفريدة، التي تشرفت بصحبة خير الخلق أجمعين لم تتغير ولم تتنازل في تعاملها مع الأزمات عن حرف جاء به القرآن أو تصرف قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولنا أن نتأمل  قوله  في مانعي الزكاة واصراره على مقاتلتهم، فرد على عمر- رضي الله عنه - حينما سأله : كيف نقاتل الناس ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه ، وحسابه على الله " ، فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه. فقال عمر بن الخطاب : فوالله، ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال ، فعرفت أنه الحق .
تلك النفوس تزيدها الصعاب لمعانا وبريقا فتضيء للناس لياليها المظلمة ليهتدوا لنور الله، وكيف لا وهو الصديق الصدوق لأفضل الخلق أجمعين .. وقتما أحس بالخوف قال له حبيبنا رسول الله "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، وهي عقيدة رسخت في قلب أبي بكر فجعلها أسلوب حياة لا يحيد عنه ولا يعرف الخوف إليه من طريق..
ولكن عندما نتحدث عن الصحابة مثلا يردون أين نحن من هؤلاء ؟... هؤلاء صحابة رافقوا رسول الله أما نحن فلا نستطع أن نكون مثلهم أبدا، ولن نرد عليهم فقط سوف نشير لهم على الرد الوارد في كتاب الله العزيز، حيث قال سبحانه وتعالى:  "..... قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا "، 93 الإسراء.
 "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ" (9) الأنعام ... إذا فالحكمة ظاهرة جلية الرسول والصحابة بشر حتى نستطيع ونحن بشر أن نقتدي بهم ونتبع هداهم، إذا فالحجج واهية وعدم الاتباع هو حجة البُلداء.. فالاقتداء ممكن ... وتمرين النفس وتطويعها مُيسر ومستطاع.. فالعلم بالتعلم والصبر بالتصبر والحلم بالتحلم .. فكن أنت قائد نفسك وفارسها - خاصة إذا كانت من النوع الذي تحدثنا عنه - ولا تكن مطية لها تُوردك المهالك.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • ظهر

    11:44 ص
  • فجر

    05:00

  • شروق

    06:26

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:42

  • مغرب

    17:02

  • عشاء

    18:32

من الى