• الأحد 23 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر08:45 ص
بحث متقدم

"الليلة معدتش".. زوجى الحبيب سلام على روحك

مساحة حرة

شرين بكر
شرين بكر

شيرين بكر

تلك الليلة كان اهتمام الأطباء وفريق التمريض فوق العادة، يدخلون كل خمس دقائق يرددون جملة واحدة "عايزين الليلة دى تعدى يابشمهندس"، فيميل زوجي برأسه يمينًا ويسارًا وكأنه يقول لهم "لا فائدة"، أما أنا فتترقب عيناي جهاز التنفس كي أتابع بنفسي طوال الـ24 ساعة هل التنفس على ما يرام أم لا وكلي أمل وتفاؤل أن "الليلة دي هتعدي"، فلم يخطر في بالي أنها آخر ليلة وهو لم يخبرني أنه يعلم بذلك، بل كان ينظر معي على هذا الجهاز الذى يعد أنفاسه، فعندما يعلو المؤشر للمئة كان يعلو الأمل وحينما يهبط المؤشر تتسارع دقات قلبي ويزيد إصراري "أرجوك اسمع كلام الدكتور وانزل العناية المركزة" وكان الرد هو الرفض.


"مش عايز أموت وأنا لوحدى".. هكذا قال لشقيقته التي كانت تترجاه للنزول للعناية المركزة، كما أمر الطبيب الذى أكد أن غرفة الرعاية سيكون بها أفضل تجهيزات لحالته إلا أن الرفض جاء منه بشكل قاطع ونهائى، فلا جدوى للاتصال بأقرب الأصدقاء لكي يقنعوه بما قاله الطبيب الذي كنت أتفادى أن أقف بجانبه كي لا أسمع تطورات الحالة فكان الحديث يرعبني، ولا أرغب في سماع ما يؤذي روحي، لا تقول يا طبيب أن الحالة متأخرة، وأن المرض تمكن منه، ويستحيل أن يُشفى فربي هو الشافي المعافي ولا مستحيل في قاموس حياتي، فقد واجهت الكثير من الابتلاءات والصعاب وكان ربي ينصرني ويظهر لي حكمته في النهاية فأزيد في حمدي وشكرى لله على الابتلاء، هكذا علمتني الحياة، فلن يخطفه الموت مني ومن ابني.


"متخافيش هبقى كويس".. آخر كلمات نطق بها حينما انهرت أمامه وأنا أتوسل الطبيب أن يفتح غرفة العناية المركزة وينقل زوجي إليها بعدما انخفض مؤشر التنفس الذي فاجأنا فجرًا بالهبوط السريع، إلا أن الطبيب الذي بدا عليه التوتر كان يلومنا لأن زوجي رفض النزول للرعاية في الليلة الماضية فرجوته أن يسامحنا ليبقى لنا بصيص أمل، فأصر على خروجى من الغرفة لكي يقوم بالإسعافات الأولية حتى تنتهى إجراءات النزول لغرفة العناية المركزة.. وبالفعل نزلنا إلى غرفة العناية المركزة وعند الباب ادخلوه وتم توقيفي "ممنوع يا مدام" فاستسلمت، لا بأس، قليل من الوقت وسوف يكون بخير وسأدخل له، وسأرى مؤشر التنفس يعاود إلى المئة مرة أخرى، إلا أن الطبيب خرج لي مسرعًا "مدام تحبي نحطه على جهاز تنفس عادي ولا خراطيم"، فانظر إليه باستغرب "حضرتك بتاخد رأيي ده شغلك"، يا ريت يا مدام تردي علينا بسرعة، كده كده الأمر منتهي، والاستشاري بيقول بلاش تطولوا وتعذبوه أكتر من كده، وخليه على التنفس العادي.. فتتسارع دقات قلبي "ايه اللي بتقوله ده يعني ايه" فيتركني بلا رحمة "خدي رأى أهله وردي عليا".. ما أقساها من لحظة ومن حوار سيظل عالقًا في ذهنى إلى أن أموت.. ماذا أفعل؟ ماذا على أن أقول للطبيب الذي لم يرحم ضعف زوجة وأم لطفل 5 سنوات، ينتظر أباه بلهفة أن يعود للبيت ليعيشا سويًا أسرة سعيدة .. ماذا أقول لأمه المكلومة التي تتقطع عليه ولا تتوقف عن البكاء على ابنها الشاب المهندس الخلوق؟، كيف سأواجه أبيه الرجل المسن وأشقاءه الذين يموتون يوميًا عليه ولم يتركوه لحظة واحدة طيلة مرضه؟، ساعات وزوجي روحه تغادرنا، 48 ساعة خطر كما قال الطبيب، ندخل أنا وعائلته العناية المركزة وهو يظل فاقدًا للوعى نقرأ له القرآن ونقول له "تمسك بالحياة"، وندعو الله ونتوسل إليه أن يفيق مرة أخرى ولكن إرادة الله فوق كل شىء فسرعان ما خطفه الموت.


أتذكر طوال سنوات علاج زوجي من هذا المرض اللعين وهو لم يتكاسل أبدًا في عمله فكان العمل مقدس بالنسبة له يشعر بأنه يحمل أمانة عليه تأديتها أولاً، فكان يصر على تأجيل جلسة الكيماوى يومين أو ثلاثة حتى ينتهى من "مشروع يقوم بتنفيذه" ولا تزال تلك الليلة عالقة في ذهني، فقبل أن نذهب إلى المستشفى من أجل جرعة الكيماوي المميتة أخذني إلى مقر عمله وكان يوم السبت وهو إجازة رسمية لجميع العاملين بالشركة ولأنه كان كثيرًا ما يصر على النزول أيام الإجازات لاستكمال عمله فكان لديه نسخة من مفتاح الشركة فأصر على أن نذهب هناك قبل الذهاب للمستشفى لكي ينتهى من جزء باقٍ في المشروع حتى يكمل بعده زملاؤه ولا يتسبب في حدوث أي تعطيل للعمل فكان الأمر مزعجًا لي كونه لايهتم بصحته ويؤجل جرعة الكيماوي فكنت أردد دائمًا عليه مقولة عليك بأن تهتم بصحتك أولاً قبل ان تهتم بالعمل إلا أنه كان لا يكترث لكلامي فشعوره بأنه أنجز عمله على أكمل وجه يجعله دومًا يشعر بالرضا النفسي، فاستسلم لرغبته وأنا كلي فخر بأني زوجة هذا الرجل الأمين الصبور الشجاع الذي يبقى مصلحة عمله على مصلحته، وفضلت الصمت والاكتفاء بإعداد فنجان قهوة يحتسيه وهو يعمل وظللنا ثلاث ساعات وكان موعد حجز المستشفى مضى، وحينما انتهى من عمله لمعت عينيه وبكل رضا وراحة بال وضمير ذهبنا إلى المستشفى من أجل جرعة الكيماوي المميتة فوجدنا الغرفة في انتظارنا رغم أن موعد الحجز فات وهذا الحدث نادرًا فى المستشفيات الخاصة.


زوجي الحبيب صبرت على الابتلاء ولم تجزع كلى ثقة بأنك "هتكون كويس" كما صرحت لي في آخر كلمات بيننا، سأروى لابننا رسائلك له التي احتفظ بها على هاتفي "قولي لأحمد بابا بيحبك".. سأقص عليه قصة صبرك وسيرتك العاطرة التي ستظل بين أحبابك.. سلام على روحك الطاهرة.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • ظهر

    11:52 ص
  • فجر

    04:25

  • شروق

    05:49

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:19

  • مغرب

    17:55

  • عشاء

    19:25

من الى