• الثلاثاء 25 يوليه 2017
  • بتوقيت مصر08:30 م
بحث متقدم

أفكار تجاوزها الزمن (الشمول)

وجهة نظر

د. عمرو عبد الكريم سعداوي
د. عمرو عبد الكريم سعداوي

د. عمرو عبد الكريم سعداوي

أخبار متعلقة

فساد

الاسلام

مصر

تحرير

الدين

كان "الشمول" هو الوصفة السحرية التي انطلقت منها الحركة الإسلامية المصرية في بناء تلك الجماعة الكبيرة التي يقوم بنائها الهيكلي على تنظيم محكم يفي بإمكانات السيطرة على مختلف جوانب حياة الأفراد والمجتمعات والدول تحت شعار حلم إعادة الخلافة أو دولة الإسلام الكبرى التي تعيد أمجاد الدولة الإسلامية الأولى.
كان "الشمول" استجابة ظنتها الجماعات الدعوية في تلك المرحلة المبكرة استجابة وجودية حين ربطت بين شمول دعوة الإسلام لكل مناحي الحياة، وشمول الحركة الداعية إليه لمختلف جوانب الحياة، وإن كان التطابق مستحيلا، لكن هكذا الأحلام المستحيلة عندما تقضي على حامليها.
وكان "الشمول" فخا كبيرا استنفد كثيرا من قوى الحركة الإسلامية وأدخلها في صراعات جمّة مع أطراف كثر، وفتح عليها من أبواب الخلاف داخليا وخارجيا ما كانت في غنى عنه لو خفضت سقف الحلم، واعتبرت نفسها خطوة أو حتى خطوات في طريق الحلم، لكنها أبت إلا أن تكون تمثيلا مطابقا لما تريد أن تحققه من الدولة في عالم الواقع، والجماعات مهما كبرت لا يمكن أن تكون دولا، هذه أحلام مدمرة للكيان.
 كان "الشمول" فخا ومدعاة لفتح أبواب الصراعات التي لا تنته، فعندما تنازع الكثيرين على مواقع الكلأ والماء لا تظن أنهم سيتفرجون عليك، وعندما تحاول تأميم ما يتعيشون عليه رصيدا في الخزائن أو مواقعا ومناصبا تفتح أبواب الخزائن فلا تظن أنهم سيدعوك وشأنك.
كان "الشمول" فخا أو شئنا الدقة كمينا (نصبته لنفسها ولم ينصبه أحد لها) لمجمل الحركات الإسلامية التي نشأت تكرارا لتجربة كانت شديدة الخصوصية من حيث الزمان والمكان ومن حيث البيئة الحضارية التي نشأت بها واستصحبت كل أمراضها النفسية والإدارية.
وكان هذا الربط بين شمول الإسلام وشمول الحركة الداعية إليه ربطا تحكميا لا يستند على رؤية عميقة من دراسة الأحكام الشرعية ولا مقاصدها ولا إدراك لمآلاتها، ولا فهما لواقع ظلت تتيه على الآخرين بأنها تفهمه وتدرك ملابساته، وإن كان هذا الفهم ادعاء، وهذا الإدراك تصور لا يملك برهانا ذاتيا ولا إثباتا عمليا وهذا ما بينته تجارب الأيام اللواحق وسيل الأخطاء المتراكبة الدالة على عدم فهم حقيقي للواقع، وعدم إدراك دقيق لموازينه خاصة عندما فتحت عليها أبواب السلطة مع هبوب رياح الربيع العربي.
إن كون الفكرة الإسلامية تحيط بأركان الحياة جميعها، ولها على كل سؤال إجابة، ولها في كل قضية قول على اعتبار أن الإسلام دين شامل لمظاهر الحياة جميعا لا يستلزم أن تحيط الجماعة التي تحمله أو الداعية إليه بكل مظاهر ونواحي الحياة، إذ أن شمول الدين لا يفرض شمول التنظيم أو الجماعة التي تحمله أو تدين به.
وربما كان أول من سمعت بأذني منه رفضا تاما لتلك الفكرة وخطلها وخطرها على كيان الفكرة الإسلامية ذاتها هو أستاذي الراحل عبد الحليم أبو شقة (صاحب موسوعة تحرير المرأة في العصر الرسالة) وهو أحد الرواد الأوائل من جيل الأربعينيات ومن حمل على عتاقه هم تطوير الفكر الإسلامي وفتح آفاق جديدة له سواء من حيث القضايا أو طريقة التناول لها، فكتب رحمه الله وهو صاحب رؤية تجديدية عميقة عدة صفحات أطلعني تكرما منه وفضلا عليها وكانت مرافعة قوية عن ضرورة التخصص للحركة الإسلامية وأن تقوم على فكرتها الكلية عدة مؤسسات متخصصة لا يربط بينها رابط تنظيمي ولا يكون بينها إلا التنسيق غير الملزم، فلا أمر ولا سمع ولا طاعة ولا تراتبية تنظيمية، ولا أعرف مصير تلك الورقات منذ وفاته في عام 1995، وأحسب أن جماهير الفكرة الإسلامية بحاجة إلى الاطلاع على تلك السطور المضيئة، رحم الله أستاذي الكبير عبد الحليم أبو شقة. 
رفعت الحركة الإسلامية راية الشمول وضرورته وإلزاميته لكل من يدعو للإسلام، واعتبرها البعض علامة صحة الطريق فكل جماعة تنادي بالتخصص أو العكوف على جانب واحد من جوانب الإصلاح هي جماعة ناقصة لا تستحق الانطواء تحت لوائها، ولا العمل تحت رايتها.
كان التصور الكامن أن شمول الجماعة هو انعكاس لشمول الإسلام وكأن عدم ادعاء جماعة معينة أنه لا يمكنها أن تصلح المجتمع من جميع الجوانب هو عدم اعتراف بأن الاسلام دين شامل لكل جوانب الحياة، ومن أكبر الدلائل على فساد المنطق سوء المآل.
حملت الحركة الإسلامية مقولات "الشمول" وكان حملا ثقيلا، أرهقها وأثقل كاهلها بما لا طاقة لجماعة مهما كبرت به، فوظائف الدول لا يمكن لجماعة أن تقوم بها، وأدوار المجتمعات لا يمكن لتنظيمات أن تحيط بها.
وربما كانت هذه دعوة لإحياء فكرة الأستاذ عبد الحليم أبو شقة من قيام الجماعات الإصلاحية على التخصص والمؤسسية واحترام التنوع والقبول والتسليم بواقع الاختلاف، واقعا لا يسع عاقل إنكاره.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

الزيادات الجديدة في أسعار شرائح الكهرباء

  • فجر

    03:37 ص
  • فجر

    03:36

  • شروق

    05:12

  • ظهر

    12:06

  • عصر

    15:46

  • مغرب

    19:00

  • عشاء

    20:30

من الى